الأحد 18 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

خلف دموع المدرجات.. لماذا نبكي من أجل منتخبٍ لا نعرف لاعبيه؟

خلف دموع المدرجات.. لماذا نبكي من أجل منتخبٍ لا نعرف لاعبيه؟ محدث 24 يونيو 2026

شارك القصة

مشجع يذرف دموع الفرح خلال مباراة بين اليابان وإسبانيا في مونديال 2022- غيتي
مشجع يذرف دموع الفرح خلال مباراة بين اليابان وإسبانيا في مونديال 2022- غيتي
مشجع يذرف دموع الفرح خلال مباراة بين اليابان وإسبانيا في مونديال 2022- غيتي
الخط
يعكس بكاء المشجعين في المونديال تماهٍ بين الهوية الفردية والنجاح الجماعي إذ توفر كرة القدم ملاذًا يتيح للرجال والنساء تفريغ انفعالاتهم وتأكيد انتمائهم بعيدًا عن قيود القوالب النمطية.

في مشهد متكرر يتجاوز حدود الجغرافيا والثقافة، نرى ملايين مشجعي كرة القدم يذرفون الدموع بحرقة حين يخسر منتخبهم الوطني، أو يتعانقون في نشوة عارمة حين يسجل لاعب لا يعرفونه شخصيًا هدفًا في الدقيقة الأخيرة.

اللافت في هذا المشهد أن هؤلاء المشجعين لم يشاركوا في التدريبات، ولم يضربوا كرة واحدة، ولا تربطهم بهؤلاء اللاعبين أي صلة شخصية مباشرة.

فما الذي يجعل إنسانًا يبكي بصدق على نتيجة "لعبة"؟

قد يبدو من السهل وصف هذه الظاهرة بأنها مبالغة عاطفية، غير أن هذا الوصف يبقى قاصرًا أمام تجلٍّ معقد لبنية نفسية واجتماعية راسخة، تتقاطع فيها نظريات الهوية وعلم الأعصاب والأنثروبولوجيا الثقافية والفلسفة الوجودية.


الهوية الاجتماعية


طوّر علماء النفس الاجتماعي، عبر سلسلة من الأبحاث الرائدة في سبعينيات القرن العشرين، تقليدًا بحثيًا جديدًا يقوم على نظرية الهوية الاجتماعية، وهي "ذلك الجزء من مفهوم الفرد لذاته الذي يُستمد من معرفته بعضويته في مجموعة اجتماعية أو مجموعات، إلى جانب الأهمية العاطفية المرتبطة بهذه العضوية".

واستخدم علماء أوروبيون من أمثال هنري تاجفيل وجون سي. تيرنر هذه النظرية لفحص العلاقات بين المجموعات والعمليات الجماعية والذات الاجتماعية. وتوصّل هؤلاء الباحثون إلى أن الهوية لا تتشكّل فقط مما نحن عليه كأفراد، بل أيضًا، وبصورة عميقة، من المجموعات التي ننتمي إليها. وتُعد منتخبات كرة القدم من أقوى هذه الفضاءات الجماعية.


 

نحن فزنا

حين يصبح الفريق "نحن" 


وفقًا لنظرية الهوية الاجتماعية، يستمد الأفراد جزءًا كبيرًا من مفهومهم لذواتهم وتقديرهم لأنفسهم من عضويتهم في مجموعات اجتماعية متنوعة. وحين تحقق مجموعة ينتمي إليها الفرد نجاحًا ما، فإن هذا النجاح يعزز الهوية الجماعية للمجموعة، مما يرفع بدوره تقدير الفرد لذاته.

وقد تجلّى هذا المبدأ تجريبيًا في واحدة من أكثر الدراسات تأثيرًا في علم النفس الاجتماعي، وهي دراسة "الاستحمام في المجد المنعكس" Basking in Reflected Glory، التي نشرها الباحث روبرت سيالديني وزملاؤه عام 1976.

فقد أثبتت الدراسة أن طلاب الجامعات يميلون بشكل أكبر إلى ارتداء شعار جامعتهم عقب فوز فريقها الرياضي، بما يعكس سعيهم الفطري إلى تقليص المسافة بينهم وبين المجموعة الناجحة.


