أظهرت دراسة حديثة أن سطوع الأرض يزداد عامًا بعد عام، إلا أن موقع هذا التزايد وشدته أصبحا أكثر تقلبًا بسبب جائحة كوفيد-19، واللوائح المتعلقة بالتلوث الضوئي، وتراجع الاقتصاد العالمي.
ووفق صحيفة "الغارديان"، فقد درس باحثون ممولون من وكالة "ناسا" في جامعة كونيتيكت (UConn) أكثر من 1.1 مليون صورة التقطتها الأقمار الصناعية على مدى تسع سنوات، وخلصوا إلى أن الإضاءة الاصطناعية على كوكب الأرض زادت بنسبة صافية بلغت 16% بين عامَي 2014 و2022.
وتتوافق هذه النتيجة مع دراسة أجريت عام 2017، وجدت أن المناطق الخارجية المضاءة اصطناعيًا على الأرض نمت بنسبة 2% سنويًا خلال السنوات الخمس السابقة، وأن تلوث الضوء قد طغى على الظلام في كل مكان تقريبًا.
ازدياد الإشعاع العالمي
ويكمن الاختلاف في الدراسة الأخيرة، التي نُشرت هذا الشهر في مجلة "نايتشر" بعد مراجعتها من قبل متخصصين، في اكتشاف أن بعض أجزاء الكوكب أصبحت أقل سطوعًا، مما ساهم في الحد من الزيادة الإجمالية في الإشعاع العالمي بنسبة 34%.
وقال الباحثون إن أوروبا شهدت انخفاضًا ملحوظًا في الإضاءة الليلية نتيجة للوائح كفاءة الطاقة، بينما فقدت فنزويلا أكثر من 26% من إضاءتها الليلية بسبب الانهيار الاقتصادي.
وبشكل عام، كان للإغلاقات، وتباطؤ النشاط الصناعي، وانخفاض السياحة الناجم عن جائحة كورونا، تأثيرٌ في العديد من المناطق خلال السنوات الأولى من العقد؛ ومؤخرًا، تركت الحرب الأوكرانية الروسية "بصمات واضحة" في تلك المنطقة.
آسيا الأكثر إشعاعًا
وكما هو متوقع، استمرت آسيا في صدارة المناطق من حيث زيادة الإضاءة.
وقال تشي تشو، المؤلف المشارك بالدراسة ومدير مختبر الاستشعار عن بُعد البيئي العالمي بجامعة كونيتيكت، في تقرير نُشر على موقع "ناسا" الإلكتروني: "إن ما تكشفه الأقمار الصناعية الآن عن ليالينا ليس سردًا بسيطًا للتقدم أو التراجع".
وأضاف: "إنها صورة ديناميكية لنوع يُعيد تشكيل بيئته في الوقت الفعلي، يبني، ويدمر، ويحافظ، وينهار، وغالبًا ما يحدث كل ذلك في آن واحد. العالم لا يزداد إشراقًا فحسب، بل يتذبذب".
قام تشو وفريقه بتحليل صور الأقمار الصناعية بدقة 1.16 مليون بكسل، مُزيلين التشويش الناتج عن ضوء القمر والغيوم والتأثيرات الجوية، ما أتاح لهم اتباع نهج وصفه بأنه أشبه باستخدام نظارات ذكية لرصد التغيرات الحقيقية في الإضاءة الليلية.
وصف تشو التجربة بأنها "كأنها مشاهدة نبضات قلب الكوكب".
رصد الإضاءة الليلية طيلة 9 سنوات
أمضى فريق تشو، بقيادة الباحث الرئيسي تيان لي، شهورًا في دراسة الصور الملتقطة يوميًا عند قرابة الساعة 1:30 صباحًا بالتوقيت المحلي، طوال فترة الدراسة التي امتدت تسع سنوات.
تلك الصور التقطتها مجموعة أجهزة قياس الإشعاع المرئي والأشعة تحت الحمراء التابعة لوكالة "ناسا". ويمكن ملاحظة ازدياد السطوع وتناقصه في عدد من الرسوم البيانية التي نشرتها وكالة الفضاء على الإنترنت.
وذكر التقرير أن مدن الساحل الغربي للولايات المتحدة ازدادت سطوعًا مع ازدياد عدد سكانها، بينما شهدت معظم مناطق الساحل الشرقي انخفاضًا في الإضاءة، وهو ما عزاه الباحثون إلى زيادة استخدام مصابيح LED الموفرة للطاقة وإعادة الهيكلة الاقتصادية الأوسع نطاقًا.
وقالت الدراسة إن الإضاءة الليلية "ازدادت بشكل كبير" في الصين وشمال الهند بالتزامن مع التطور الحضري، في حين تزامنت تدابير ترشيد الطاقة مع انخفاض التلوث الضوئي في باريس وفي جميع أنحاء فرنسا، التي شهدت انخفاضًا بنسبة 33%.
نور أوروبا يخفت
وشهدت المملكة المتحدة وهولندا انخفاضًا في الإضاءة بنسبة 22% و21% على التوالي، كما شهدت ليالي أوروبا انخفاضًا حادًا في الإضاءة عام 2022 خلال أزمة طاقة إقليمية أعقبت اندلاع الصراع الروسي الأوكراني، وفقًا لما ذكره الباحثون.
وكشفت الدراسة أيضًا عن حجم عمليات حرق الغاز التي تقوم بها شركات الطاقة الأميركية خلال فترة بلغ فيها الإنتاج المحلي من النفط والغاز الطبيعي مستويات قياسية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية دورات من حرق الغاز المكثف، أو ما يُعرف بالحرق، فوق مناطق وسط الولايات المتحدة، ولا سيما حوض بيرميان في تكساس وتكوين باكن في داكوتا الشمالية، بحسب وكالة "ناسا".
وقالت ديبورا جوردون، كبيرة مسؤولي برنامج معلومات المناخ في معهد روكي ماونتن، للوكالة: "إن إطلاع المشغلين والمستثمرين وشركات التأمين على ما يحدث يُعدّ قيمة هائلة، سواء على الصعيد الخاص أو العام، للعالم أجمع.
وأضافت: "إن فهم أماكن هدر الغاز حول العالم، ونشر هذه البيانات للعموم، أمر بالغ الأهمية لأمن الطاقة والاقتصاد والبيئة".