قبل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل في وقت متأخر من ليل الإثنين الماضي، كان مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي في خضم أسوأ أزمة يواجهها نظام ما يوصف بالولي الفقيه منذ الحرب مع العراق (1980-1988).
ورغم تعرّضه لمحاولة اغتيال فاشلة أفقدته إحدى يديه في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن خامنئي (86 عامًا) الذي كان يعرف كيف ينجو دائمًا من الأزمات التي تواجه نظامه، أصبح مستهدفًا في حياته نفسها للمرة الأولى من الولايات المتحدة وإسرائيل معًا، وذلك بعد أن حسم الرئيس الأميركي تردّده ووجّه ضربات يُعتقد أنها مؤلمة جدًا لمنشآت إيران النووية الرئيسية ليل السبت/فجر الأحد الماضي.
وألمح ترمب في منشور كتبه على منصته "تروث سوشال" للتواصل الاجتماعي في اليوم التالي للهجمات الأميركية، إلى إمكانية تغيير النظام في طهران، ما فتح الباب على شرعنة استهداف خامنئي إسرائيليًا.
وقال ترمب في المنشور الذي نشره في وقت متأخر من الأحد الماضي: "ليس من الصوابية السياسية استخدام مصطلح تغيير النظام، ولكن إذا كان النظام الإيراني الحالي عاجزًا عن جعل إيران عظيمة مجددًا، فلمَ لا يكون هناك تغيير للنظام؟".
تدخل أميركي مباشر
وشنّت الولايات المتحدة بعد أيام من الغموض والرسائل المتناقضة إلى العالم بشأن احتمال تدخلها عسكريًا إلى جانب إسرائيل، ضربات على المنشآت الرئيسية لتخصيب اليورانيوم في إيران، وهي نطنز وفوردو وأصفهان.
وأكد ترمب أن الضربات دمرت المنشآت الإيرانية "بشكل تام وكامل"، داعيًا إيران التي وصفها بالمتنمرة في الشرق الأوسط، "أن تصنع السلام الآن"، وإلا "ستكون الهجمات المستقبلية أكبر وأسهل بكثير".
وتعتبر الضربات كسرًا لتابوهات ظن الإيرانيون أو بعضهم أن ترمب لن يجرؤ على خرقها، وهي: التدخل العسكري الأميركي المباشر، واستهداف المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، وأخيرًا تغيير النظام.
وفُهم من تصريحات ترمب أحيانًا أن استهداف خامنئي يعني تغيير النظام بالضرورة أو نتيجة له، رغم أن الصورة أكثر تعقيدًا، لا سيّما أن خامنئي الذي لم يكن يستبعد استهدافه شخصيًا حرص على أن لا يكون غيابه عن المشهد تغييرًا لنظام كان من مؤسسيه، بعد إطاحة الشاه السابق محمد رضا بهلوي وعودة روح الله الخميني إلى طهران من منفاه الفرنسي عام 1979.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" السبت الماضي، فإن خامنئي الذي لم يكن يتواصل بالهاتف مع المسؤولين الإيرانيين العسكريين والمدنيين خلال الحرب بل من خلال مساعد موثوق به، اختار ثلاثة من كبار رجال الدين مرشحين لخلافته في حال اغتياله.
وقالت الصحيفة، إن خامنئي كلّف "مجلس خبراء القيادة"، وهو الهيئة المسؤولة بموجب الدستور عن تعيين أو عزل مرشد الجمهورية، اختيار خليفة له من بين الأسماء الثلاثة التي اقترحها.
وأشارت الصحيفة إلى أن مجتبى، نجل خامنئي، ليس من بين المرشحين لخلافة والده، على خلاف تقارير صحافية كانت تؤكد أن المرشد كان يؤهل نجله للمنصب.
وكانت تقارير صحافية أخرى أفادت قبل ذلك بأن خامنئي فوّض صلاحياته إلى الحرس الثوري الإيراني، للقيام بها في حال اغتياله لفترة انتقالية.
استهداف خامنئي وتغيير النظام
وسواء صحت هذه التقارير أم كانت جزءًا من تسريبات استخباراتية كانت تهدف إلى إحداث البلبلة في صفوف الإيرانيين بينما بلادهم تتعرّض للقصف، فإن مصير خامنئي كان على المحك فعليًا مع زيادة الحديث عن استهدافه في إسرائيل والولايات المتحدة، بعد أن كانت إدارة الرئيس ترمب ترفض تداول السيناريو من الأساس.
فبعد ثلاثة أيام من العدوان الإسرائيلي على إيران نقلت وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس) عن مسؤول أميركي كبير أن الرئيس ترمب عارض خطة إسرائيلية لاغتيال خامنئي، وقال المسؤول الذي طلب عدم كشف هويته للوكالة الفرنسية: "اكتشفنا أن الإسرائيليين لديهم خطط لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني. عارضها الرئيس ترمب، وقلنا للإسرائيليين ألا يقدموا على ذلك".