بكاء مشجعة خلال نهائي كأس العالم لكرة القدم 2010 بين إسبانيا وهولندا- غيتي

 بكاء مشجعة خلال نهائي كأس العالم لكرة القدم 2010 بين إسبانيا وهولندا - غيتي

وأرسى هذا البحث مفهومَي BIRGing، أي الاستحمام في المجد المنعكس بعد الفوز، وCORFing، أي قطع الصلة بالفشل المنعكس بعد الخسارة. فقد وثّقت الدراسة كيف يتبنى المشجعون لغة الجماعة عبر استخدام ضمائر الجمع، مثل "نحن فزنا"، بعد الانتصارات، في حين يبتعدون بضمائر الغائب، مثل "هم خسروا"، بعد الهزائم. ويكشف ذلك عن دمج نفسي عميق يجعل من نجاح الفريق أو إخفاقه جزءًا لا يتجزأ من الهوية الذاتية للمشجع.

وتفسر هذه النظرية جانبًا من التعصب الرياضي الناتج عن العلاقة بين المشجع والفريق، وهي علاقة تقوم على مشاعر عميقة تنمو وتترسخ عبر السنين، وتستمد قوتها من مزيج من المحبة والولاء، ومن تكوين الجماعة وبناء هوية ذاتية تتشكّل عبر التماهي معها.


كرة القدم كمساحة سماح عاطفي


تشير الصور النمطية المتعلقة بالجنس والعاطفة إلى أن الرجال لا يبكون، بل لا ينبغي لهم ذلك. ومع ذلك، يبدو بكاء الرجال بارزًا بشكل خاص في سياقات مثل الرياضات التنافسية.

وتُعد كرة القدم واحدة من المساحات الثقافية النادرة التي تمنح الرجل رخصة اجتماعية للبكاء، حيث تتحول المباراة إلى منطقة أمان عاطفي، محمية من القوالب النمطية التي تربط الدموع بالضعف.

ففي هذا السياق الذي يُصنف ذكوريًا بامتياز، لا يُنظر إلى بكاء الرجل كفعل انكسار، بل يُفسر كدليل على الشغف العالي والإخلاص الفطري والقوة العاطفية في الانتماء، مما يتيح له تفريغ انفعالاته المكبوتة تحت غطاء الولاء للفريق.



وهذا ما أكدته دراسة بعنوان "المعتقدات حول العاطفة مرتبطة بالمعتقدات حول النوع الاجتماعي: حالة بكاء الرجال في الرياضات التنافسية"، نُشرت في مجلة "فرونتيرز إن سيكولوجي" عام 2019.

فقد أظهرت الدراسة، من خلال تجربتين، العلاقة بين القوالب النمطية للجنسين والقبول الاجتماعي لبكاء الرجال. ووجدت أن البكاء يُعد أكثر قبولًا وإيجابية عندما يصدر عن رجال في سياقات تُعتبر "ذكورية نمطية"، مثل الإطفاء ورفع الأثقال، مقارنة بسياقات تُعد "أنثوية نمطية"، مثل التمريض والتزلج الفني.

وأوضحت الدراسة أن تجسيد الرجل للمثل الثقافية المرتبطة بالذكورة والقوة يوفر له حماية من الآثار السلبية المرتبطة بانتهاك الصور النمطية، إذ يُنظر إلى بكائه في هذه البيئات كدليل على القوة العاطفية والمكانة العالية، لا على الضعف.

كما كشفت الدراسة أن الرجال أنفسهم يميلون إلى الإبلاغ عن احتمالية أكبر للبكاء في الأوساط المصنفة ذكورية، مما يوحي بوعيهم بالعواقب الاجتماعية المرتبطة بطبيعة السياق.


مشجع ألماني يواسي مشجعًا برازيليًا بعد مباراة ربع نهائي كأس العالم 2018 بين البرازيل وبلجيكا- غيتي

مشجع ألماني يواسي مشجعًا برازيليًا بعد مباراة ربع نهائي كأس العالم 2018 بين البرازيل وبلجيكا- غيتي  

دموع الفرح: تجربة بيولوجية فريدة


البكاء تعبير عاطفي يخدم هدفًا تنظيميًا ذاتيًا، من خلال تخفيف التوتر واستعادة التوازن النفسي، كما يؤدي دورًا اجتماعيًا يتمثل في استقطاب انتباه الآخرين وطلب مساعدتهم ودعمهم. ويمكن أن يكون البكاء أيضًا تعبيرًا عن مشاعر "معاكسة"، إذ يحدث أحيانًا في مواقف يشعر فيها الشخص بفرح عارم.

