Skip to main content

حين تصبح المدرسة هدفًا.. كيف يستمر التعليم تحت الحرب؟

الأربعاء 9 سبتمبر 2026
تلاميذ فلسطينيون يتابعون درسًا داخل خيمة صفية في المواصي بخانيونس، في ظل تعطل التعليم النظامي - غيتي
لا يخسر الطفل كتابه فقط حين تتوقف المدرسة تحت الحرب. يخسر الأمان والروتين والأصدقاء، وقد تضيق فرص عودته كلما طال الغياب.
من غزة إلى السودان وسوريا واليمن، كيف تُبقي المجتمعات التعليم حيًا، ولماذا لا تعوّض الخيمة مدرسة آمنة؟

في فصل مؤقت أقيم بين الخيام أو داخل مبنى أصابه القصف، لا يبدأ الدرس دائمًا بفتح الكتاب. قد يبدأ بالتأكد من أن الطريق خالٍ من الذخائر غير المنفجرة، أو بمحاولة العثور على مقعد ودفتر، أو بمنح الأطفال وقتًا للعب واستعادة شيء من الهدوء قبل أن يُطلب منهم التركيز.

في مناطق الحرب، تصبح العودة إلى التعلّم عملية إنقاذ يومية، لا عودة عادية إلى المدرسة.

يحمل اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات، في 9 سبتمبر/ أيلول 2026، سؤالًا لا يشبه ما هو مألوف في هذه المناسبة: "هل يستطيع التعليم النجاة من الهجوم؟". 

يكشف هذا السؤال تحوّلًا في طبيعة الحرب أكثر مما يكشف عن التعليم؛ فالمدرسة لم تعد فضاءً محايدًا يقع أحيانًا في مرمى النيران، وإنما تحوّلت في أكثر من ساحة عربية إلى هدف قائم بذاته.



وتأتي الأرقام لتعزّز هذا الانطباع؛ فقد تحققت الأمم المتحدة من وقوع 1680 هجومًا على المدارس خلال عام 2025، بزيادة بلغت 33% عن العام السابق.

لا يثبت هذا الرقم أن الدافع واحد في كل حادثة، لكنه يكشف نمطًا متصاعدًا: مدارس تتعرض للقصف أو الحرق والنهب، أو تُستخدم عسكريًا، وطلاب ومعلمون يُقتلون أو يُصابون أو يُختطفون، وطرق إلى الصفوف تتحول إلى مخاطرة يومية. ومع كل هجوم، يخسر المجتمع مبنى ومؤسسة تحمي الأطفال وتمنح حياتهم إيقاعًا ومعنى واتصالًا بالمستقبل.


من حوادث متفرقة إلى نمط متصاعد


في عقود سابقة، كانت مهاجمة المدارس تُصنَّف خرقًا استثنائيًا لقواعد النزاع، يُدان ويُحاسَب عليه، ولو نظريًا. أما اليوم، فأصبحت المدارس في نظر البعض "هدفًا مبرّرًا"، أو بالحدّ الأدنى "مفهومًا"، بذرائع يصعب استيعابها، من نوع أنّها تؤوي نازحين، أو أنّها ترمز إلى استمرارية مجتمع يراد تفكيكه، أو لأنّها ببساطة تقع في مسار عملية عسكرية لا تفرّق بين مدني وآخر.

الأكيد أنّ مثل هذه الذرائع لا أساس لها، إذ يمنح القانون الدولي الإنساني المدارس، مثل غيرها من المنشآت المدنية، حماية من الهجوم. ولا يؤدي استخدامها لإيواء النازحين إلى إسقاط هذه الحماية؛ إذ لا تفقد المنشأة المدنية حصانتها إلا إذا تحولت إلى هدف عسكري وفق الشروط الصارمة للقانون، ولمدة ذلك الاستخدام فقط، مع بقاء قواعد التمييز والتناسب والاحتياط واجبة في جميع الأحوال.