لكن وقائع الأيام اللاحقة كشفت أن سيناريو الاغتيال كان واردًا لدى ترمب لكن "ليس الآن"، ففي السابع عشر من هذا الشهر، قال الرئيس الأميركي إن بلاده لن تقتل خامنئي "في الوقت الحالي".
وكتب ترمب على منصته تروث سوشال:
نعرف بالتحديد أين يختبئ المدعو المرشد الأعلى. هو هدف سهل، لكنه في مأمن هناك. لن نقضي عليه (نقتله!)، على الأقل ليس في الوقت الحالي. لكننا لا نريد أن تُطلق الصواريخ على المدنيين أو الجنود الأميركيين. صبرنا يقترب من النفاد".
وبعد دقائق من ذلك، نشر ترمب رسالة أخرى على موقعه جاء فيها "استسلام غير مشروط"، قائلًا: "نحن نحظى الآن بالسيطرة الكاملة والشاملة على أجواء إيران".
وقبل ذلك، قال للصحافيين في الطائرة الرئاسية، التي أقلته من قمة مجموعة السبع في كندا إلى واشنطن، إن ما يريده هو "إذعان كامل" من إيران، وإنه لا يتطلع "إلى وقف إطلاق نار، بل إلى نهاية حقيقية" للنزاع.
خامنئي هدفًا لنتنياهو وكاتس
مع بداية الهجوم الإسرائيلي على إيران في 13 يونيو/ حزيران الجاري، قالت إسرائيل إنها "لا تخطط" لقتل القادة السياسيين الإيرانيين في "هذه المرحلة"، بحسب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي الذي قال للقناة الثانية عشرة الإسرائيلية إن خامنئي "ورجالاته... لا توجد حاليًا أي خطة لقتلهم".
لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كشف بعد يومين من الهجوم، في 15 من الشهر الجاري أن الهجمات العسكرية التي تشنها إسرائيل قد تؤدي إلى تغيير النظام في إيران.
ولدى سؤاله في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" عما إذا كان تغيير النظام الحاكم في إيران من أهداف الهجوم الإسرائيلي، رد نتنياهو بالقول: "قد يأتي نتيجة لذلك لأن النظام الإيراني ضعيف جدًا".
وردًا على تقارير ذكرت أن ترمب اعترض على خطة إسرائيلية لاغتيال خامنئي، اكتفى نتنياهو بالقول: "لن أتطرق إلى ذلك الأمر".
لكنه، وفي اليوم التالي (16 من هذا الشهر) قال إن اغتيال خامنئي من شأنه أن "يضع حدًا للنزاع"، وأوضح في مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" الإخبارية الأميركية عند احتمال أن يؤدي الاغتيال إلى تصعيد المواجهة بين إيران وإسرائيل، أن "هذا لن يؤدي إلى تصعيد النزاع، بل سيضع حدًا له".
وفي اليوم نفسه كان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أكثر وضوحًا، إذ أكد أن إسرائيل ستضرب من وصفه بـ"الديكتاتور الإيراني أينما وُجد"، في إشارة إلى خامنئي.
وأضاف في بيان أصدره بعد استهداف هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإيرانية في طهران: "تم استهداف هيئة البث التابعة للنظام الإيراني، المسؤولة عن الدعاية والتحريض، وذلك بعد تنفيذ عملية إخلاء واسعة للسكان في المنطقة". وأضاف: "سنضرب الديكتاتور الإيراني أينما وُجد".
ولاية الفقيه
يتمتع المرشد الأعلى أو الولي الفقيه بصلاحيات واسعة جدًا في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث يجمع بين السلطتين السياسية والدينية ويستمد شرعيته وفق الدستور من مفهوم ولاية الفقيه، وهو مفهوم ديني يخص المذهب الشيعي الاثني عشري.
وقد تبلور مفهوم "ولاية الفقيه" على يد الشيخ أحمد النراقي، مؤلف كتاب "عوائد الأيام" في أصول الفقه، وطبّقه آية الله الخميني لأول مرة عام 1979.
ويتعلق المفهوم بنظام المرجعية الدينية عند الشيعة الإمامية بعد الإمام الثاني عشر، ويقوم على النيابة العامة للفقهاء عن المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلًا.
وبناء على ذلك، أصبحت المرجعية الدينية مصدر الإفتاء والأحكام، وشملت لاحقًا نظام الحكم السياسي كما في نموذج الولي الفقيه، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، الذي يحوز سلطات واسعة جدًا.
وتنص المادة الخامسة من الدستور الإيراني على أن ولاية الأمر وإمامة الأمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في زمن غيبة الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإمامية)، تكون بيد الفقيه العادل المتقي العالم بأمور زمانه، الشجاع الكفؤ في الإدارة والتدبير الذي يتولّى هذا المنصب وفقًا للمادة 107.
