حماس تنتخب قيادتها الجديدة.. ماذا ينتظر الحركة بعد صعود خليل الحية؟
فهل يعكس هذا الاختيار تحولًا في توجهات الحركة أم استمرارًا لنهجها التنظيمي والسياسي؟ وكيف ستؤثر المتغيرات الميدانية والضغوط الإقليمية والدولية في مستقبل الحركة؟
انتخاب خليل الحية خلفًا ليحيى السنوار
في لحظة تُعد من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ حركة حماس، جاء انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي خلفًا ليحيى السنوار، ليحمل دلالات تتجاوز مجرد تغيير في القيادة.
فالقرار جاء بينما تخوض الحركة حرب استنزاف غير مسبوقة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، واستهداف قياداتها السياسية والعسكرية، والضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة.
وأرادت حماس، وفق بيانها الرسمي، توجيه رسالة مفادها أن بنيتها التنظيمية لا تزال قادرة على إنتاج قيادة جديدة رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها منذ عام 2023، والتي شملت اغتيال عدد من أبرز قادتها.
كما يعكس إنجاز العملية الانتخابية استمرار عمل مؤسسات الحركة الداخلية، بما ينسجم مع خطابها القائم على مبدأ الشورى والمؤسسية. لكن انتخاب الحية لا يعني تحولًا في سياسات حماس، فالمؤشرات الحالية، وحتى بيان الحركة، توحي بأنها منشغلة بوقف الحرب على غزة.
فالقيادة الجديدة ستواجه البيئة نفسها التي واجهها السنوار: حربًا مفتوحة، وضغوطًا عسكرية وأمنية، وحصارًا سياسيًا وماليًا، واستهدافًا متواصلًا للكوادر والبنية التنظيمية.
في المقابل، تبدو إسرائيل أقل اهتمامًا بالفروق بين شخصيات القيادة داخل الحركة، فمنذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول باتت تنظر إلى حماس باعتبارها بنية واحدة، بحسب ما رشح عن بيانات حكومة نتنياهو والجيش الإسرائيلي.
وانتقل الخطاب الإسرائيلي من هدف القضاء الكامل على حركة حماس إلى التركيز بصورة أكبر على تقليص قدراتها العسكرية، ومنع إعادة بنائها، مع استمرار الضغوط الميدانية والسياسية.
أما اختيار خليل الحية تحديدًا، فلا يبدو مفاجئًا، فهو من أبرز الوجوه السياسية داخل الحركة، وقاد خلال العامين الماضيين ملف المفاوضات بشأن الحرب في غزة، ويمتلك علاقات مع عدد من الوسطاء الإقليميين، إلى جانب حضوره التنظيمي داخل القطاع، وهي نقطة بالغة الأهمية. كما أن سيرته الشخصية تمنحه مكانة رمزية لدى جمهور الحركة.
خليل الحية.. من الشجاعية إلى قيادة الحركة
لم يكن اختيار خليل الحية مفاجئًا، فهو أحد أبرز الوجوه السياسية داخل الحركة، وقد تولى خلال العامين الماضيين ملف المفاوضات المتعلقة بالحرب على غزة، وامتلك علاقات مع عدد من الوسطاء الإقليميين، إلى جانب حضوره التنظيمي داخل القطاع.
كما تمنحه سيرته الشخصية مكانة رمزية لدى جمهور الحركة.
فمن حي الشجاعية شرق غزة، حيث تشكلت بداياته في ظل الاحتلال والحروب، إلى قاعات التفاوض في الدوحة وأنقرة، صعد خليل الحية إلى رأس الهرم السياسي لحماس بعد أن أعادت الحرب تشكيل قيادتها أكثر من مرة.
وولد الحية، المعروف بكنيته "أبو أسامة"، في غزة عام 1960، وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين مطلع الثمانينيات، قبل أن يصبح من مؤسسي حركة حماس عام 1987.
واعتقلته إسرائيل مرات عدة، لكنه واصل صعوده داخل هياكل الحركة، من العمل التنظيمي في غزة إلى المكتب السياسي، ثم إدارة علاقاتها الخارجية.
وحملت مسيرته الشخصية خسائر كبيرة، إذ استشهد عددًا من أفراد عائلته في غارات إسرائيلية، بينهم نجله أسامة وزوجته وثلاثة من أطفالهما خلال حرب عام 2014، قبل أن يفقد ابنيه همام وعزام في هجمات إسرائيلية لاحقة.