لكن الفجوة بين القاعدة والواقع تتسع. فوفق ما تورده اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وثّق التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات أكثر من ستة آلاف هجوم على المدارس والجامعات والطلاب والعاملين في التعليم، وحالات استخدام عسكري لمنشآت تعليمية، خلال عامي 2022 و2023. وتضرر في تلك الحوادث أكثر من عشرة آلاف طالب وعامل في التعليم بالقتل أو الإصابة أو الاختطاف أو غيرها من الانتهاكات.

تتعدد طرق تعطيل المدرسة. قد تُصاب مباشرة، أو تتحول إلى موقع عسكري فيزداد خطر استهدافها، أو تُستخدم لإيواء نازحين فلا تعود قادرة على استقبال تلامذتها. وقد يبقى المبنى قائمًا لكن يغادره المعلمون، أو يتوقف تمويله، أو يصبح الطريق إليه غير آمن. هكذا يمكن أن ينهار التعليم حتى من دون أن تسقط قذيفة على كل مدرسة.



ماذا يعني توقف الدراسة؟


في الظروف المستقرة، تبدو وظائف المدرسة بديهية إلى حد أن كثيرًا منها لا يظهر إلا عند غيابها. فهي تمنح الطفل روتينًا يوميًا، وتساعد على اكتشاف العنف وسوء التغذية والمشكلات الصحية، وتربطه بمعلمين وأصدقاء وخدمات قد لا تصل إليه في المنزل. وفي حالات النزوح، يمكن أن تكون المدرسة آخر مؤسسة عامة ما زالت الأسرة على صلة بها.

لهذا لا يعني توقف الدراسة خسارة حصص ومنهج فحسب. فالانقطاع الطويل يضعف مهارات القراءة والحساب، ويزيد مخاطر التسرب وعمالة الأطفال والزواج المبكر والتجنيد والاستغلال. وكلما طال الغياب، أصبحت العودة أصعب، خصوصًا لمن اضطر إلى العمل، أو انتقل مرارًا بين مناطق النزوح، أو فقد أوراقه وشهاداته، أو لم يعد قادرًا على مجاراة صفه السابق.

لا يتوزع الضرر بالتساوي. فالأطفال ذوو الإعاقة يواجهون صعوبة أكبر في الوصول إلى الصفوف المؤقتة، وقد تكون الفتيات أول من يُسحب من التعليم حين تخشى الأسر الطريق أو تتزايد أعباء الرعاية داخل المنزل. أما المراهق الذي خسر سنوات متتالية، فيحتاج إلى مقعد جديد ومسار يعوّض ما فاته ويمنحه سببًا للاعتقاد بأن العودة ما زالت مجدية.



غزة: التعليم حين يتوقف الزمن

في غزة، لم يعد الحديث يدور عن تعطّل عام دراسي، وإنما عن انقطاع بنيوي لمنظومة تعليمية بأكملها؛ مدارس تحوّلت إلى ملاجئ، ثم استُهدفت وهي تؤوي نازحين، وجيل كامل من التلاميذ يقضي فصوله الدراسية بين الخيام والركام بدل الصفوف.


وفق تحديث أصدرته اليونيسف في أبريل/ نيسان 2026، حُرم نحو 700 ألف طفل بين الرابعة والسابعة عشرة من التعليم النظامي الحضوري طوال ثلاثة أعوام دراسية تقريبًا، وتضرر نحو 98% من مباني المدارس، بينما يحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة بناء كاملة أو ترميم واسع.

حتى الوصول إلى مكان مؤقت للتعلّم ليس أمرًا بسيطًا. فالركام الذي يسد الطرق قد يخفي ذخائر غير منفجرة، والمساحات الآمنة قليلة، والمعلمون أنفسهم نازحون أو فقدوا منازلهم وأفرادًا من أسرهم. وبحسب التحديث نفسه، كان نحو 420 ألف طفل، أي ثلاثة من كل خمسة، لا يحصلون على أي تعليم حضوري.

المسألة هنا ليست فقط عدد المدارس المدمَّرة، وإنما فكرة الزمن التعليمي نفسها: طفل دخل المرحلة الابتدائية قبل الحرب قد يخرج منها، إن خرج، من دون أن يكون قد تعلّم القراءة بشكل منتظم أصلًا.

