دعوات لإنشاء متحف وطني.. بنغازي الليبية تعرض آثارها المستردّة
دشنت مراقبة آثار بنغازي في شمال شرقي ليبيا صالة عرض جديدة للمقتنيات الأثرية المستردة في مبنى "القشلة التركية" التاريخي، في خطوة قال المسؤولون إنها تسعى لبناء جسور الثقة بين الأجهزة الأثرية والمواطنين وصون التراث الثقافي.
الصالة عبارة عن ركن في أحد ممرات مراقبة آثار بنغازي، حيث تم وضع بضعة تماثيل على ألواح خشبية وباقي الآثار على الأرض، متضمنة قطعًا تعود لحقب مختلفة من الجرار الفخارية والعملات المعدنية.
وعلى فترات متباعدة، يقدم بعض المواطنين على تسليم قطع أثرية يجدونها بطريق الصدفة أثناء زراعة الأرض أو إنشاء المباني إلى الجهات الأثرية المعنية، كما تضبط الأجهزة الأمنية بعض القطع الأثرية أثناء أداء مهامها الدورية.
معرض للقطع المستردّة
وقالت سيدة السرواي، رئيسة قسم المتاحف والمخازن الأثرية بمراقبة آثار بنغازي، إن افتتاح صالة عرض للقطع المستردة هو محاولة لزرع الثقة بين المتاحف والمواطن، للمساهمة في تحقيق مزيد من التسليمات.
وتابعت: "تسليمات من الجهات الأمنية أو من المواطنين الذين يحتفظون ببعض القطع للزينة في منازلهم، بينما نعتبرها نحن قيمة أثرية وعلمية هامة للدارسين في هذا المجال".
وتضم المعروضات خمس قطع رئيسية، في حين توجد آلاف القطع الأخرى داخل المخازن، بعد أن جرى تسجيلها وتوثيقها تمهيدًا لعرضها في متحف خاص مستقبلًا، بالإضافة إلى مجموعات من العملات الأثرية التي يتجاوز عددها 500 قطعة.
وقالت السرواي: "بدأنا فعليًا في دراسة القطع التي تم تسليمها، والتي يعود تاريخها إلى القرنين الأول والثاني الميلادي، وهي فترة الازدهار الروماني في مجال النحت".
وأضافت: "نملك بعض القطع الجنائزية التي كانت توضع مع الموتى وتعود للقرن الثالث الميلادي، وهو نمط يمتاز به إقليم قورينا (كورينايز)، حيث يحدد نوع التربة مكان استخراج هذه القطع".
دعوات لإنشاء متحف
ويأتي المعرض رسالة غير مباشرة للدولة للالتفات إلى هذا القطاع، خاصة في ظل حركة الإعمار الواسعة التي تشهدها البلاد حاليًا، وسط دعوات لإنشاء متحف أو صالة عرض لاستقبال السائحين، حيث لا تزال ليبيا تفتقر إلى صناعة السياحة.
وأوضحت السراوي، أن هناك مجموعة من القطع في الخارج، منها ما أبدت الولايات المتحدة استعدادها لتسليمه إلى ليبيا، "لكننا لا نملك مكانًا لائقًا لوضعها وسيكون مصيرها التخزين.. بالتالي يظل وجودها في الخارج حاليًا أفضل".
وقال الباحث ماهر الجزيري، إن الرؤوس الأثرية المعروضة تنتمي إلى تقاليد الفن الجنائزي في العصر الروماني المتأخر أو الحقبة الهلنستية، حيث استُخدمت لتزيين المقابر والمعابد بمدن شمال إفريقيا مثل قورينا، ولبدة الكبرى، وصبراتة.
وأضاف أن المواد المستخدمة تشمل الرخام الأبيض والحجر الجيري، وهي خامات شائعة في الورش الرومانية الليبية.
وكانت ليبيا إحدى المقاطعات الرئيسية للإمبراطورية الرومانية، وتضم آثارًا ساحلية خلابة، وتزخر بمواقع أثرية عديدة، كما كانت متاحفها تضم مجموعة متنوعة من الكنوز القديمة، إلا أن متاحف ومواقع أثرية كثيرة تعرضت بعد ثورة 2011 للنهب.
وقال الجزيري: "هذه القطع الجنائزية كانت تثبت على ألواح أو نصب تذكارية كرمز للخلود والجمال الأبدي"، مشيرًا إلى أن إيداع هذه القطع لدى مراقبة آثار بنغازي من قبل أحد المواطنين هي خطوة تعكس وعيًا مجتمعيًا متزايدًا.
وأكد على ضرورة إنشاء متحف متكامل وحديث في بنغازي لصون التراث وإعادة تأهيل البنية الثقافية للمدينة.
وشهدت صالة العرض إقبالًا من سكان المدينة الذين أبدوا اندهاشهم من حجم المقتنيات الأثرية المكتشفة محليًا.
وقال محمد علي، من مدينة بنغازي بعد زيارته لصالة العرض: "تفاجأت بكمية القطع الأثرية والتاريخية الموجودة هنا، كنت أعتقد أن الآثار تقتصر على مدينة شحات فقط، لكن حجم وتنوع القطع التي رأيتها هنا يجعلك تفتخر بتاريخنا الأثري".