الإثنين 14 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

ديدييه ديشامب.. كيف أبقى فرنسا في قلب المواعيد الكبرى؟

ديدييه ديشامب.. كيف أبقى فرنسا في قلب المواعيد الكبرى؟

شارك القصة

ديدييه ديشامب
ترك ديشامب منتخبًا يعرف كيف يعيش البطولات الطويلة- غيتي
ترك ديشامب منتخبًا يعرف كيف يعيش البطولات الطويلة- غيتي
الخط
تولى ديشامب المنتخب بعد خروج فرنسا من ربع نهائي كأس أوروبا 2012، في مرحلة لم تكن فيها المشكلة مرتبطة بنقص المواهب، بقدر ما كانت تتعلق بعلاقة اللاعبين بعضهم ببعض.

لن تكون مباراة فرنسا وإنكلترا على المركز الثالث مجرد محاولة أخيرة لمغادرة كأس العالم 2026 بانتصار، بل ستكون بالنسبة إلى ديدييه ديشامب، نهاية رحلة بدأت في يوليو/ تموز 2012، وتحولت خلالها فرنسا من منتخب تتناوب عليه الأزمات والإخفاقات إلى أحد أكثر منتخبات العالم انتظامًا في الوصول إلى الأدوار الأخيرة.

كان ديشامب قد أعلن منذ يناير/ كانون الثاني 2025 أنه سيغادر منصبه بعد مونديال 2026، ما يجعل مواجهة إنكلترا مباراته الأخيرة رسميًا على رأس المنتخب الفرنسي.

وبعد الخسارة أمام إسبانيا في نصف النهائي، بلغ رصيده 184 مباراة مع فرنسا، حقق خلالها 120 انتصارًا و35 تعادلًا، مقابل 29 هزيمة. كما أصبح في هذه النسخة صاحب الرقم القياسي لعدد المباريات والانتصارات لمدرب في كأس العالم.

فكيف نجح مدرب نادرًا ما حظي بالإجماع حول أسلوبه في إبقاء فرنسا داخل دائرة المنافسة طوال 14 عامًا؟

من منتخب مضطرب إلى مشروع مستقر

تولى ديدييه ديشامب المنتخب بعد خروج فرنسا من ربع نهائي كأس أوروبا 2012، في مرحلة لم تكن فيها المشكلة مرتبطة بنقص المواهب، بقدر ما كانت تتعلق بعلاقة اللاعبين بعضهم ببعض، وبالثقة بين المنتخب وجمهوره.

لم يحتج المدرب الجديد إلى وقت طويل لإظهار أولوياته. لم يعد اختيار اللاعب يتوقف على قيمته الفنية وحدها، بل على قدرته على الانضباط داخل المجموعة وقبول دوره فيها. أصبحت إدارة غرفة الملابس جزءًا من الخطة، لا مهمة جانبية تسبق المباريات.

وصلت فرنسا إلى ربع نهائي كأس العالم 2014، ثم إلى نهائي كأس أوروبا 2016، قبل أن تحرز مونديال روسيا 2018 ودوري الأمم الأوروبية عام 2021، وتبلغ نهائي كأس العالم 2022. وحتى بعد خسارتها أمام إسبانيا في نصف نهائي 2026، بقيت حاضرة مرة أخرى بين الأربعة الكبار.

لم تفز فرنسا بكل البطولات، لكنها نادرًا ما دخلت بطولة كبرى من دون أن تكون مرشحة للذهاب بعيدًا. وهذا ربما كان الإنجاز الأهم في حقبة ديشامب: تحويل الوصول إلى المراحل النهائية من مفاجأة إلى عادة.

ديدييه ديشامب
ديدييه ديشان بعد تأهل فرنسا لكأس العالم 2014
ديدييه ديشامب بعد تأهل فرنسا لكأس العالم 2014 - غيتي

الواقعية قبل الصورة الجميلة

لم يكن ديشامب مدربًا يبحث عن امتلاك الكرة لمجرد امتلاكها، أو عن تقديم مباراة جميلة حتى لو عرّض ذلك فريقه للخطر. بنى نجاحه على قراءة الخصم، حماية المساحات، واستثمار سرعة مهاجميه عند التحول من الدفاع إلى الهجوم.

تغيرت تشكيلاته مرارًا، وكذلك طرق اللعب. استخدم ثلاثة مدافعين أحيانًا، وعاد إلى أربعة في أحيان أخرى، ولعب بمهاجم صريح أو من دونه. لكن الفكرة الأساسية بقيت واحدة: لا يحتاج المنتخب إلى السيطرة على كل دقيقة، بل إلى السيطرة على اللحظات التي تحسم المباراة.