مع ذلك، لم تختفِ الرغبة في الدراسة. أقيمت صفوف في الخيام ومساحات مؤقتة، وعاد معلمون إلى تقديم دروس مختصرة في القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم. وأطلقت معلمات مبادرات مثل "مدرسة على الطريق"، فيما وسّعت اليونيسف برنامج "العودة إلى التعلّم" ليجمع بين الدروس والدعم النفسي والأنشطة الترفيهية والتوعية بمخاطر الذخائر.



السودان: حرب تبتلع المدرسة والمدرّس معًا

في السودان، تتقاطع الحرب مع أزمة نزوح من أكبر الأزمات في العالم اليوم، وتقع المدارس في قلب هذا التقاطع؛ فهي تُقصف أحيانًا، وتُستخدم كثكنات أو مراكز احتجاز أحيانًا أخرى، ويغادرها معلّموها هربًا من مناطق النزاع قبل أن يغادرها تلاميذها.


وفق اليونسكو، بقي أكثر من ثمانية ملايين طفل وشاب خارج المدرسة في 2026، بما يزيد على نصف السكان في سن الدراسة، وظلت 35% من المدارس مغلقة، خصوصًا في المناطق المتأثرة بالقتال.

أعادت بعض الولايات فتح مدارسها، واستؤنفت امتحانات وطنية، لكن العودة متفاوتة وهشة. فقد يكون المبنى متضررًا أو مستخدمًا لإيواء النازحين، والمعلم نازحًا أو بلا أجر، والطفل العائد قد خسر سنوات ويحتاج إلى دعم نفسي وتعليم تعويضي.



تلاميذ سودانيون نازحون يتابعون درسًا في مدرسة ابتدائية جنوب بورتسودان، وسط أزمة تعليمية عمّقتها الحرب والنزوح - غيتي

وتُظهر التجربة السودانية أن انهيار التعليم لا يحتاج دائمًا إلى استهداف مباشر ومتكرر؛ يكفي أن تنهار المؤسسات والموارد المحيطة بالمدرسة كي تتوقف هي أيضًا عن العمل.

لهذا ظهرت مسارات مرنة تشمل التعليم عبر الإذاعة والمنصات الرقمية والبرامج غير النظامية، إلى جانب مساحات آمنة تدمج الدروس بالتوعية من مخاطر الذخائر والدعم النفسي. لكنها تظل معرضة للنزوح الجديد وانقطاع التمويل والاتصالات والكهرباء.


سوريا واليمن: جيل كامل يعيش الأزمة

تكشف سوريا واليمن وجهًا آخر للخسارة: ما يحدث عندما يصبح "التعليم في الطوارئ" حالة ممتدة لسنوات


في سوريا، تشير اليونيسف إلى وجود نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، وأكثر من مليون آخرين معرضين للتسرب، فيما يقارب عدد المدارس غير القادرة على العمل ثمانية آلاف مدرسة.

وبعد سنوات الحرب الطويلة، تحوّلت المسألة جزئيًا من "استهداف مستمر" إلى "إرث لا يزال يُثقل الحاضر": مدارس مدمَّرة لم تُعَد بناؤها، ومناهج تحتاج مراجعة، وجيل أو أكثر تلقّى تعليمًا منقوصًا أو متقطعًا داخل البلاد أو في مخيمات اللجوء المجاورة. 

لذلك، يبدو التحدي السوري اليوم أقرب إلى إعادة تعريف ما تعنيه "العودة إلى المدرسة" بعد أن تغيّرت خريطة البلاد وخريطة سكانها معًا.



تلاميذ يتابعون الدراسة جلوسًا على الأرض داخل صف متضرر تفتقر جدرانه إلى النوافذ والأبواب والمقاعد في إدلب - غيتي

وفي اليمن، حيث كان نحو 3.2 ملايين طفل خارج المدرسة مع بداية 2026، لا يبدو لوضع أفضل حالًا. فمع دخول الحرب عامها الثاني عشر تقريبًا، لم تعد المدارس المتضررة أو المغلقة استثناءً يُنتظر انتهاؤه، وإنما جزءًا من واقع تربوي بديل، حيث يكبر أطفال جيل كامل من دون أن يعرفوا شكل التعليم المنتظم أصلًا.

