أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الخميس، أنه سيعترف بدولة فلسطينية في سبتمبر/ أيلول المقبل، مما أثار غضب إسرائيل والولايات المتحدة وفتح الباب أمام احتمال أن تحذو دول كبرى أخرى حذو باريس.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، إن قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاعتراف بدولة فلسطين "لا وزن له" و"لا يغيّر شيئًا"، وفق تعبيره.
الاعتراف بفلسطين
وجاء إعلان ماكرون، مدفوعًا بزيادة الغضب العالمي بشأن المجاعة والدمار في غزة الناجمين عن حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ 21 شهرًا وخلّفت أكثر من 58 ألف شهيد، وعن سعي دول أخرى للاعتراف بدولة فلسطينية.
ومع استمرار الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، زاد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية ودعم حصولها على عضوية كاملة بالأمم.
وفي مايو 2024، اتّخذت هذه الخطوة كل من أيرلندا والنرويج وإسبانيا، وكذلك سلوفينيا.
لكن فرنسا ستكون القوة الأوروبية الأكثر أهمية التي تعترف بالدولة الفلسطينية، وهي خطوة قاومتها الولايات المتحدة لفترة طويلة، لكن مؤيديها يعتبرون أنها ضرورية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
ومن شأن هذه الخطوة أن تجعل فرنسا أول عضو دائم في مجلس الأمن الدولي يعترف بدولة فلسطين.
ما أهمية القرار؟
لقد نشر ماكرون رسالة بعث بها إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس يؤكد فيها عزم فرنسا على المضي قدمًا نحو الاعتراف بدولة فلسطينية والعمل على إقناع شركاء آخرين بأن يحذو حذوها.
وقال إنه سيعلن ذلك رسميًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ستنعقد الشهر المقبل.
وباتت فرنسا أول دولة غربية كبرى تغير موقفها الدبلوماسي من قيام دولة فلسطينية بعد اعتراف إسبانيا وإيرلندا والنرويج رسميًا بها العام الماضي، وعلى أن يتم ترسيم حدودها على ما كانت عليه قبل حرب عام 1967، عندما احتلت إسرائيل، الضفة الغربية وغزة والقدس.
وتعترف نحو 144 دولة من بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وعددها 193 دولة، بفلسطين كدولة بما في ذلك معظم دول جنوب العالم وروسيا والصين والهند.
لكن عددًا قليلًا فقط من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعددها 27، هي التي تعترف بدولة فلسطينية، ومعظمها من الدول الشيوعية السابقة إضافة إلى السويد وقبرص.
ووافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 على الاعتراف الفعلي بفلسطين دولة ذات سيادة من خلال رفع وضعها في المنظمة الدولية كمراقب إلى "دولة غير عضو" بعد أن كانت "كيانًا".
إن قرار الاعتراف بدولة فلسطينية هو رمزي في الغالب لأن إسرائيل تحتل الأراضي التي يسعى الفلسطينيون منذ فترة طويلة إلى إقامة دولتهم المستقلة عليها، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن تكون عاصمتها القدس الشرقية.
لكن هذه الخطوة من جانب فرنسا، التي تضم أكبر جاليتين لليهود والمسلمين في أوروبا، يمكن أن تعطي دفعة أكبر لحركة تقودها حتى الآن دول أصغر وأكثر انتقادًا لإسرائيل بوجه عام.
ويزيد هذا القرار أيضًا من عزلة إسرائيل على الساحة الدولية بسبب الحرب التي تخوضها في غزة وأدت إلى موجة جوع قال رئيس منظمة الصحة العالمية هذا الأسبوع إنها ترقى إلى مستوى جوع جماعي من صنع الإنسان، في ظل معاناة سكان غزة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة.
يميل ماكرون منذ أشهر نحو الاعتراف بدولة فلسطينية في إطار مساع للحفاظ على فكرة حل الدولتين رغم الضغوط التي يتعرض لها لثنيه عن ذلك.
قرر ماكرون اتخاذ هذه الخطوة قبل مؤتمر للأمم المتحدة تشارك فرنسا والسعودية في استضافته الأسبوع المقبل لتناول هذه القضية في محاولة للتأثير على دول أخرى تفكر في اتخاذ هذه الخطوة، أو الدول التي لا تزال مترددة.
ما تأثير ذلك على العلاقات الفرنسية الإسرائيلية؟
أمضى مسؤولون إسرائيليون شهورًا قبل إعلان ماكرون في الضغط لمنع ما وصفه البعض بأنه "قنبلة نووية" للعلاقات الثنائية.
وذكرت مصادر مطلعة أن تحذيرات إسرائيل لفرنسا تراوحت بين تقليص تبادل معلومات المخابرات وتعقيد مبادرات باريس الإقليمية بل وحتى التلميح إلى احتمال ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة.
ويمكن أن يضع قرار فرنسا ضغوطًا على دول كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا وأستراليا وكندا واليابان، لاتخاذ مثل هذه الخطوة. وعلى المدى القريب، قد تكون مالطا وبلجيكا الدولتين التاليتين من الاتحاد الأوروبي اللتين ستعترفان بدولة فلسطينية.
وقال وزير بريطاني اليوم الجمعة إن لندن تؤيد الاعتراف بدولة فلسطينية في نهاية المطاف لكن الأولوية الآن يجب أن تكون تخفيف المعاناة في قطاع غزة وتوصل إسرائيل وحماس إلى وقف إطلاق النار.
وذكرت ألمانيا اليوم الجمعة أنها لا تعتزم الاعتراف بدولة فلسطينية على المدى القريب، وأكدت أنها تعطي الأولوية لإحراز "تقدم طال انتظاره" نحو حل الدولتين تعيش بموجبه إسرائيل ودولة فلسطينية في سلام.
وقال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني: إن الاعتراف بدولة فلسطينية يجب أن يتزامن مع اعتراف تلك الدولة الجديدة بإسرائيل.
وأضاف خلال اجتماع في روما: "عدم اعتراف الدولة الفلسطينية بإسرائيل يعني استحالة حل المشكلة".
وندّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقرار فرنسا، قائلًا: إن هذه الخطوة "تكافئ الإرهاب وتنذر بخلق وكيل إيراني آخر".
ووصف وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس هذه الخطوة بأنها "عار واستسلام للإرهاب"، مضيفًا أن إسرائيل لن تسمح بإقامة "كيان فلسطيني من شأنه أن يضر بأمننا ويهدد وجودنا".
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة "ترفض بشدة" خطة ماكرون.
وكتب في منشور على إكس: "هذا القرار المتهور لا يخدم سوى دعاية حماس ويعوق السلام... إنه صفعة على وجه ضحايا السابع من أكتوبر"، في إشارة إلى هجوم حماس على إسرائيل في 2023 والذي أشعل فتيل الحرب في غزة.
وتوجه نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ بالشكر إلى فرنسا، وقال على منصة إكس إن قرار ماكرون يعكس "التزام فرنسا بالقانون الدولي ودعم فرنسا لحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة".