الثلاثاء 10 شباط / فبراير 2026
Close

دماء وعرق وقطار.. حقائق مروّعة عن قناة بنما بعد 111 عامًا على افتتاحها

دماء وعرق وقطار.. حقائق مروّعة عن قناة بنما بعد 111 عامًا على افتتاحها محدث 15 آب 2025

شارك القصة

تُوفي حوالي 22 ألف عامل أثناء عملية بناء قناة بنما
تُوفي حوالي 22 ألف عامل أثناء عملية بناء قناة بنما - غيتي
الخط
كلّفت عملية بناء قناة بنما خسائر بشرية ومبالغ طائلة منذ بداية البناء عام 1880 وحتى افتتاحها في 15 اغسطس/ آب 1914.

كان بناء قناة بنما أحد أعظم مشاريع الهندسة المدنية في التاريخ. ورغم الخسائر البشرية والمبالغ الطائلة التي أنفقت على عملية التشييد منذ عام 1880 وحتى افتتاحها في 15 أغسطس/ آب 1914، فإنها حققت فوائد هائلة للتجارة العالمية والازدهار الاقتصادي، حيث يمر عبرها نحو 14 ألف سفينة سنويًا.

ويمتد تاريخ هذه القناة منذ اكتشاف موقعها في أوائل ثلاثينيات القرن السادس عشر على يد المستعمرين الإسبان، مرورًا بمراحل بنائها تحت الإدارة الفرنسية ثم الأميركية، وصولًا إلى عودتها إلى السيادة البنمية، وانتهاءً بتهديدات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بإعادة السيطرة عليها

محاولات الاستعمار الأولى لبنما

في عام 1501، نزل المستكشفون الإسبان لأول مرة على ساحل بنما الكاريبي، التي كانت موطنًا لقبائل متعدّدة، منها شعوب شيبشان وتشوكوان وكويفا، بعد أن سكنها صيادون مهاجرون قدموا من الشمال في عصور ما قبل التاريخ.

وكان رودريغو دي غالفان باستيداس أول أوروبي يصل إلى بنما عام 1501، وتبعه كريستوفر كولومبوس في العام التالي. وفي عام 1509، منح الملك فرناندو الخامس ملك إسبانيا امتيازات لاستيطان بنما.

إلا أن المحاولات الأولى للاستعمار أُحبطت بسبب غرق السفن والأمراض وعداء السكان الأصليين. لكن في عام 1511، أسّس الإسباني فاسكو نونيز دي بالبوا أول مستوطنة مستقرة فيما يُعرف اليوم ببنما.

وبعد عامين، بدأ دي بالبوا بالتنقيب عن الذهب، فقاد مجموعته إلى ساحل المحيط الهادئ، ليكتشف أن بنما محاطة بالبحر الكاريبي (المحيط الأطلسي) من جهة والمحيط الهادئ من جهة أخرى.

غير أن هذه التصريحات أدت إلى اتهامه بالخيانة، فأُعدم بقطع رأسه عام 1519، قبل أن يتأكد لاحقًا أن بنما شريط ضيق من اليابسة بين محيطين كبيرين.

وفي عام 1534، أمر الملك الإسباني تشارلز الأول حاكم بنما بدراسة إمكانية إنشاء ممر مائي يربط بين السواحل. كانت الفكرة منطقية، إذ كان السفر من الأطلسي إلى الهادئ يتطلب الإبحار حول رأس أميركا الجنوبية، وهي رحلة طويلة وخطرة للغاية.

إنشاء خط سكك حديدية

اقترحت الخطة الإسبانية شق قناة عبر نهر تشاغريس، قريبًا من المسار الذي ستسلكه قناة بنما لاحقًا، إلا أن الحاكم أبلغ الملك باستحالة تنفيذ المشروع في القرن السادس عشر.

ومع منتصف القرن التاسع عشر، ومع اندلاع "حمى الذهب" في كاليفورنيا عام 1848، بدأت الولايات المتحدة تفكر جديًا في إنشاء قناة تربط بين المحيطين. وكان السفر من الساحل الشرقي الأميركي يتطلب الإبحار جنوبًا إلى تشاغريس، ثم الانتقال برًا إلى ساحل المحيط الهادئ، قبل متابعة الرحلة بحرًا شمالًا إلى كاليفورنيا.

عبر أول قطار جزيرة بنما عام 1855
عبر أول قطار جزيرة بنما عام 1855- غيتي

كانت هذه الرحلة تغطي نحو 9656 كيلومترًا في 35 يومًا، فيما شكّل الجزء البري منها خطر التعرض للأمراض أو هجمات قطاع الطرق. أما البديل، فكان الإبحار حول كيب هورن لمسافة تتجاوز 20 ألف كيلومتر في رحلة قد تمتد إلى ثمانية أشهر.

وفي تلك المرحلة، لم تحاول الولايات المتحدة شق ممر مائي، بل شرعت عام 1850 في بناء خط سكة حديد، عبر عليه أول قطار الجزيرة عام 1855.

فشل فرنسي ومشاكل مستعصية

كان الفرنسيون، لا الأميركيون، أول من حاول جديًا بناء قناة عبر بنما. ومنحت الحكومة الكولومبية – التي كانت تسيطر على بنما آنذاك – امتياز المشروع للفرنسيين عام 1880، بقيادة الكونت فرديناند دي ليسبس، الذي اشتهر بإنجاز قناة السويس.

ورغم الاختلاف الشاسع بين تضاريس بنما الجبلية ومصر الصحراوية، قرر دي ليسبس اتباع أسلوب قناة السويس، أي قناة على مستوى سطح البحر بدلًا من قناة بأهوسة لعبور الأراضي المرتفعة.