ومع اغتيال إسماعيل هنية ويحيى السنوار، انتقل الحية من الصف الثاني إلى واجهة القيادة، مستندًا إلى خبرة طويلة في المجال السياسي والتفاوضي.
ويُعرف الحية بأنه أحد أبرز مفاوضي حماس، إذ قاد وفود الحركة في جولات عدة من المحادثات غير المباشرة، وشارك في تفاهمات التهدئة بعد حرب عام 2014، ثم تولى ملف التفاوض خلال الحرب الأخيرة على غزة.
واليوم، لا يرث الحية منصبًا قياديًا فقط، لكنه يتولى قيادة حركة تواجه أسئلة كبرى بشأن الحرب والسلاح ومستقبل قطاع غزة.
تحديات المرحلة المقبلة في قطاع غزة
يرتبط مستقبل حماس بقدرتها على إعادة ترميم بنيتها التنظيمية، والحفاظ على تماسكها الداخلي، وإدارة العلاقة المعقدة بين العمل السياسي ومتطلبات المواجهة العسكرية.
كما يتوقف على كيفية تعاملها مع البيئة الإقليمية المتغيرة، في ظل ضغوط متزايدة لإعادة رسم دور الحركة ومستقبلها السياسي.
أما قطاع غزة، الذي يمثل الحاضنة الأبرز للحركة، فما يزال يعيش وضعًا هشًا، إذ يبقى وقف إطلاق النار معرضًا للاهتزاز في ظل غياب اتفاق سياسي شامل، واستمرار الخلافات حول ملفات الأسرى، وإعادة الإعمار، وإدارة القطاع، والاحتلال الإسرائيلي في أجزاء واسعة منه.
هل تمثل القيادة الجديدة تحولًا داخل حماس؟
وفي هذا الإطار، يرى الكاتب والباحث السياسي إياد القرا أن انتخاب خليل الحية لا يمكن قراءته ضمن تصنيف تقليدي بين تيار متشدد وآخر أكثر براغماتية داخل الحركة.
ويقول القرا في حديثه إلى التلفزيون العربي، من مدينة غزة، إن رؤساء المكتب السياسي خلال العقد الأخير، وهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار وخليل الحية، خرجوا جميعًا من عمق الحالة الغزية وتجربة المقاومة، معتبرًا أن تصنيف الشخصيات بهذه الطريقة لم يعد يعكس طبيعة الحركة الحالية.
ويضيف أن غزة حاضرة بقوة في تركيبة هذه القيادات، وأن التمسك بالمقاومة يبقى عنصرًا أساسيًا في تشكيل هوية الحركة.
ويشير إلى أن تجربة الحية في المفاوضات خلال الحرب الأخيرة أظهرت قدرًا من المرونة، خصوصًا في قيادة وفود الحركة والتوصل إلى تفاهمات تهدف إلى إنهاء الحرب وتقليل معاناة الفلسطينيين.
وحول قدرة القيادة الجديدة على التعامل مع الواقع الإنساني في غزة، يقول القرا إن هذا يمثل التحدي الأبرز أمام الحية وحماس عمومًا، موضحًا أن الحركة اتخذت خلال الفترة الماضية خطوات عدة مرتبطة بإدارة القطاع، في محاولة للتعامل مع الظروف الجديدة.
ويضيف أن مسؤولية المرحلة المقبلة لا ترتبط بحماس وحدها، لكنها تمثل سؤالًا فلسطينيًا أوسع حول الأدوار الوطنية المطلوبة في ظل التحولات الحالية.
أما عن التحدي الإسرائيلي، فرأى القرا أنه يمثل الاختبار الأكبر أمام القيادة الجديدة، خصوصًا بعد الضربات التي تعرضت لها بنية الحركة السياسية والعسكرية. لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن إجراء الانتخابات الداخلية يمثل، من وجهة نظره، مؤشرًا على عدم نجاح إسرائيل في تحقيق هدفها المعلن بالقضاء على الحركة كتنظيم وكفكرة.
وخلص القرا إلى أن انتخاب خليل الحية يفتح مرحلة جديدة أمام حماس، لكنها ستكون مرحلة مليئة بالتحديات المتعلقة بالحرب، ومستقبل غزة، وطبيعة الدور السياسي للحركة في المرحلة المقبلة.