لم تعد الأزمة الديموغرافية في الصين مجرد توقعات بعيدة المدى حبيسة المجلات الأكاديمية أو تنبؤات تطلقها منظمات دولية، بل أصبحت حقيقة ملموسة، تؤكدها الإحصاءات الرسمية وأوساط المجتمع الصيني، وفق "آسيا تايمز".
ففي يناير/ كانون الثاني 2026، أفاد المكتب الوطني للإحصاء في الصين بأن البلاد سجلت أدنى معدل مواليد منذ عام 1949. فقد وُلد أقل من ثمانية ملايين طفل في عام 2025، وهو رقم كان يُعد قليلًا بالنسبة لدولة لطالما ارتبط اسمها بالوفرة السكانية.
لم يكن الانخفاض طفيفًا، فمع معدل مواليد يبلغ حوالي 5.6 مولود لكل 1000 نسمة، باتت الصين تُصنّف ضمن المجتمعات الأقل خصوبة في العالم، أقرب إلى الاقتصادات الأوروبية المُتقدّمة في العمر السكاني منها إلى صورة القوة الآسيوية الصاعدة.
هذا العام هو العام الرابع على التوالي الذي يشهد فيه إجمالي عدد سكان الصين انخفاضًا. فما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه تحد مُحدق، أصبح واقعًا بنيويًا.
السيطرة على النمو السكاني
لعقود، خشيت الصين من تضخم عدد سكانها. واعتُبرت السيطرة على النمو السكاني شرطًا أساسيًا للتحديث والاستقرار، وشكّلت السياسة العامة لجيل كامل عبر "سياسة الطفل الواحد". أما اليوم، فقد انقلبت هذه المخاوف رأسًا على عقب.
أما اليوم، فقد انقلبت هذه المخاوف رأسًا على عقب.
لم تعد مشكلة الصين تكمن في فائض السكان، بل في التناقص المتسارع لجيل المستقبل. فالهرم الديموغرافي الذي كان يدعم النمو السريع يضيق من قاعدته، بينما يزداد كثافةً من قمته.
يحمل هذا التحول دلالات رمزية بالغة. لم يكن حجم السكان مجرد إحصائية، بل مصدر ثقة وطنية وعمق استراتيجي. فقد ساعدت قوة عاملة ضخمة في تشغيل المصانع، وإثراء المدن، ودعم عقود من النمو الاقتصادي السريع.
أما الآن، ومع انخفاض معدلات المواليد إلى مستويات تاريخية متدنية، فإن أسس هذا النموذج تتآكل.
تغيّر سلوك الإنجاب
كان الهدف من إنهاء سياسة الطفل الواحد تصحيح المسار. فعندما سمحت بكين بإنجاب طفلين، ثم ثلاثة لاحقًا، كان المسؤولون يأملون أن يُترجم "الطلب المكبوت" إلى طفرة مواليد.
لكن هذا الافتراض السياسي أثبت خطأه، إذ تكشف أرقام عام 2025 حقيقةً مُقلقة للغاية:
لقد تغير سلوك الإنجاب بطرق لا يمكن لتحرير السياسات وحده أن يُعكسها.
يبلغ معدل الخصوبة في الصين حاليًا نحو مولود واحد لكل امرأة، وهو أقل بكثير من مستوى الإحلال البالغ 2.1. وفي المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي، يكون المعدل أقل من ذلك.
وعندما ينخفض معدل الخصوبة إلى هذا الحد، تشير التجارب الدولية إلى أن التعافي يصبح بالغ الصعوبة.
قد تُبطئ الحوافز وتيرة الانخفاض، لكنها نادرًا ما تُعيد التوازن.
تغيّر في نمط الحياة الأسرية
وفق "آسيا تايمز"، فإن الأسباب هيكلية. فقد غيّر التوسع الحضري نمط الحياة الأسرية.
وتُعد أسعار المساكن في أكبر المدن الصينية من بين الأعلى في العالم نسبةً إلى الدخل، ما يجعل امتلاك منزل مناسب للعائلات بعيد المنال بالنسبة للعديد من الأزواج الشباب.
وترتفع تكاليف رعاية الأطفال، كما أن التعليم شديد التنافسية ومكلف، فيما تضيف الرعاية الصحية عبئًا إضافيًا من القلق.
أما الأبوة والأمومة، التي كانت في السابق أمرًا طبيعيًا اجتماعيًا، فتُعتبر بشكل متزايد "مقامرة اقتصادية".
وتُعزّز أنماط الزواج هذا التحول. فعدد المتزوجين يتناقص، ومن يتزوج غالبًا ما يتزوج في سن متأخرة، وفق "وورلد بوليتكس ريفيو". وفي الوقت نفسه، يتقلص عدد النساء في سن الإنجاب بسرعة، وهي نتيجة متأخرة لعقود من تحديد النسل.
وحتى لو تغيّرت المواقف الاجتماعية تجاه الإنجاب بين عشية وضحاها، فإن القاعدة الديموغرافية نفسها تتقلص.
