منذ الأيام الأولى التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، استهدفت إسرائيل المنشآت والبنى التحتية العسكرية في سوريا، ومن بينها القواعد الجوية المنتشرة في أنحاء البلاد. وتقول إسرائيل إن هدف هذه الغارات هو منع تمركز قوات أو منظومات دفاع جوي تركية في سوريا.
وقد تتبع فريق "مسبار" في التلفزيون العربي ما يمكن أن يكون نمطًا إسرائيليًا متكررًا في استهداف القواعد الجوية السورية على مدى عامين.
استهداف مطار أبو الظهور
ففي الثامن من أغسطس/ آب 2026، استهدفت إسرائيل مدرج مطار أبو الظهور في هجوم وقع، بحسب مسؤولين سوريين، بعيد مغادرة وفد عسكري تركي، قبل يوم واحد من الغارات.
ورصدت صور فضائية أعمال إعادة تأهيل مكثفة لمدرج المطار، قبل أن تقصف إسرائيل المنشأة في اليوم التالي مباشرة، لتواجه المصير نفسه الذي واجهته قواعد جوية سورية أخرى حاولت استعادة نشاطها.
ويعد مطار أبو الظهور إحدى أبرز القواعد الجوية في شمال سوريا، وثاني أكبر قاعدة في المنطقة بعد مطار تفتناز. ويحتوي على مدرج رئيسي واحد ونحو 20 حظيرة للطائرات.
ويقع المطار في ريف إدلب الشرقي، على بعد نحو 70 كيلومترًا من الحدود التركية، بالقرب من مثلث إدلب وحلب وحماة، ما يسهل أي عمليات إسناد باتجاه البادية ووسط البلاد.
ومن خلال تحليل صور فضائية امتدت لأكثر من ثلاثة أشهر، رصد فريق "مسبار" أعمال تأهيل للمطار بدأت بصورة محدودة أواخر مايو/ أيار، ثم اتسع نطاقها خلال يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز، قبل أن تبلغ ذروتها في السابع من أغسطس/ آب، أي قبل ضرب المطار بيوم واحد.
وأفادت مصادر لـ"العربي الجديد" بأن أعمال الترميم شملت المدرج، مع رصد عربات تحمل إشارات تركية، إضافة إلى مسيّرة من طراز "بيرقدار".
وبمقارنة الصور الملتقطة يومي السابع عشر والتاسع عشر من أغسطس/ آب، تبيّن ظهور بقع داكنة على طول المدرج، تشير إلى آثار الضربات، كما أظهرت الصور استمرار أعمال الترميم في أعقابها.
وذكرت صحيفة "جيروزالم بوست" ومصادر إسرائيلية أن الضربات استهدفت منع هبوط قوات أو معدات تركية. لكن وزارة الدفاع التركية نفت من جانبها وجود قوات أو وفد عسكري تركي في المطار قبل الهجوم أو خلاله.
قصف مطاري تدمر و"4 T"
ولا يعد قصف أبو الظهور حالة منفردة. ففي الأول من مارس/ آذار 2025، أغارت إسرائيل على مطاري تدمر و"4 T" وبعد أربعة أيام فقط عادت لتقصف ما وصفته بقدرات عسكرية متبقية في مطار تدمر، الواقع في ريف حمص الشرقي.
ويكتسب المطار أهميته من موقعه في قلب البادية وقربه من منشآت إنتاج الغاز والفوسفات. وذكرت وكالة "رويترز" في ذلك الوقت أن الغارات تلت تفقد فرق تركية ثلاث قواعد جوية، بينها تدمر، لبحث نشر قوات ضمن اتفاق دفاع مشترك.
واستهدفت غارات لاحقة في الثامن من مارس/ آذار قاعدة "4 T" الجوية، الواقعة شرقي تدمر قرب قرية التياس في ريف حمص، قبل أن تكرر إسرائيل القصف مجددًا في الثاني من أبريل/ نيسان 2025.
وبمقارنة صور الأقمار الصناعية، تبدو قاعدة "4 T" ومنشآتها وبنيتها التحتية في حالة طبيعية في صورة التقطت في الثاني عشر من مارس/ آذار، قبل ظهور بقع داكنة وآثار للقصف في صور لاحقة تركزت في محيط المدارج والحظائر وبعض المنشآت.
واتسع نطاق آثار القصف في صورتين لاحقتين، الأولى التقطت في السابع من مارس/ آذار والثانية في السادس من أبريل/ نيسان 2025، في أعقاب موجات القصف اللاحقة.
وبحسب وكالة "الأناضول"، استهدفت الضربات الأجزاء المركزية من المدرج وأنظمة الرادار وحظائر الطائرات، فيما أفاد مسؤول أيضًا باستهداف منظومتي الدفاع الجوي "إس-200" و"إس-400".
وتعد منشأة "4 T" من أهم القواعد الجوية السورية، وتقع بالقرب من حقول الغاز، وتضم بنيتها التحتية 54 حظيرة للطائرات ومدرجًا رئيسيًا ومدرجين ثانويين.
وتزامنت الضربات الإسرائيلية المتتالية مع تقارير عن زيارة فرق تركية إلى تلك المطارات. فقد نقل موقع "ميدل إيست آي" عن مصادر حديثها عن خطط تركية محتملة لنشر منظومة "حصار" للدفاع الجوي، فيما تحدثت صحيفة "جيروزالم بوست" عن سعي تركي لاستغلال القاعدة في نشر طائرات مسيّرة.
لكن لا أدلة مستقلة في المصادر المفتوحة على نشر هذه المنظومات قبل استهداف القاعدة.
12 غارة دمّرت مطار حماة
ولم يسلم مطار حماة، ثالث أكبر المطارات العسكرية السورية، من الغارات الإسرائيلية. ونقلت "رويترز" عن مصدر سوري أن 12 غارة دمرت مدارج المطار وأبراجه ومستودعات الأسلحة وحظائر الطائرات.
وتظهر مقارنة صور الخامس عشر من مارس/ آذار والتاسع من أبريل/ نيسان 2025 آثار القصف على امتداد المدرج.
ووصفت إسرائيل الضربات بأنها تحذير من مغبة تمركز قوات أجنبية في سوريا. ويتميز مطار حماة، الذي عاينته أيضًا فرق تركية قبل استهدافه، بموقعه المركزي الذي يتيح إسناد العمليات في وسط البلاد وشمالها.
وتكشف المقارنة الزمنية في سلسلة الغارات نمطًا يتكرر: فرق تركية تعاين المنشآت أو أعمال تأهيل، يعقبها استهداف إسرائيلي.
وقد لا تثبت العلاقة الزمنية وحدها أن زيارات الفرق التركية كانت سببًا مباشرًا للقصف، لكنها تتسق مع تصريحات إسرائيلية علنية ترفض تمركز قوات أو منظومات دفاع جوي تركية في سوريا، وتؤكد سعي تل أبيب إلى الاحتفاظ بحرية حركتها في المجال الجوي السوري.