هذا المنطق جلب له انتقادات متواصلة، خصوصًا عندما بدت فرنسا أقل إبداعًا من حجم مواهبها. كان منتقدوه يرون أن فريقًا يملك هذا العدد من النجوم يجب أن يفرض أسلوبه، لا أن ينتظر أخطاء الآخرين. أما ديشان فكان يقيس نجاحه بما يحدث في نهاية البطولة، لا بنسبة الاستحواذ أو عدد التمريرات.

في كثير من الأحيان، أثبتت طريقته فعاليتها. وفي أحيان أخرى، كما حدث أمام سويسرا في كأس أوروبا 2020 أو أمام إسبانيا في نصف نهائي 2026، بدا الفريق عاجزًا عن تغيير إيقاع مباراة لم تسر وفق خطته.

تغيير الأجيال من دون سقوط كبير

خلال 14 عامًا، ودع المنتخب الفرنسي أسماء صنعت حقبة كاملة، من هوغو لوريس ورافاييل فاران وأوليفييه جيرو إلى أنطوان غريزمان وغيرهم. كان خطر الفراغ حاضرًا في كل مرة، لكن فرنسا استمرت في تجديد صفوفها من دون الدخول في مرحلة إعادة بناء طويلة.

ساعد مخزون المواهب الفرنسية في ذلك، إلا أن كثرة الخيارات ليست ضمانة للنجاح دائمًا، كان على ديشامب أن يختار بين لاعبين متقاربين في المستوى، وأن يقنع النجوم بأن المنتخب لا يستطيع منح الجميع الدور نفسه.

في مونديال 2026، ظهر جيل جديد إلى جانب كيليان مبابي، ضم أسماء مثل مايكل أوليسيه وديزيريه دويه ومانو كوني، فيما حافظ المدرب على عناصر الخبرة في مواقع حساسة. لم يمنح هذا المزيج فرنسا اللقب، لكنه أوصلها إلى نصف النهائي للمرة الثالثة خلال أربع نسخ تحت قيادته.

ديدييه ديشان
خيبات ديدييه ديشامب - غيتي

ماذا خسر ديشان في الطريق؟

لا تعني الاستمرارية أن التجربة خلت من الإخفاقات. خسرت فرنسا نهائي كأس أوروبا على أرضها عام 2016، وخرجت مبكرًا من نسخة 2020 بعد تقدمها على سويسرا، وخسرت نهائي مونديال قطر بركلات الترجيح، ثم توقفت أمام إسبانيا في نصف نهائي 2026.

كما ظلت العلاقة بين ديشامب وجزء من الجمهور الفرنسي متوترة. لم تكن الانتصارات كافية دائمًا لإقناع من يريد رؤية منتخب أكثر هجومًا وجرأة. ومع مرور الوقت، صار السؤال يتكرر: هل تفوز فرنسا بسبب ديشامب أم لأن مواهبها تسمح لها بتجاوز تحفظه؟

لكن هذا السؤال يتجاهل أن امتلاك اللاعبين لا يعني تلقائيًا بناء منتخب. منتخبات كثيرة ضمت أجيالًا موهوبة ولم تصل إلى شيء، فيما استطاع ديشامب حماية فريقه من معظم الأزمات التي تستهلك المنتخبات الكبرى.

إرث أكبر من مباراة الوداع

لن تغير نتيجة مباراة المركز الثالث جوهر إرث ديشامب. الفوز سيمنحه نهاية أقل مرارة، والخسارة ستغلق الرحلة على خيبة ثانية خلال أيام، لكن الحكم على حقبته كُتب أساسًا خلال السنوات السابقة.

ترك ديشامب منتخبًا يعرف كيف يعيش البطولات الطويلة، وكيف يتعامل مع الإصابات والضغوط وتبدل الأجيال. كما ترك رقمًا يصعب تكراره: أربع مشاركات متتالية في كأس العالم مدربًا، بعد مشاركته لاعبًا وقائدًا لمنتخب حمل الكأس عام 1998.

قد لا يتذكر الجمهور كل المباريات التي خاضها، ولا كل الخيارات التي اتخذها. لكنه سيتذكر أن فرنسا، طوال معظم عهده، كانت تصل إلى المواعيد الكبرى وكأن وجودها فيها أمر طبيعي.

وهذا تحديدًا ما صنعه ديشامب: لم يجعل فرنسا تفوز دائمًا، لكنه جعل غيابها عن المشهد النهائي يبدو استثناءً.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من