ورغم أنّ هذا القرار كان مخيبًا للآمال، بدأ العمل في المشروع الفرنسي عام 1881 بقيادة دي ليسبس الذي لم يقم سوى بزيارتين إلى بنما.

واجه المشروع مشكلات كارثية؛ فالأمطار الغزيرة تسببت في انهيارات أرضية متكررة، ما أدى إلى توقف أعمال الحفر اليدوية الشاقّة لأيام وأسابيع. كما أدت أمراض الزحار والملاريا والحمى الصفراء إلى وفاة نحو 20 ألف عامل.

ومع بطء التقدم وتضخم النفقات وخروجها عن السيطرة، انهارت المحاولة الفرنسية عام 1888، وأُدين دي ليسبس بسوء الإدارة، لكنه توفي عام 1894 من دون أن يقضي عقوبته.

التدخّل الأميركي

بعد فشل الفرنسيين، تدخلت الولايات المتحدة. لكنّ المشكلة الأولى التي واجهها الأميركيون تمثّلت في السياسة.

ففي عام 1902، اشترى الرئيس الأميركي تيدي روزفلت الموقع الفرنسي غير المكتمل مقابل 40 مليون دولار، لكن كولومبيا التي كانت تسيطر على بنما، رفضت السماح بمتابعة المشروع. وردًا على ذلك، دعمت واشنطن استقلال بنما في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1903، لتوقّع الأخيرة اتفاقية تمنح الولايات المتحدة حق ملكية منطقة القناة، مقابل 10 ملايين دولار ودفعة سنوية قدرها 250 ألف دولار بدءًا من عام 1913.

تولّى المهندس جون والاس قيادة المشروع عام 1904، لكنه استقال بعد عام بسبب المشكلات الصحية ونقص المعدات والعمالة. وحينها جاء المهندس جون ستيفنز، الذي غيّر الخطة إلى قناة بأهوسة، وجنّد عمالًا من جزر الكاريبي، فيما أطلق كبير مسؤولي الصحة ويليام جورجاس حملة ناجحة لمكافحة البعوض.

ورغم ذلك، استمرت الحوادث القاتلة، ومنها مقتل 23 شخصًا عام 1908 في انفجار ديناميت، ليرتفع إجمالي وفيات الأميركيين أثناء البناء إلى نحو 6 آلاف شخص. وقدّر المؤرخ ماثيو باركر في كتابه حمى بنما (2007) أن القناة أودت بحياة 500 شخص عن كل ميل مُنجز.

"كوليبرا كت".. الجزء الأصعب في البناء

كان أصعب جزء من المشروع هو حفر "كوليبرا كت" الممتد تسعة أميال عبر الجبال. ومع تولي المقدم جورج واشنطن غوثالز الإشراف، فرض نظامًا صارمًا أنهى الإضرابات وحسّن ظروف العمل.

عمل نحو 6 آلاف عامل على مدار الساعة وسط خطر الانهيارات الأرضية والاستخدام المكثف للمتفجرات لفتح الطريق. وفُجّرت مساحات شاسعة من الأرض بالديناميت، وحُمِّلت الأنقاض الناتجة على عربات السكك الحديدية. أما الكميات الهائلة من الصخور والأتربة، فقد أُلقيت إما في الأدغال أو استُخدمت لإنشاء أراض جديدة على طول ساحل المحيط الهادئ.

وفي مايو/ أيار 1913، التقت مجرفتان بخاريتان في وسط المجرى، ليكتمل المشروع بعد عشر سنوات من العمل الأميركي.

استخرجت خلال البناء 185 مليون متر مكعب من الصخور والأتربة، وصُبّ 3.4 مليون متر مكعب من الخرسانة لبناء الأهوسة، وفُجّر 60 مليون رطل من الديناميت. وافتتحت القناة رسميًا في أغسطس/ آب 1914.

عودة إدارة القناة للسلطات البنمية

استمر العمل في القناة 34 عامًا، وبموجب معاهدة هاي-بونو فاريا (1903) منحت بنما حق إدارتها للولايات المتحدة إلى أجل غير مسمى، ما أثار معارضة داخلية متزايدة.

وفي 1977، وقّع الرئيس الأميركي جيمي كارتر مع الزعيم البنمي عمر توريخوس معاهدة تضمن انتقال إدارة القناة إلى بنما وحيادها الدائم. ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في 31 ديسمبر/ كانون الأول 1999.

محاولات ترمب ضمّ القناة

بعد مرور 111 عامًا على افتتاح القناة، هدّد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، عقب فوزه بولاية ثانية أواخر 2024، بإعادة السيطرة الأميركية عليها، ملمّحًا إلى النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة.

لكن الرئيس البنمي خوسيه راول مولينو أكد بحزم أن القناة ستبقى تحت الإدارة الكاملة لبنما. وفي مارس/ آذار الماضي، استحوذ كونسورتيوم أميركي على موانئ في قناة بنما تابعة لشركة "سي كاي هاتشيسون القابضة".

مهما تعاقبت الأزمات السياسية أو تبدّلت القوى الدولية، تبقى قناة بنما شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، وواحدة من أعظم منجزات الهندسة البشرية في القرن العشرين. فبينما تحمل مياهها ذكريات آلاف العمال الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لشقّها، ما زالت حتى اليوم تختصر المسافات وتربط القارات، شاهدةً على قصة من العرق والدماء والإرادة التي غيّرت وجه الملاحة البحرية إلى الأبد.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي / ترجمات