تواجه النساء في مصر شبكة معقدة من التحديات الهيكلية والضغوط اليومية التي تثقل كاهلهن. فرغم وجود قوانين تضمن جانبًا من حقوقهن، لا يزال الواقع محكومًا بأعراف اجتماعية وثقافة أبوية تكرّسان تمييزًا عميقًا في العمل والحياة الأسرية.
يتجلى العبء الاقتصادي في اتساع مسؤولية النساء عن إعالة الأسر، واضطرار كثيرات منهن إلى العمل في قطاعات غير منظمة وبأجور منخفضة، إضافة إلى تحمّلهن القسم الأكبر من أدوار الرعاية والإنجاب من دون إسناد كافٍ من مؤسسات الدولة.
لا تقف هذه المعاناة عند الجانب المالي، إذ تمتد إلى الأمان الشخصي والجسدي. فالنساء في مصر يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف الأسري والتحرش والابتزاز الإلكتروني، وسط بيئات اجتماعية تبرر بعض الانتهاكات، أو تدفع الناجيات إلى التخلي عن حقوقهن.
هل رفعت النسوية معدلات الطلاق؟
تنفي المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة نيفين عبيد، في حديث إلى بودكاست "ميكروفون" الذي يعرض عبر منصة وتطبيق العربي بلس وقناة العربي 2، أن تكون الحركة النسوية مسؤولة عن ارتفاع معدلات الطلاق في مصر. وترى أن السبب يكمن في طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، وفي القوانين التي تنظمها.
توضح عبيد أن الخلع ليس قانونًا مستقلًا، وإنما مادة أُضيفت إلى التشريعات المنظمة لمسائل الأحوال الشخصية. وتشدد على أن إصلاح هذه المنظومة لا يقتصر على الخلع، إذ يشمل الحضانة والرؤية والاستضافة ونفقات التعليم والصحة والولاية، على أن تكون المصلحة الفضلى للطفل هي المعيار الأساسي.
شاهد حلقة "ميكروفون" كاملة
بحسب عبيد، لا يمثل الخلع خيارًا سهلًا للنساء، خصوصًا الفقيرات أو غير العاملات، لأنه يقوم على تنازل المرأة عن حقوقها المالية مقابل إنهاء العلاقة الزوجية. لذلك ترى أن لجوء المرأة إليه يستدعي النظر في الأسباب التي دفعتها إلى طلب الانفصال، من دون إنكار احتمال إساءة بعض النساء استخدام الإجراءات القائمة.
وتلفت عبيد إلى ضرورة توثيق الطلاق الشفهي وعدم تركه من دون آثار قانونية واضحة، إلى جانب تنظيم العلاقة بين الوالدين بعد الانفصال، بما يمنع أي طرف من حرمان الآخر من الطفل أو السفر به من دون علمه وموافقته.
تطالب مشاريع نسوية مصرية بوضع الأب بعد الأم مباشرة في ترتيب مستحقي الحضانة، بدلًا من تأخيره بعد عدد من النساء في عائلة الأم. وترى عبيد أن هذا التعديل يكرّس أولوية مصلحة الطفل، ويساعد في معالجة الحالات التي يُطلق عليها في مواقع التواصل الاجتماعي اسم "أيتام الطلاق".
تشير كذلك إلى أن النفقة على الأطفال بعد الطلاق تُحدَّد بحسب دخل الأب، لكنها تشدد على ضرورة تدخل الدولة من خلال برامج الحماية الاجتماعية، ومنها تقديم إعانات عينية لأطفال الأسر المنفصلة وتخفيض كلفة التعليم والخدمات الأساسية.
من الحماية الاجتماعية إلى الثروة الزوجية
تشدّد عبيد على أهمية تطبيق برامج الحماية الاجتماعية وتوفير سكن اجتماعي للحالات المعقدة المرتبطة بالأحوال الشخصية، تحت مظلة دولة راعية لا تترك طرفي العلاقة وأطفالهما في مواجهة الأزمة وحدهم.
تدعو أيضًا إلى إقرار مبدأ المناصفة في الثروة الزوجية، بحيث تكون الثروة التي حققها الزوجان خلال سنوات الزواج ملكًا للأسرة، ولا ينفرد بها طرف واحد. ولا يشمل هذا المقترح الميراث أو الممتلكات التي كان أحد الطرفين يملكها قبل الزواج، وإنما ما تحقق خلال الحياة المشتركة.
