الثلاثاء 15 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

خفايا ملف الطاقة في تعز.. كيف باتت الكهرباء تحت رحمة سماسرة الظلام؟

خفايا ملف الطاقة في تعز.. كيف باتت الكهرباء تحت رحمة سماسرة الظلام؟ محدث 01 سبتمبر 2026

شارك القصة

محطات تجارية خاصة حلت مكان كهرباء الدولة في مدينة تعز اليمنية
محطات تجارية خاصة حلت مكان كهرباء الدولة في مدينة تعز اليمنية
محطات تجارية خاصة حلت مكان كهرباء الدولة في مدينة تعز اليمنية
الخط
تمددت محطات الكهرباء الخاصة داخل أحياء مدينة تعز اليمنية منذ سنوات مع انطفاء محطات الكهرباء الحكومية، وسط تعرفة مرتفعة واستغلال للبنى التحتية للدولة.

تعيش مدينة تعز في اليمن تحت وطأة الحرب والحصار منذ عام 2015. ومع انطفاء محطات الكهرباء الحكومية، حلت محلها تدريجيًا محطات تجارية خاصة تمددت داخل أحياء المدينة، حتى وصل بها الأمر إلى استخدام شبكة الدولة العامة لبيع الكهرباء للسكان بأسعار باهظة.

لكن كيف وصلت شبكة الدولة إلى أيدي المستثمرين؟ ومن منحهم حق استخدامها؟ وكيف تحوّل "الحل الموقت" إلى واقع استثماري مستمر منذ سنوات؟ أسئلة حاول فريق "مهمة صحفية" عبر التلفزيون العربي والعربي بلس الحصول على إجابات عنها.

مهمة صحفية - كهرباء اليمن

مرضى مهددون في تعز بسبب الكهرباء


وصل فريق "مهمة صحفية" إلى مدينة تعز وسط ظروف أمنية جعلت المهمة محفوفة بالمخاطر. ومع حلول الليل، بدت آثار الأزمة جلية؛ إذ غرق جانب كبير من المدينة في الظلام.

وفي صباح اليوم التالي، تجول الفريق في أحياء المدينة والتقى أحمد الحداد، وهو مريض بالسكري لم تعد معاناته تقتصر على توفير ثمن العلاج. فغياب الكهرباء جعله يخوض معركة يومية للعثور على مكان يحفظ فيه دواء الإنسولين من التلف.

يقول أحمد بنبرة أسى:

أعاني من مرض السكري منذ عام 2014. كانت الكهرباء الحكومية متوفرة وأحتفظ بالحقن في ثلاجة المنزل بأسعار رخيصة جدًا.
الآن لا أستطيع ذلك؛ تتردى جودة الحقن حين تترك بلا تبريد وتصبح بلا مفعول. أضطر إلى تركها لدى أصحاب البقالات الذين يملكون كهرباء تجارية.
في كثير من الأحيان تنكسر الإبر، أو أجد المحلات مغلقة، فأضطر إلى الاقتراض وشراء دواء جديد.
أحمد الحداد - مريض بالسكري
مرضى في تعز يواجهون خطر الموت بسبب انقطاع الكهرباء

ينعكس انقطاع الكهرباء في تعز مباشرة على عمل المرافق الصحية وحياة المرضى 


ولا يتوقف أثر انقطاع التيار عند المنازل. ففي "مستشفى الثورة"، أحد أكبر مستشفيات تعز، التقى الفريق فؤاد، القادم من مرتفعات جبل حبشي لإجراء غسيل كلى، ليفاجأ بأن غياب الكهرباء حال دون إجراء جلسته العلاجية في موعدها.

يروي فؤاد أنه انتظر من السادسة صباحًا حتى التاسعة ليلًا، فيما كان جسمه يمتلئ بالسموم وارتفع وزنه 11 كيلوغرامًا بسبب انحباس السوائل، قبل تأمين المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل قسم الكلى.