وبعد سنوات من الصراع والأزمة الاقتصادية، يتجاوز الخطر المباني المتضررة؛ إذ يدفع الفقر والنزوح والاكتظاظ ونقص التجهيزات وأعباء المعلمين أطفالًا آخرين إلى ترك الدراسة، حتى في المناطق التي لم تتوقف فيها المدارس رسميًا.



أطفال يمنيون نازحون يتابعون الدراسة داخل خيمة حُوّلت إلى صف مؤقت في الخوخة بمحافظة الحديدة - غيتي


هنا تظهر الفجوة بين الالتحاق والتعلّم. فقد يجلس الطفل في صف مكتظ من دون كتب كافية أو معلم منتظم، وقد ينتقل إلى مرحلة جديدة من دون امتلاك المهارات الأساسية. لذلك تُقاس حماية التعليم بعدد المدارس المفتوحة وقدرة الطفل على الوصول إليها بأمان، والتعلّم فيها فعلًا، والاستمرار حتى إكمال مساره.



المدرسة التي تسافر مع النازح


عابرًا للحدود بين هذه الساحات، يبرز التعليم في النزوح واللجوء بوصفه أزمة موازية. فالطفل قد ينتقل إلى منطقة تتبع منهجًا مختلفًا، أو يصل من دون وثائقه المدرسية، أو لا يجد مكانًا في مدرسة مكتظة. وقد يتلقى تعليمًا داخل مخيم أو عبر مبادرة محلية من دون اعتراف واضح بالشهادة أو إمكان الانتقال إلى المرحلة التالية.

هنا تصبح المدرسة المؤقتة هي القاعدة: خيمة، أو غرفة مستأجرة، أو صف في مبنى عام، أو درس عبر الإنترنت حين تسمح الكهرباء والاتصالات. وتستطيع هذه البدائل إبقاء الطفل على صلة بالكتاب والمعلم، لكنها نادرًا ما توفر انتظام المدرسة وجودتها وخدماتها.

فالتعليم الرقمي يفترض وجود جهاز واتصال وكهرباء ومكان هادئ، وهي شروط لا تتوافر لكثير من النازحين. والدروس المسجلة لا تعوّض معلمًا يستطيع اكتشاف أن طفلًا لم يفهم أو أنه يمر بأزمة نفسية. أما الصف المؤقت، فقد يعمل ساعات قليلة أو أيامًا محدودة، ويتوقف عند انتقال المخيم أو نفاد التمويل.



ما الذي يخسره الطفل حين يخسر سنوات؟


حين يفقد طفل أسابيع من الدراسة، يمكن غالبًا تعويضها. أما حين يفقد سنوات، فإن الخسارة تتجاوز المنهج إلى المهارات الأساسية والاجتماعية والشعور بالانتماء إلى مسار حياة منظم. ومع مرور الوقت، ينتقل السؤال من الدروس التي فاتته إلى احتمال عودته أصلًا.

تتراكم الفجوة على امتداد العمر. ضعف القراءة والحساب يقلل فرص الانتقال إلى مراحل أعلى والتدريب والعمل، والانقطاع المبكر يزيد تعرض الطفل للاستغلال، وفقدان الروتين والأصدقاء يضاعف آثار الصدمة. 

بهذا المعنى، لا يخسر أطفال غزة والسودان واليمن وسوريا الذين يكبرون اليوم خارج المدرسة فرصة تعليمية فحسب، وإنما يخسرون النسخة التي كان يمكن أن يصبحوا عليها لو استمر تعليمهم بشكل طبيعي؛ وهذه خسارة لا تُقاس بعدد السنوات الضائعة، وإنما بعدد الاحتمالات التي أُغلقت معها.


يستطيع المعلمون والأسر والمجتمعات إبقاء فكرة التعليم حية تحت الحرب، لكنهم لا يستطيعون وحدهم منح الطفل حقه كاملًا. فالنجاة الحقيقية للتعليم تُقاس بالدروس التي أُقيمت وسط الدمار، وبمنع الهجوم، وضمان طريق آمن إلى المدرسة، وإعادة بناء نظام يستطيع استقبال كل طفل وتعويض ما خسره.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة