بدأت إسرائيل منذ أيام التحضير لاحتمال نقض اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، مع إبقاء قواتها في الأراضي اللبنانية، مشيرة إلى أن "مهلة الستين يومًا ليست مقدسة".
في المقابل، جددت الحكومة اللبنانية مطالبتها لواشنطن والمجتمع الدولي بلجم الانتهاكات الإسرائيلية التي استمرت منذ اليوم الأول للاتفاق، بالإضافة إلى إلزام إسرائيل بسحب قواتها بعد انتهاء مهلة الستين يومًا.
استمرار الخروقات الإسرائيلية
واستمرارًا للتقارير والتسريبات الإسرائيلية المتطابقة، أفادت صحيفة "يسرائيل هيوم" بأن إسرائيل تدرس إمكانية إبقاء قواتها في نقاط استراتيجية عدة جنوبي لبنان، حتى بعد انتهاء المهلة المحددة في الاتفاق.
وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، فإن تل أبيب تتذرع بعناوين أمنية لتسويغ إبقاء قواتها في نقاط استراتيجية لبنانية، بينها بطؤ انتشار الجيش اللبناني جنوبي الليطاني.
وكشف الجيش الإسرائيلي عن أسلحة ومنشآت لحزب الله في المنطقة، مرورًا بادعاءات تل أبيب بشأن جهود الحزب لتعزيز قواته وبنيته التحتية من جديد.
وقالت "يسرائيل هيوم" إن هذه المسألة ستبحثها حكومة نتنياهو مع الإدارة الأميركية الحالية، ومع الرئيس المنتخب دونالد ترمب.
ودفعت الخروقات الإسرائيلية بالحكومة اللبنانية إلى مطالبة واشنطن بصفتها الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار بلجم خروقات إسرائيل المتواصلة جنوبي لبنان.
وفي ظل المخاوف من التسويف الإسرائيلي، نفت الحكومة اللبنانية أن تكون قد أبلغت بتأخير إسرائيل سحب قواتها من الجنوب بعد انقضاء مهلة الستين يومًا، مؤكدة موقفها الثابت بضرورة الانسحاب من المناطق المحتلة وفق الجدول الزمني المنصوص عليه في الاتفاق.
زيارة محتملة لهوكستين إلى بيروت
وبحسب مصادر لبنانية، تخطط بيروت أيضًا للتحرك باتجاه مجلس الأمن الدولي الذي يتوقع أن يصدر بيانًا جديدًا يؤيد فيه التفاهم ويطلب الالتزام بتطبيق القرار الدولي 1701.
وفي خضم مواصلة إسرائيل عمليات التوغل والغارات في عمق لبنان، وقلق بيروت من خروقات لإفشال الاتفاق، تحدثت تقارير عن زيارة محتملة سيجريها المبعوث الأميركي آموس هوكستين إلى بيروت خلال أيام، أي قبل انتهاء مهمته.
وبينما تدعي تل أبيب أن فهمها للاتفاق مختلف بالضرورة عن فهم لبنان له، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش يحاول تكريس منطقة أمنية واسعة في جنوب لبنان، بقوة النار، على غرار ما فعله في غزة، ويحاول تكريسه في جنوب سوريا بعد احتلال أراضيها أخيرًا.
تطبيق الرؤية الإسرائيلية
وضمن هذا السياق، يقول أنطوان شلحت، الخبير في الشأن الإسرائيلي، إن "إسرائيل تحاول وضع مسوغات للبقاء في لبنان بعد هدنة الستين يومًا، وأبرزها قدرة حزب الله على تهديد سكان شمال إسرائيل".
ويضيف في حديث إلى التلفزيون العربي من عكا، أن إسرائيل تسعى لتأكيد نيتها مواصلة خرق وقف إطلاق النار بحجة أنه لم يحقق الغايات التي تطمح إليها تل أبيب من هذه الحرب.
ويرى أن هناك سعي لتطبيق الاتفاق في لبنان وفق الرؤية الإسرائيلية التي تتجلى في تجاوز نقاط الاتفاق، مضيفًا: "يوجد إجماع داخل إسرائيل على الاستمرار في إبعاد حزب الله".
ويشير شلحت إلى أن "الأنظار متجهة نحو الولايات المتحدة، باعتبارها الوسيط في اتفاق لبنان، للقيام بدورها في وقف الخروقات الإسرائيلية، مما يبرز تواطؤ الإدارة الأميركية الحالية مع النهج الإسرائيلي.
ويوضح أن "إسرائيل جرت إلى الاتفاق تحت ضغط أميركي، ولهذا ظهرت لاحقًا الأحاديث ليس عن تسوية، بل عن حرب لبنان الرابعة، التي تستعد تل أبيب لخوضها".
ويشدد على أن "إسرائيل تهدف إلى اجتثاث حزب الله من المشهد السياسي كليًا، للقضاء على قدراته العسكرية".
"تجاوز الاتفاق"
بدوره، يقول منير الربيع، رئيس تحرير جريدة "المدن"، إن "إسرائيل تتعامل مع لبنان وكأن لا اتفاقًا قد وُقع، إذ تقدمت إلى مناطق لم تصل إليها خلال الحرب، بل دخلتها عبر هذا الاتفاق، كما تراجع الإسرائيليون عن فكرة الانسحاب خلال فترة الستين يومًا".
ويضيف الربيع، في حديثه لـ"التلفزيون العربي" من الدوحة، أن "حزب الله يواجه تحديات يجب عليه التعامل معها، لذلك تسعى الحكومة اللبنانية لدفع إسرائيل للالتزام بالاتفاق عبر الوعود الأميركية، خاصة أن حزب الله يهدد باستهداف العمق الإسرائيلي".
ويلفت إلى أن "هناك نقاشًا جديًا بشأن عدم نية إسرائيل شن عملية برية في فصل الشتاء، وقد يتم تأجيلها إلى الربيع مع وصول ترامب إلى الحكم".
ويعتبر أن "هناك دعوات شعبية في لبنان تدعو للتحرك ضد إسرائيل، حيث لا يشعر الأهالي بالاستقرار في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية".
"خطة سلام بعيدة المدى"
من جانبها، ترى كارولين روز، رئيسة معهد "نيولاينز" للاستراتيجيات والسياسات في نيويورك، أن تنصيب ترمب يعكس عدم رغبة واشنطن في جعل إسرائيل أكثر جرأة، وبالتالي السير نحو وقف إطلاق نار أوسع.
وتقول روز، في حديثها لـ"التلفزيون العربي" من نيويورك، إن "واشنطن قلقة، ولكن إدارة ترمب تسعى لتجميع اتفاق إقليمي يشمل فلسطين ولبنان وسوريا".
واستدركت قائلة: "إن المقربين من ترمب يعملون على تنفيذ خطة سلام بعيدة المدى في المنطقة، وأن إدارة ترمب ستواصل معالجة النزاع مع الالتفاف على الأولويات الداخلية في الولايات المتحدة".
وتضيف أن إسرائيل ستتلقى دعمًا أكبر في عهد ترمب، ولكن إدارة هذا الأخير ستدير اتفاق سلام بعيد المدى، يتضمن السماح لإسرائيل بتنفيذ ضربات في لبنان وفلسطين وسوريا، مقابل وقف إطلاق نار أطول، وفق قولها.