ويقول إنه يعيش في قلق وخوف دائمين بسبب انقطاع الكهرباء الذي كاد يودي بحياته، على غرار ما حصل مع أحد أقربائه.


مهمة صحفية | الكهرباء ليست إنارة فقط

مربعات نفوذ ومولدات نهبتها الحرب


خلف الأزقة المظلمة للمدينة اليمنية، لا تبدو الحكاية أزمة خدمات عابرة، وإنما شبكة نفوذ أفرزتها سنوات الصراع.

وقد حصل فريق "مهمة صحفية" على وثيقة رسمية من "منطقة كهرباء تعز" تكشف حجم انتشار المحطات التجارية على شبكة الدولة داخل المدينة وريفها؛ إذ باتت 24 محطة تجارية تتقاسم الخدمة في ظل تراجع حضور المؤسسة العامة للكهرباء.

"في بداية الحرب، نهبت جماعات وأفراد وقادة عسكريون مولدات من مؤسسات عامة وخاصة. بدأ التشغيل مبدئيًا على مستوى الحارات لتغطية الانقطاع، ثم توسع هؤلاء ليصبحوا يمتلكون مربعات كاملة داخل المدينة، وتحولوا إلى المتحكم الرئيسي بالطاقة. لاحقًا، أبرمت عقود لهؤلاء لتشغيل المحطات لصالح قيادات عسكرية نافذة".
رئيس لجنة الدفاع عن ممتلكات كهرباء تعز أمين أحمد الحاج - مهمّة صحفية

وأظهر تتبع انتشار المحطات تقاسم شبكة المدينة على أربعة مربعات رئيسية تسيطر عليها شركات خاصة. ولم يقف الأمر عند أحياء مدينة تعز، بل امتد تأثير التجزئة إلى الأرياف والساحل عبر عشرات المحطات التي ترسخت في ظل غياب مؤسسات الدولة.


وثيقة تكشف حجم انتشار المحطات التجارية على شبكة الدولة داخل تعز وريفها
وثيقة تكشف حجم انتشار المحطات التجارية على شبكة الدولة داخل تعز وريفها

وثيقة حصل عليها "مهمة صحفية" تظهر حجم انتشار المحطات التجارية على شبكة كهرباء تعز

كيف انتقلت شبكة الدولة إلى أيدي التجار؟


يقول عبد الجليل الشراري من شركة "يمن كو للكهرباء" إنه في عام 2018، ومع الانقطاع التام للكهرباء، أعلنت السلطة المحلية في تعز رغبتها في جذب مستثمرين لتشغيل القطاع. وتقدم المستثمر محمود أحمد خالد الزوقري، مالك شركة "يمن كو"، بمذكرة رسمية حظيت بموافقة المحافظة حينها وأُحيلت إلى مدير فرع المؤسسة العامة للكهرباء في تعز. وبناءً على ذلك، أُبرمت عقود رسمية بين المؤسسة والمستثمرين للبدء بتأهيل الشبكة وإعادة تشغيل الكهرباء.


من شبكة واحدة إلى مربعات

وتمكن فريق "مهمة صحفية" من الحصول على العقود المبرمة، التي تضمنت بنودًا مثيرة للجدل، أبرزها:

  • السماح لتجار الطاقة باستخدام شبكة الدولة العامة.
  • فصل عدادات الدولة واستبدالها بعدادات تجارية خاصة.
  • منح الدولة 10 ريالات فقط عن كل كيلوواط وفق ما ورد في العقود التي حصل عليها الفريق.
  • تسخير الفنيين والمهندسين الحكوميين لخدمة المحطات الخاصة.

ولا يعني قانون الكهرباء اليمني أن مشاركة القطاع الخاص ممنوعة في ذاتها؛ فقانون الكهرباء رقم (1) لسنة 2009 يجيز مشاركة الاستثمار الخاص في أنشطة التوليد والتوزيع، لكنه يربط ممارسة أنشطة الكهرباء بالتراخيص والضوابط والتعرفة والإشراف المنصوص عليها في القانون



وقادت هذه العقود الفريق إلى مدير كهرباء تعز الأسبق المهندس عارف غالب عبد الحميد، لسؤاله عن الصلاحية التي مُنحت بموجبها الشركات الخاصة حق استغلال الأصول العامة.

