الأربعاء 19 أغسطس / أغسطس 2026
Close

درجة الحرارة أم الرطوبة.. لماذا تبدو بعض الأيام أشد حرارة؟

درجة الحرارة أم الرطوبة.. لماذا تبدو بعض الأيام أشد حرارة؟ محدث 05 أغسطس 2026

شارك القصة

يستطيع الجسم أن يتأقلم تدريجيًا مع الحرارة عند التعرض المتكرر لها - غيتي
يستطيع الجسم أن يتأقلم تدريجيًا مع الحرارة عند التعرض المتكرر لها - غيتي
يستطيع الجسم أن يتأقلم تدريجيًا مع الحرارة عند التعرض المتكرر لها - غيتي
الخط
لا تقيس درجة الحرارة التي تظهر في نشرات الطقس سوى حرارة الهواء وفق شروط محددة. أما إحساس الإنسان بالحرارة فيتأثر بعدة عوامل.

تفتح تطبيق الطقس فتجد درجة الحرارة 32 مئوية، مع أنك كنت واثقًا من أن اليوم أشد وطأة من يوم سابق بلغت فيه الحرارة 35 درجة. الهواء ثقيل، والملابس تلتصق بالجسم، وأبسط حركة تبدو كأنها تحتاج إلى مجهود مضاعف. فهل أخطأ ميزان الحرارة، أم أن الرقم الذي نتابعه لا يروي الحكاية كاملة؟

لا تقيس درجة الحرارة التي تظهر في نشرات الطقس سوى حرارة الهواء وفق شروط محددة. أما إحساس الإنسان بالحرارة، فيتأثر أيضًا بالرطوبة وحركة الهواء والتعرض لأشعة الشمس والملابس والنشاط البدني، إلى جانب قدرة الجسم نفسه على التخلص من الحرارة.

لهذا قد يبدو يوم رطب أشد إزعاجًا من يوم أعلى حرارة لكنه جاف، فيما قد تكون الحرارة الجافة خطرة بدورها حتى عندما لا تمنحنا الشعور الخانق نفسه. فالمسألة ليست اختيارًا بين درجة الحرارة والرطوبة، وإنما نتيجة تفاعل عدة عوامل تحدد مقدار العبء الذي يتعرض له الجسم.

يحاول جسم الإنسان الحفاظ على حرارته الداخلية ضمن نطاق ضيق، حتى عندما تتغير الظروف المحيطة به. وعندما يكتسب الجسم حرارة من الجو أو ينتجها خلال الحركة، يبدأ بتبديدها عبر الجلد والدورة الدموية والتعرق.

وتزداد المهمة صعوبة عندما تجتمع حرارة الهواء المرتفعة مع الرطوبة العالية وضعف حركة الهواء والتعرض المباشر للشمس.

درجة الحرارة أم الرطوبة.. لماذا تبدو بعض الأيام أشد حرارة
حسابات الشخص الأساسية تفترض وجوده في الظل مع حركة هواء خفيفة- غيتي
قد يبدو يوم رطب أشد إزعاجًا من يوم أعلى حرارة لكنه جاف - غيتي

ففي هذه الظروف، يكتسب الجسم مزيدًا من الحرارة، بينما تتراجع قدرته على التخلص منها. كما يمكن للملابس الثقيلة أو غير القابلة للتهوية والنشاط البدني أن يضيفا عبئًا حراريًا جديدًا.

وهذا ما يفسر اختلاف الإحساس بيومين يحملان درجة الحرارة نفسها. فقد يكون أحدهما جافًا مع نسيم خفيف، بينما يكون الآخر رطبًا وساكن الهواء، فتبدو التجربة مختلفة تمامًا رغم تطابق الرقم الظاهر على الشاشة.

العرق لا يبرد الجسم وحده

عندما ترتفع حرارة الجسم، تفرز الغدد العرقية الماء على سطح الجلد. لكن وجود العرق بحد ذاته لا يكفي للتبريد. تحدث الفائدة الأساسية عندما يتبخر هذا الماء، إذ تسحب عملية التبخر جزءًا من حرارة الجلد.

وفي الطقس الجاف، يتبخر العرق بسرعة نسبيًا، ولذلك قد نشعر بتحسن عند هبوب النسيم أو الوقوف أمام مروحة. أما عندما تكون الرطوبة مرتفعة، فيتباطأ التبخر، ويبقى العرق على الجلد أو يتجمع في الملابس من دون أن يؤدي مهمته بالكفاءة نفسها.

يواصل الجسم في هذه الحالة إنتاج العرق محاولًا خفض حرارته، لكنه يفقد الماء والأملاح بينما يحتفظ بجزء أكبر من الحرارة. ومن هنا يأتي الإحساس باللزوجة والثقل والتعب الذي يميز الأيام الرطبة، حتى عندما لا تسجل درجات الحرارة أرقامًا استثنائية.

أما في الأجواء الحارة والجافة، فقد يتبخر العرق بسرعة إلى درجة لا يلاحظ معها الشخص مقدار ما يفقده من السوائل. لذلك لا يعني غياب الملابس المبللة بالعرق أن الجسم لا يتعرض للجفاف أو للإجهاد الحراري.

لماذا لا تكفي نسبة الرطوبة؟

تعبّر النسبة التي نراها في تطبيقات الطقس عادة عن "الرطوبة النسبية"، أي مقدار بخار الماء الموجود في الهواء مقارنة بالمقدار اللازم لوصوله إلى التشبع عند درجة الحرارة نفسها.

وتعتمد هذه النسبة على حرارة الهواء بقدر اعتمادها على كمية بخار الماء. لذلك قد تسجل الرطوبة 90% في صباح بارد من دون أن يبدو الجو خانقًا، بينما تكون نسبة أقل بكثير مزعجة في ظهيرة حارة. انخفاض النسبة مع ارتفاع الحرارة لا يعني بالضرورة أن كمية بخار الماء تراجعت، فقد يكون الهواء أصبح أبعد عن التشبع فقط بسبب ارتفاع حرارته. 

درجة الحرارة المحسوسة في الصيف
في الأجواء الحارة، يستخدم عادة "مؤشر الحرارة" الذي يجمع بين درجة حرارة الهواء والرطوبة النسبية- غيتي
تعبّر النسبة التي نراها في تطبيقات الطقس عادة عن "الرطوبة النسبية" - غيتي

لهذا يستخدم خبراء الطقس مقياسًا آخر يسمى "نقطة الندى"، وهي درجة الحرارة التي يجب أن يبرد إليها الهواء حتى يصل إلى التشبع ويبدأ بخار الماء بالتكثف. كلما ارتفعت نقطة الندى، دل ذلك على وجود كمية أكبر من بخار الماء في الهواء، وزاد احتمال الشعور بالرطوبة واللزوجة. 

وتكون نقطة الندى، في كثير من الحالات، أوضح من الرطوبة النسبية عند مقارنة مدى رطوبة أيام مختلفة. فهي لا تتغير لمجرد ارتفاع حرارة الهواء خلال ساعات النهار بالطريقة التي تتغير بها الرطوبة النسبية.

ما المقصود بالحرارة المحسوسة؟

تحاول "درجة الحرارة المحسوسة" التعبير عن تأثير الظروف الجوية في جسم الإنسان بدل الاكتفاء بقياس حرارة الهواء. وفي الأجواء الحارة، يستخدم عادة "مؤشر الحرارة" الذي يجمع بين درجة حرارة الهواء والرطوبة النسبية لتقدير مقدار الحر الذي يشعر به الإنسان.

وعندما تكون الرطوبة منخفضة، قد تكون الحرارة المحسوسة قريبة من الدرجة المسجلة. ومع ارتفاع الرطوبة، يمكن أن تصبح أعلى بوضوح، لأن تبخر العرق يتباطأ وتتراجع قدرة الجسم على تبريد نفسه. 

لكن هذا المؤشر لا يصف جميع الظروف المحيطة بالشخص. فحساباته الأساسية تفترض وجوده في الظل مع حركة هواء خفيفة. أما الوقوف تحت الشمس، فيضيف حرارة ناتجة من الإشعاع الشمسي لا تظهر كاملة في درجة حرارة الهواء. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الحرارة التي يشعر بها الإنسان تحت الشمس قد تكون أعلى بنحو 10 إلى 15 درجة مئوية من الحرارة المسجلة في الظل. 

وتؤثر أيضًا طبيعة المكان المحيط. فالأسفلت والخرسانة والمباني تختزن الحرارة وتعيد إطلاقها، فيما تقلل الأشجار والمساحات الخضراء والظل المباشر مقدار الإشعاع الذي يصل إلى الجسم. لذلك قد تبدو ساحة مكشوفة أو شارع مزدحم أشد حرارة من حديقة قريبة، رغم وقوعهما ضمن المنطقة الجوية نفسها.

لماذا لا يشعر الجميع بالحر بالطريقة نفسها؟

قد يقف شخصان في المكان نفسه، فيصف أحدهما الطقس بأنه محتمل بينما يشعر الآخر بالدوار والإرهاق. تختلف قدرة الجسم على تنظيم حرارته باختلاف العمر والحالة الصحية واللياقة ودرجة الاعتياد على الطقس الحار، إضافة إلى طبيعة النشاط والملابس ومدة التعرض.

ويكون كبار السن والأطفال والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة أكثر عرضة لمضاعفات الحر. كما يواجه العاملون في الخارج والرياضيون ومن يرتدون معدات واقية عبئًا إضافيًا، لأن أجسامهم تنتج حرارة أثناء الحركة، بينما تحد الملابس أو المعدات من التخلص منها. 

يساعد شرب الماء بانتظام في الصيف في حماية الشخص
يساعد شرب الماء بانتظام في الصيف في حماية الشخص- غيتي
يكون كبار السن والأطفال والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة أكثر عرضة لمضاعفات الحر - غيتي

يستطيع الجسم أن يتأقلم تدريجيًا مع الحرارة عند التعرض المتكرر لها. يصبح التعرق أكثر كفاءة، ويبدأ في وقت أبكر، ويتحسن تدفق الدم إلى الجلد، وقد ينخفض فقدان الأملاح مع العرق. لكن هذا التأقلم يحتاج إلى زيادة تدريجية في مدة التعرض أو شدة النشاط، ولا يجعل الإنسان محصنًا من الإجهاد الحراري. 

متى تصبح الحرارة أكثر من مجرد إزعاج؟

قد تبدأ علامات الإجهاد الحراري بتعرق غزير وصداع ودوار وغثيان وتعب شديد وتشنجات عضلية أو ضعف عام.

يحتاج الشخص عند ظهور هذه العلامات إلى التوقف عن النشاط والانتقال إلى مكان أبرد وتخفيف الملابس وتبريد الجسم وشرب الماء على دفعات، ما دام واعيًا وقادرًا على الشرب. 

أما الارتباك أو اضطراب الكلام أو السلوك أو الإغماء أو الارتفاع الشديد في حرارة الجسم، فقد تشير إلى ضربة حرارة، وهي حالة طبية طارئة تستدعي طلب المساعدة فورًا والبدء بتبريد الشخص.

ولا ينفي استمرار التعرق احتمال الإصابة، إذ يمكن أن يكون جلد المصاب بضربة الحرارة جافًا أو رطبًا. 

ويساعد شرب الماء بانتظام، وتخفيف النشاط في الساعات الأشد حرارة، واللجوء إلى الظل أو الأماكن المبردة، وارتداء الملابس الخفيفة والفضفاضة، على الحد من العبء الحراري. كما ينبغي عدم ترك الأطفال أو كبار السن أو الحيوانات داخل السيارات المغلقة، حتى لفترات قصيرة. (World Health Organization)

في النهاية، لا يخطئ ميزان الحرارة عندما يخبرنا أن الجو يبلغ 32 درجة، لكنه يقيس حرارة الهواء لا التجربة الكاملة التي يعيشها الجسم.

وبين الرقم المسجل والإحساس الحقيقي تقف الرطوبة والشمس والرياح والحركة وقدرة العرق على التبخر. لذلك لا يكون السؤال الأهم في أيام الصيف "كم تبلغ درجة الحرارة؟"، وإنما "كيف ستتفاعل هذه الظروف كلها مع قدرة أجسامنا على الاحتمال؟"

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من