وتنص المادة المادة 109 من الدستور على ضرورة توفر عدة مؤهلات وشروط في القائد:
- الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه.
- العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية.
- الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية على القيادة.
صلاحيات واسعة لمرشد الجمهورية
كما تنص المادة 110 من الدستور الإيراني على صلاحيات القائد (الولي الفقيه) وهي:
- رسم السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام.
- الإشراف على حسن تنفيذ السياسات العامة للنظام.
- إصدار الأمر بالاستفتاء العام.
- القيادة العامة للقوات المسلحة.
- إعلان الحرب والسلام والنفير العام.
- تنصيب وعزل وقبول استقالة كل من: فقهاء مجلس صيانة الدستور، والمسؤول الأعلى في السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية، ورئيس أركان القيادة المشتركة، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلحة.
- حل الاختلافات بين أجنحة القوات المسلحة الثلاثة وتنظيم العلاقات بينها.
- حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.
- توقيع مرسوم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب، أما بالنسبة لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية من حيث الشروط المعيّنة في هذا الدستور بهذا الخصوص، فيجب أن تنال موافقة القيادة قبل تصويت مجلس صيانة الدستور، وفي حالة الولاية الأولى للرئاسة.
- عزل رئيس الجمهورية مع أخذ مصالح البلاد بعين الاعتبار، بعد صدور حكم المحكمة العليا بمخالفته لوظائفه الدستورية، أو بعد تصويت مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية وفقًا للمادة 89 من الدستور.
- إصدار العفو أو تخفيف عقوبات المحكوم عليهم في إطار الموازين الإسلامية بناء على اقتراح من رئيس السلطة القضائية. ويستطيع القائد أن يوكل شخصًا آخر بأداء بعض وظائفه وصلاحياته.
تلميذ الخميني وبروجردي
ولد علي خامنئي عام 1939 في مدينة مشهد (شمالي شرق إيران) لعائلة من رجال الدين، فوالده كان من أبرز علماء مشهد، وجده لأبيه من علماء أذربيجان المقيمين في مدينة النجف العراقية.
تلقى تعليمه في مدارس دينية، وتابعها في النجف قبل أن يلتحق بالحوزة الدينية في مدينة قم (وسط) عام 1958 لإكمال دراسته الدينية العليا في الفقه والأصول، حيث تتلمذ هناك على أيدي حسين البروجردي وروح الله الخميني وإلحاج آقا مرتضى الحائري وسيد محمد حسين الطباطبائي.
وانضم الخميني الشاب بتأثير من شيوخه في قم عام 1962 إلى حركات المعارضة للشاه محمد رضا بهلوي، ما أدى إلى اعتقاله ستة مرات ما بين عامي 1962 و1975.
وفي مطلع سبعينيات القرن الماضي نشط خامنئي في المجال الدعوي وإلقاء الدروس الدينية في اجتماعات سرية استقطبت الكثير من الشبّان، ما تسبّب في اعتقاله مجدّدًا، وقبل إسقاط نظام الشاه وعودة الخميني من باريس أنشأ خامنئي ونفر من رفاقه الحزب الجمهوري الإسلامي الإيراني عام 1978.
وكان من مؤسسي الحزب عدد من رجال الدين ومنهم محمد بهشتي ومحمد جواد باهنر وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني وموسوي أردبيلي.
وانضم خامنئي لاحقًا إلى مجلس الشورى الذي شكّله الخميني بعد انتصار الثورة، ومنذ ذلك الوقت بدأ خامنئي مسيرة سياسية حافلة انتهت به إلى المنصب الأرفع في النظام الإسلامي الإيراني، فقد تولى إمامة صلاة الجمعة في العاصمة طهران، وهو منصب يتمتع بأهمية رمزية كبيرة، وما زال يشغله حتى اليوم.
كما اُنتخب ممثلًا للخميني في مجلس الدفاع الأعلى 1980، وتولى رئاسة البلاد عام 1981 لولايتين (حتى عام 1989)، ليصبح ثالث رئيس لإيران بعد الرئيسين أبو الحسن بني صدر ومحمد علي رجائي.
وشهدت البلاد في عهده الرئاسي أطول حروبها مع العراق، قبل أن يُنتخب قائدًا للجمهورية (الولي الفقيه) في نهاية فترته الرئاسية الثانية بعد وفاة الخميني.
ومن الأحداث المهمة في حياة خامنئي الذي يُوصف بالعنيد جدًا والحذر جدًا تعرّضه لمحاولة اغتيال في يونيو/ حزيران 1981 خلال إلقائه خطابًا في أحد مساجد طهران، بانفجار قنبلة كانت مزروعة في جهاز تسجيل على منبره، ما تسبّب في إصابته بشلل تام في إحدى يديه.
ومنذ ذلك الوقت وخامنئي يعرف كيف ينجو.