جهود حكومية لم تُؤتِ ثمارها
تشير "آسيا تايمز" إلى أن جهود الحكومة لتشجيع الإنجاب عبر الدعم الحكومي والإعفاءات الضريبية وحوافز الإسكان لم تُحقق سوى نجاح محدود. ولا يزال التفاعل ضعيفًا بين الأجيال الشابة، وتتسع الفجوة بين الحث الرسمي والواقع المعيشي.
ويكمن جوهر انهيار معدل الخصوبة في الصين في خلل اجتماعي-اقتصادي أعمق. فلسنوات أُعطيت الأولوية للنمو على حساب التوازن، والإنتاجية على حساب الرفاه.
ونتج عن ذلك ثقافة عمل لا تترك مجالًا يُذكر للحياة الأسرية:
ساعات عمل طويلة، ومنافسة شرسة، وشعور متزايد بانعدام الأمان الوظيفي، يجعل تربية الأطفال مهمة شاقة.
وتُجسّد تعابير ثقافية جديدة هذا الإرهاق. فمفاهيم مثل "تانغ بينغ" أو "الاستلقاء" تعكس انسحاب جيل كامل من سباق المنافسة الذي خاضه أسلافه.
ويتحدث آخرون عن الاستسلام بدل المقاومة، وعن شعور بأن الجهد لم يعد يضمن الاستقرار. وتُعيق هذه المواقف التجديد الديموغرافي لأنها تُشير إلى تآكل الثقة بالمستقبل.
رعاية كبار السن
يتفاقم الضغط الاقتصادي بفعل الالتزامات بين الأجيال. ولم تعد ما يُسمى بـ"مشكلة 4-2-1"، أي طفل واحد يعيل أبوين وأربعة أجداد، مجرد مسألة نظرية.
فمع تقدم المجتمع في السن، يواجه الشباب توقعات متزايدة لرعاية كبار السن في ظل أسواق عمل أقل استقرارًا. وفي مثل هذا المناخ، يضعف الحافز لإنجاب مزيد من الأطفال.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، فالعواقب وخيمة. إذ يعيق تقلص القوى العاملة النمو، في الوقت الذي تتزايد فيه متطلبات الإنفاق العام.
كما تتغير أنماط الاستهلاك مع انخفاض إنفاق كبار السن وزيادة ميلهم إلى الادخار. وبالتالي، لم يتلاشَ العائد الديموغرافي الذي دفع الصين نحو التقدم فحسب، بل انعكس مساره.
تراجع الصين كقوة دولية
لن يبقى التحول الديموغرافي شأنًا داخليًا، بل ستُعيد آثاره تشكيل الديناميكيات الإقليمية والعالمية.
فلعقود، شكّل حجم الصين ركيزة أساسية لدورها كمركز تصنيع عالمي ومحرك رئيسي للطلب العالمي. ومع انكماش القوى العاملة وتباطؤ الاستهلاك، سيتغير هذا الدور حتمًا.
وتشهد سلاسل التوريد تعديلات متزايدة، إذ تُنوّع الشركات متعددة الجنسيات إنتاجها باتجاه دول جنوب شرق آسيا وغيرها من الاقتصادات ذات التركيبة السكانية الأكثر شبابًا.
ومن المتوقع أن تستفيد فيتنام وإندونيسيا والفلبين من هذا التحول مع انتقال الاستثمارات والقدرات الصناعية تدريجيًا بعيدًا عن اقتصاد صيني متقدم في السن.
الضغوط المالية
كذلك ستؤثر الضغوط المالية الداخلية على طموحات بكين الخارجية. فالمجتمع الذي يشهد شيخوخة سكانية يتطلب إنفاقًا أكبر على المعاشات والرعاية الصحية، ما يحد من الموارد المتاحة للمبادرات الخارجية.
وقد يصبح تمويل البنية التحتية في الخارج ضمن مبادرة "الحزام والطريق" أكثر انتقائية، مع ميل الأولويات الاستراتيجية نحو الداخل. ومن المرجح أن تصبح الصين، مع تزايد نسبة كبار السن، قوة أكثر تقييدًا.
ومع ذلك، لا يؤدي التراجع الديموغرافي تلقائيًا إلى ضبط النفس الجيوسياسي.
وبالنسبة للحزب الشيوعي الصيني، الذي تستند شرعيته إلى الأداء والنهضة الوطنية، يمثل التراجع الديموغرافي المستمر تحديًا كبيرًا.
وقد تصبح النزعة القومية أداة تعويضية للحفاظ على التماسك وسط حالة عدم اليقين الداخلي.
لذلك ينبغي النظر إلى انخفاض معدل المواليد إلى مستوى قياسي مطلع عام 2026 بوصفه أكثر من مجرد حدث ديموغرافي؛ إذ يشير إلى تحول هيكلي يمس مستقبل الصين من الحيوية الاقتصادية إلى التماسك الاجتماعي، ومن الاستدامة المالية إلى الموقع الجيوسياسي.
لا يحدد التركيب السكاني المصير، لكنه يفرض قيودًا قوية على ما هو ممكن.
لا تزال الصين دولة قوية تمتلك موارد وقدرات مؤسسية كبيرة، إلا أنها الآن قوة عظمى تدخل مرحلة الشيخوخة، وتواجه قيودًا ديموغرافية لا يمكن للسياسات وحدها تجاوزها.
في الخلاصة