تنطلق هذه الرؤية، وفق عبيد، من التعامل مع عقد الزواج باعتباره عقد شراكة، وليس مجرد "عقد نكاح". فعمل المرأة داخل المنزل وأدوار الرعاية التي تؤديها يتيحان للزوج العمل وتكوين الثروة، حتى إن لم يكن لهذا العمل المنزلي أجر مباشر.
بحسب رقم حكومي استشهدت به عبيد، تعول النساء نحو 38% من الأسر المصرية، وفي عدد من هذه الأسر يوجد رجل، سواء كان زوجًا أو أبًا أو أخًا. ومع ذلك، تعمل كثيرات منهن بأجور منخفضة وفي قطاعات غير منظمة، وقد يتعرض بعضهن للعنف إذا رفضن تسليم دخلهن أو الإنفاق على الأسرة.
ترجع عبيد جانبًا من هذه الأزمة إلى غياب نموذج "الدولة التنموية" التي تضع الإنسان وتنميته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مقدمة أولوياتها، ما ألقى جانبًا كبيرًا من أدوار الرعاية والإنجاب وكلفتها على عاتق النساء.
لمواجهة هذا الواقع، تدعو إلى منح المرأة حق وضع شروط واضحة في وثيقة الزواج، مثل استكمال التعليم والاستمرار في العمل وعدم الزواج عليها، مع تمكينها من تطليق نفسها إذا أخل الزوج بالشروط المتفق عليها. وترى أن هذه الرؤية تخدم الطرفين، لأن استمرار الزواج ينبغي أن يقوم على رغبة مشتركة، لا على إجبار أحدهما على البقاء.
أما عن مكتسبات الحركة النسوية، فتصف عبيد اتساع حضور النساء على منصة القضاء بأنه ثمرة نحو 70 عامًا من النضالات المتراكمة. وتعد إدخال الخلع إلى منظومة الأحوال الشخصية، وإقرار حق المرأة المصرية في منح جنسيتها لأطفالها من زوج أجنبي، من أبرز المكتسبات التي تحققت خلال العقود الماضية.
التحرش والختان.. عنف يتجاوز الأرقام
رغم المكتسبات التشريعية، لا تزال النساء يتعرضن لعنف يتجاوز ما يظهر في الإحصاءات. فقد وثق التقرير السنوي لمرصد جرائم العنف ضد النساء والفتيات، التابع لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، 1195 جريمة عنف وقعت أو اكتُشفت في مصر خلال عام 2024، بينها 363 واقعة قتل.
وثق التقرير أيضًا 182 جريمة تحرش جنسي. غير أن هذه الأرقام تقتصر على الجرائم المعلنة التي أمكن للمرصد تتبعها، ولا تمثل بالضرورة الحجم الفعلي للعنف, ولذلك، تشكّك عبيد في قدرة هذه الأرقام على تمثيل الواقع، في ظل غياب بيانات رسمية شاملة واعتماد جهود الرصد على ما يصل إلى الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي.
وتوضح أن التعريف الواسع للتحرش يشمل أشكالًا تبدأ من الإيحاءات اللفظية والتحديق والتتبع والمراقبة، وصولًا إلى الاعتداء الجسدي. وقد لا تدرك بعض النساء أن ما تعرضن له يندرج ضمن التحرش، ما يجعل جزءًا كبيرًا من الحالات خارج نطاق الرصد والإبلاغ.
تصطدم مواجهة الظاهرة بطبيعة اجتماعية أبوية وسلطوية لا تتقبل بسهولة اتهام المرأة للرجل. وقد تتعرض المبلّغات لضغوط عائلية واجتماعية تدفعهن إلى التنازل عن حقوقهن، رغم أن القانون يرتب على جريمة التحرش عقوبات بالحبس والغرامة.
يتضاعف العبء عندما لا يتعاطف بعض عناصر الشرطة مع المبلّغات، باعتبارهم جزءًا من الثقافة الاجتماعية نفسها، أو عندما يُنظر إلى الواقعة على أنها لا تستحق تحريك مسار قضائي كامل. وترى عبيد أن قضايا الرأي العام تحظى عادة بتحرك أسرع من البلاغات التي لا تنال اهتمامًا إعلاميًا.
في المقابل، اجتهدت المؤسسات الدينية الرسمية في مصر في طرح مواقف أكثر تقدمًا لحماية النساء، بينها الفتاوى التي تحرّم ختان الإناث. لكن إصدار الفتوى وحده لا يكفي، بحسب عبيد، ما لم يتحول إلى معرفة راسخة لدى رجال الدين والأطباء والعاملين في المؤسسات التعليمية.
كما تكشف ظاهرة "تطبيب الختان"، أي انتقال ممارسته إلى بعض الأطباء والمنشآت الطبية، حدود تأثير الحظر القانوني والفتاوى الدينية. فدخول الأطباء على خط هذه الممارسة لا يجعلها أكثر أمانًا، وإنما قد يحولها إلى مصدر دخل ويمنحها غطاءً طبيًا زائفًا، في ظل تساؤلات عن مدى تطبيق العقوبات ومحاسبة المتورطين.
يتقاطع ذلك مع نمط تربوي لا يعزز دائمًا ثقة الفتيات بأنفسهن، ولا يرسخ الأسرة بوصفها مساحة آمنة للجوء إليها عند التعرض للخطر. ويساهم هذا الواقع في زيادة أثر جرائم الابتزاز الإلكتروني، التي قد تدفع بعض الفتيات إلى الانتحار خوفًا من الفضيحة أو العقاب العائلي.
في هذا السياق، برز وسم "نصدق الناجيات" بوصفه استجابة لأزمة الثقة في روايات النساء عن العنف، لا حكمًا قضائيًا على المتهمين. وترى عبيد أن التشكيك التلقائي في رواية الناجية يعكس ثقافة متراكمة تقلل من شأن العنف، بينما يتطلب التعامل معه سياسات عامة تحمي المواطنين والمواطنات وتصون سلامتهم وكرامتهم.
إحدى فعاليات حملة ميدانية لمناهضة التحرش الجنسي في مصر - UN Women
العنف الأسري والاغتصاب الزوجي
أمام هذه التحديات، لم تنجح مساعي المجتمع المدني والحركة النسوية في تمرير قانون موحد لمناهضة العنف في مصر، رغم تقديم مشروع إلى البرلمان أكثر من مرة. ويترافق التعثر التشريعي مع أعراف تتسامح مع العنف المنزلي، وشح في البرامج التوعوية التي تشرح أشكاله وسبل مواجهته.
ترى عبيد أن القانون ضروري، لكنه لا يكفي وحده لإحداث تغيير حقيقي في علاقات القوة داخل الأسرة. فالمواجهة تحتاج كذلك إلى برامج تصل إلى البيوت والقرى، وتخاطب النساء والرجال، وتوضح أن الإهانة والصفع والركل والسيطرة ليست خلافات عائلية عادية، وإنما أشكال من العنف.
يمتد الصمت التشريعي والثقافي إلى "الاغتصاب الزوجي"، الذي لا يزال من أكثر الملفات حساسية في مصر. فالثقافة السائدة تنكر إمكان وقوع الاغتصاب داخل الزواج، وتتعامل مع العلاقة الجنسية باعتبارها حقًا مكتسبًا للرجل، ما يحاصر النقاش العلني في غياب الرضا بين الزوجين.
توضح عبيد أن العلاقة الجنسية الناجحة لا تنفصل عن طبيعة العلاقة اليومية بين الطرفين. فعندما تقوم الحياة الزوجية على العنف والسيطرة والإهانة، قد تتحول العلاقة الحميمة إلى وسيلة للعقاب أو "التأديب"، بدلًا من أن تكون علاقة تشاركية تقوم على رغبة الطرفين.
لا تقتصر المشكلة، بحسب عبيد، على التمهيد للعلاقة الحميمة، وإنما تتعلق بمدى احترام رغبات النساء والنظر إليهن بوصفهن شريكات كاملات. كما ترتبط بغياب التثقيف الجنسي عن المدارس، واستمرار النظر إلى الحديث عن هذه المسائل باعتباره خروجًا على الأعراف.
مع ذلك، ترى عبيد أن انتقال قضايا مثل الاغتصاب الزوجي من الدوائر المغلقة إلى الحسابات الشخصية على مواقع التواصل يمثل مؤشرًا إلى بداية تغير اجتماعي، حتى إن ظل المسار طويلًا ومحفوفًا بالمقاومة. فإتاحة النقاش حول القضايا المسكوت عنها تفتح المجال أمام أجيال أكثر وعيًا، وتعيد طرح العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها شراكة لا تتحقق مصلحة أي طرف من دونها.