ويجيب عارف غالب عبد الحميد:

"استلمت إدارتي في عام 2017 فوق أرضية محروقة؛ لا توجد كهرباء، لا مقرات للمؤسسة، لا رواتب، والموظفون غائبون.
كان لا بد من حل عاجل. رفعنا الاحتياجات إلى المحافظة والوزارة لتوفير تكاليف الإصلاح، وفي الوقت ذاته اقترحنا إشراك القطاع الخاص لاستغلال المولدات التجارية المتوفرة وتأهيل الشبكة.
حظي الاقتراح بموافقة المحافظ الأسبق أمين أحمد محمود، وكان الهدف توفير حل مؤقت لتطبيع الحياة وإعادة الأمن".
المهندس عارف غالب عبد الحميد - مدير كهرباء تعز الأسبق

اتهامات متضاربة ووثائق تُبطل العقود


تُظهر وثيقة صادرة مطلع عام 2018 طلبًا من شركة "يمن كو" لاستخدام الشبكة، مع إحالة رسمية من المحافظ إلى مدير الكهرباء لتسهيل المهمة.

غير أن وكيل محافظة تعز للشؤون الفنية مهيب الحكيمي قدم رواية مغايرة لموقف السلطة المحلية، قائلًا:

"في 2018، قام مدير الكهرباء آنذاك عارف عبد الحميد بإنشاء شركات وتوقيع عقود معها. وعندما عُرضت العقود على المحافظ الدكتور أمين محمود، طُلب مناقشتها ووضعنا 11 ملاحظة فنية، غير أن إدارة الكهرباء لم ترد على الاستفسارات. وبناءً على تقريرنا، رفض المحافظ التوقيع على تلك العقود".
مهيب الحكيمي - وكيل محافظة تعز للشؤون الفنية

وفي المقابل، يرد المهندس عارف غالب عبد الحميد على هذه الاتهامات بقوله: "هذا الكلام غير صحيح؛ السلطة المحلية هي من وجهت بتأجير الشبكة بتوجيهات خطية ومقرة من المحافظ السابق لحمايتها من السرقة وتوفير الخدمة. بفضل تلك الخطوة، أضيئت الشوارع وتوفرت الكهرباء بسعر 220 ريالًا للكيلوواط في ذلك الوقت".

أما مدير مؤسسة الكهرباء سابقًا في تعز عبد الكريم البركاني، فيشير إلى أن محطات الكهرباء التجارية في تعز بدأت بشخص أو شخصين وقعا عقودًا مع المدير السابق، وعندما علم الآخرون بالأمر تهافتوا إلى مؤسسة الكهرباء ووقعوا عقودًا مماثلة.


غلاء أسعار الكهرباء الخاصة انعكس على التجار وعلى المواطنين الذي يدفعون الثمن

ترتفع كلفة الكهرباء التجارية في تعز إلى مستويات تثقل كاهل الأنشطة التجارية والسكان

ورغم التبريرات والاتهامات المتبادلة، حسمت الشؤون القانونية موقفها بوثيقة رسمية صادرة عام 2019 وموجهة إلى المحافظ نبيل شمسان، أقرت فيها ببطلان هذه العقود بطلانًا مطلقًا، وأكدت إلغاء اللائحة التنظيمية الصادرة عن الفرع لمخالفتها قانون الكهرباء رقم (1) لسنة 2009.

ويقول البركاني إن الشؤون القانونية والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة أكدا أن إبرام العقود ليس من صلاحية مدير فرع تعز، وإنما يتطلب العودة إلى الجهات المركزية المختصة. وبناءً على ذلك، أصدرت السلطة المحلية لاحقًا قرارًا بإيقاف المدير السابق وتغييره.