وتصف دراسة نُشرت في مجلة "فرونتيرز إن سيكولوجي" عام 2022 مشروعًا بحثيًا قوامه 24 مقابلة شبه منظمة، بحثت في ظاهرة دموع الفرح. وتُظهر الدراسة أن دموع الفرح ليست مجرد تعبير غير نمطي ناتج عن فرح فائق، وليست فقط محاولة من الجسد لتنظيم الفرح الزائد عبر إفراز مشاعر حزينة مضادة، بل هي تجربة عاطفية قائمة بذاتها، ذات وظيفة تكيّفية محددة.ط

تُذرف دموع الفرح في مواقف بالغة الأهمية في حياة الناس، لا سيما حين يشعرون بتواصل عميق مع الآخرين، أو في لحظات النجاح الشخصي. وحين يبكي مشجع لحظة تتويج منتخب بلاده، فهو لا يعبّر فقط عن فرح عابر، بل عن شيء يتصل بلبّ هويته وسبب وجوده الاجتماعي.


البيولوجيا العصبية للتشجيع


تُضاف إلى المعطيات السابقة أبحاث علم الأعصاب التي تكشف أن مشاهدة مباريات كرة القدم ترفع مستويات هرمون التوتر "الكورتيزول" إلى درجات تُقارن بمواقف الضغط الحقيقية في حياة الشخص.

وقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة "بلوس وان"، وأجراها باحثون في مختبر علم الأعصاب الاجتماعي المعرفي في جامعة فالنسيا، ارتفاع مستويات هرموني التستوستيرون والكورتيزول لدى مشجعي المنتخب الإسباني أثناء مشاهدتهم مباراة نهائي كأس العالم 2010، التي فازت فيها إسبانيا على هولندا.


ترفع مشاهدة مباريات كرة القدم مستويات هرمون التوتر "الكورتيزول"- غيتي

ترفع مشاهدة مباريات كرة القدم مستويات هرمون التوتر "الكورتيزول" - غيتي

وحين تُنظَّم الانفعالات وتُعدَّل بشكل صحيح، فإنها تحسّن التفاعل الاجتماعي وتعزز الرفاهية الفردية. من هنا يأتي دور البكاء بوصفه صمّام أمان بيولوجيًا يفرّغ الشحنة العاطفية المتراكمة على مدى تسعين دقيقة من التوتر والأمل والخوف.


الفوارق الثقافية في التعبير العاطفي


تتباين قواعد التعبير العاطفي بين الثقافات المختلفة، وهي قواعد يتعلمها الأفراد عبر عملية التنشئة الاجتماعية. وتوجّه هذه القواعد التعبير العاطفي بناءً على مدى قبوله أو رفضه داخل ثقافة معينة، كما تحدد كيف ومتى ينبغي للشخص أن يعبّر عن مشاعره.

وهذا يفسر، إلى حدّ ما، تفاوت درجات البكاء العلني بين جماهير الدول المختلفة. ففي بعض الثقافات، قد يكون التعبير الفردي عن الحزن أو الفرح أكثر قبولًا، بينما تفرض ثقافات أخرى قيودًا أشد على إظهار الانفعال في الفضاء العام. لكن ما يجمع هذه الحالات كلها أن الملعب يمثل فضاءً استثنائيًا تتراجع فيه كثير من القواعد المعتادة.

تشكل هذه المعطيات العلمية والنفسية والاجتماعية صورة أكثر عمقًا وإنسانية لظاهرة البكاء المرتبطة بمباريات كرة القدم.

لا يبكي المشجع على مباراة فقط، ولا على أحد عشر لاعبًا لا يعرفهم شخصيًا، بل يبكي على الهوية التي يجسدها المنتخب، وعلى المجتمع الذي يشعر بأنه ينتمي إليه حين يجلس أمام الشاشة أو يقف في المدرج.
الدموع إثبات على أن البشر كائنات اجتماعية في صميمها؛ تجد في الانتماء معنى، وفي الجماعة حصنًا، وفي الرياضة مرآة صادقة تعكس ما نحن عليه في لحظاتنا الأكثر صدقًا وعفوية.
ملاذا نبكي من أجل منتخب.png
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من