استنزاف اقتصادي يهدد التجار والمواطنين


وبين بطلان العقود واستمرار سيطرة المحطات التجارية على جانب كبير من الخدمة، يواصل أهالي تعز تحمل كلفة أزمة تحولت من مشكلة خدمية إلى عبء اقتصادي يضغط على السكان والقطاع التجاري معًا.

ويقول عبد المجيد حسان، أحد تجار تعز، موضحًا الفارق الشاسع في التكلفة: "كنا ندفع للكهرباء الحكومية نحو 100 ألف ريال شهريًا لجميع محلاتنا. بعد الحرب والاعتماد على الكهرباء التجارية، صرنا ندفع ما يقارب 10 ملايين ريال للمحطات و10 ملايين أخرى للديزل شهريًا؛ أي نحو 200 مليون ريال سنويًا. الكهرباء التجارية أصبحت عائقًا أمام أي تاجر، وتضاف هذه التكاليف الباهظة مباشرة إلى قيمة السلع، ليكون المواطن هو الضحية الأولى".


من 100 ألف إلى 20 مليونًا

وتُظهر الوثائق الرسمية محاولات لتحديد سعر الكيلوواط بـ900 ريال، لكن المحطات التجارية استمرت، بحسب ما توصل إليه التحقيق، في فرض أسعار تتجاوز هذا السقف، ووصلت إلى 1650 ريالًا للكيلوواط.

ويرى الناشط المجتمعي في تعز فهد الأرحبي أن أحد الحلول يكمن في تشغيل محطة كهرباء عصيفرة الحكومية، التي انتهت صيانتها وأصبحت قادرة نظريًا على توليد ما يصل إلى 13 ميغاواط.


شبكة خارج سيطرة الدولة


ومع استمرار الأزمة وتصاعد الغضب الشعبي، أقر وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف بأن "شبكة الكهرباء في تعز خرجت، للأسف الشديد، عن نطاق سيطرة الدولة، حيث سيطر بعض المتنفذين والقادة على الشبكات في عدة مناطق وأصبحوا هم من يديرونها"، وفق تعبيره.


غضب شعبي في تعز إزاء وضع الكهرباء

 أثارت كلفة الكهرباء وانقطاع الخدمة الحكومية غضبًا متكررًا بين سكان تعز

وفي أحد أحياء تعز المظلمة، يصف مواطن المعاناة قائلًا: "بعد 2015 نعيش في ظلام دامس، نستخدم الشموع أو فلاش الهاتف. سعر الاشتراك في الكهرباء التجارية يصل إلى 100 ألف ريال، والفاتورة الشهرية 80 ألفًا. كيف لمواطن بسيط يوفر بصعوبة قوت يومه وأجرة بيته أن يدفع هذه المبالغ؟ السلطة المحلية لا تهتم بأمر المواطن".

وفي هذا الإطار، تواصل فريق "مهمة صحفية" مع وزير الكهرباء لوضع نتائج التحقيق أمامه وسؤاله عن خطة الوزارة لاستعادة شبكة الدولة وأسباب غياب الدعم الحكومي لتعز، لكنه لم يتلقَّ أي رد حتى لحظة إنجاز التحقيق.


ثماني سنوات مرت منذ أن دخلت المحطات التجارية إلى شبكة تعز بوصفها "حلًا مؤقتًا". تغير مسؤولون، وصدرت قرارات، وأُبطلت العقود على الورق، لكن الواقع لم يتغير. وبين دولة لم تستعد شبكتها وقطاع خاص رسخ حضوره فيها، يبقى المواطن في تعز من يدفع الكلفة الأكبر من قوت يومه.


 تحقيق استقصائي يكشف خفايا ملف الطاقة في تعز وتفاصيل تعطيل المرفق الحكومي وتحويل الكهرباء إلى تجارة سوداء تديرها شبكات نفوذ ومحطات تجارية في الفيديو المرفق من "مهمة صحفية".
تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي