الأربعاء 11 مارس / مارس 2026
Close

ديمقراطية بلا مشاركة: لماذا يبتعد المواطن العربي عن السياسة؟

ديمقراطية بلا مشاركة: لماذا يبتعد المواطن العربي عن السياسة؟ محدث 25 يناير 2026

شارك القصة

الديمقراطية تحظى بتأييد واسع في المنطقة العربية، لكن الثقة بالأحزاب والمشاركة السياسية تبقى محدودة – غيتي
الديمقراطية تحظى بتأييد واسع في المنطقة العربية، لكن الثقة بالأحزاب والمشاركة السياسية تبقى محدودة - غيتي
الخط
تظهر نتائج “المؤشر العربي 2025” تأييدًا واسعًا للديمقراطية في المنطقة العربية، مقابل مشاركة محدودة وثقة منخفضة بالأحزاب وفتور تجاه الانتخابات.

في المنطقة العربية، تبدو الديمقراطية، في الوعي العام، فكرةً رابحة لا تحتاج إلى من يدافع عنها. غير أنّ المفارقة تبدأ حين يقترب السؤال من "الممارسة"، بعيدًا عن النظريات:

من ينخرط؟ من ينتسب؟ من يثق بالأحزاب؟
ومن يذهب إلى صندوق الاقتراع فعلًا؟

هذا التناقض بين التأييد النظري والفتور العملي يلتقطه "المؤشر العربي 2025" بوضوح، ضمن مسحٍ ميداني نُفّذ بين نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 وأغسطس/ آب 2025 في 15 بلدًا عربيًا، عبر مقابلات مباشرة مع 40130 مستجيبًا ومستجيبة.

فما أبرز النتائج التي خرج بها؟ وما العِبَر التي يمكن استخلاصها حول العمل السياسي في الدول العربية؟

كيف يفهم العرب الديمقراطية؟


لا تتوقف النتائج عند السؤال المألوف والمعتاد، وربما المستهلَك، في مثل هذه الاستطلاعات: "هل تؤيّد الديمقراطية؟"، بل تبدأ من سؤال أدق: "كيف يفهم الرأي العام الديمقراطية؟". هنا يبرز مؤشر مهم:

83% من مواطني المنطقة العربية قدّموا تعريفًا "ذا محتوى" للديمقراطية.

اللافت في مضمون هذا الفهم أنّه لا يُختصر في صندوق الاقتراع وحده؛ إذ عرّفها 34% من المستطلَعين بوصفها "ضمان الحريات السياسية والمدنية"، و20% بوصفها "ضمان المساواة والعدل بين المواطنين".

وركّز 14% على البعد المؤسسي للنظام الديمقراطي، بمعنى تداول السلطة، والرقابة، والفصل بين السلطات.

كما أنّ أغلبية مواطني المنطقة العربية رفضوا مقولات ذات محتوى سلبي عن الديمقراطية، ولو أنّهم انقسموا في رأيهم حول مقولة إن "مجتمعنا غير مهيأ لممارسة النظام الديمقراطي".

مؤيّدو بعض المقولات عن النظام السياسي الديمقراطي، ومعارضوها
مؤيّدو بعض المقولات عن النظام السياسي الديمقراطي ومعارضوها - المؤشر العربي 2025
هنا تظهر نقطة مفصلية: الديمقراطية في المخيال العربي ليست صندوقًا فقط؛ إنها، أولًا، وعدٌ بالحريات والعدالة والمساواة… ثم تأتي الآليات بعد ذلك.

تأييد للديمقراطية.. ورفض لبدائلها


على مستوى الموقف، كان لافتًا تأييد أغلبية الرأي العام النظام الديمقراطي بنسبة 68%، مقابل معارضة 20%. وفي هذا السياق، يُلاحَظ أنّ نسب مؤيدي الديمقراطية متقاربة عبر الأعوام المتتالية منذ أول استطلاع في العام 2011.

مؤيّدو مقولة: "إنّ النظام الديمقراطي وإنْ كانت له مشكلاته، هو أفضل من غيره من الأنظمة"، ومعارضوها، في استطلاعات المؤشر عبر السنوات
مؤيّدو مقولة: "إنّ النظام الديمقراطي وإنْ كانت له مشكلاته، هو أفضل من غيره من الأنظمة"، ومعارضوها، في استطلاعات المؤشر عبر السنوات - المؤشر العربي 2025

كما أنّ أغلبية المستجيبين اعتبروا أنّ النظام الديمقراطي هو النظام الأكثر ملاءمة لبلدانهم (بتوافق 67%)، مقارنة بأنماط حكم أخرى. وترفض أغلبية الرأي العامّ نظام الحكم السلطوي، ونظامًا سياسيًا يتولى فيه الحكم العسكريون، والأنظمة التنافسية التي تقتصر على أحزاب بعينها (سواء أكانت هذه الأحزاب دينية أم غير دينية)، وكذلك النظام القائم على الشريعة من دون انتخابات وأحزاب سياسية.

اتّجاهات الرأي العامّ نحو مدى ملاءمة مجموعةٍ من الأنظمة السياسية أن تكون أنظمةَ حكمٍ لبلدانهم
اتّجاهات الرأي العامّ نحو مدى ملاءمة مجموعةٍ من الأنظمة السياسية أن تكون أنظمةَ حكمٍ لبلدانهم - المؤشر العربي 2025
 هذه الأرقام لا تقول إن العرب “يصوّتون” للديمقراطية في كل تفاصيلها، لكنها تقول شيئًا أبسط وأكثر ثباتًا: الفكرة ما تزال تتقدّم على البدائل… حتى في بيئاتٍ مثقلة بالحروب والاقتصاد والقلق من المستقبل.

الاختبار الحقيقي: هل تقبل بـ"خصمك" في السلطة؟


حين ينتقل المؤشر من التأييد العام إلى سؤال أكثر حساسية، تظهر حدود "الديمقراطية بوصفها قيمة" عندما تصبح "قواعد لعبة" كاملة: 50% من المستجيبين يقبلون وصول حزب سياسي لا يتفقون معه إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، مقابل 41% لا يقبلون ذلك.

اتجاهات المستجيبين نحو وصول حزبٍ سياسيّ يختلفون معه إلى السلطة، إذا حصل على عددٍ من الأصوات يؤهّله لذلك ضمن انتخابات حرة ونزيهة، في استطلاعات المؤشر عبر السنوات
اتجاهات المستجيبين نحو وصول حزبٍ سياسيّ يختلفون معه إلى السلطة، إذا حصل على عددٍ من الأصوات يؤهّله لذلك ضمن انتخابات حرة ونزيهة، في استطلاعات المؤشر عبر السنوات 

هذه النسبة، بحد ذاتها، تقول شيئًا مزدوجًا:

هناك كتلة لا بأس بها مستعدة للاعتراف بنتائج العملية الديمقراطية حتى عندما لا تُرضيها، لكن هناك أيضًا كتلة كبيرة تضع "خطًا سياسيًا أحمر" أمام مبدأ التداول نفسه.
هذا بالضبط هو الفارق بين دعم الديمقراطية "كشعار" والالتزام بها "كنظام قواعد".

كيف يقيّم العرب ديمقراطية بلدانهم؟


في سؤال التقييم الذاتي: "كيف يرى المواطنون مستوى الديمقراطية في بلدانهم؟" تأتي الإجابة بعبارة مكثّفة: "في منتصف الطريق". فقد قيّم المواطنون مستوى الديمقراطية بعلامة 6.2 من أصل 10، وهي أعلى من نتيجة 2023، لكنها تبقى في منطقة "الوسط".

وعلى المقياس ذاته، تظهر حدود المجال العام: قدرة المواطنين على انتقاد حكوماتهم نالت 5.3 من أصل 10، بما يعني أنّ النقد متاح "جزئيًا" لا "مضمونًا".

تقييم مستوى الديمقراطية في البلدان المستطلعة بحسب استطلاعات المؤشّر، وقدرة المواطنين على انتقاد الحكومة عبر السنوات
تقييم مستوى الديمقراطية في البلدان المستطلعة بحسب استطلاعات المؤشّر، وقدرة المواطنين على انتقاد الحكومة عبر السنوات - المؤشر العربي 2025
بين الرقمين مساحة لقراءة بسيطة: هناك شعور بأن "الديمقراطية موجودة بالاسم أو جزئيًا".. لكن هامش المساءلة والنقد ليس مطمئنًا بما يكفي كي يتحوّل إلى ممارسة سياسية يومية. 

المشاركة السياسية والمدنية: الحلقة الأضعف


إذا كانت الديمقراطية تحظى بتأييد واسع، فإن المؤشر يلفت إلى أن المشاركة السياسية والمدنية "محدودة"، ويقيس ذلك عبر مؤشرات:

  • الاهتمام بالشأن العام
  • الانتساب للجمعيات
  • الثقة بالأحزاب
  • نية المشاركة في الانتخابات.
اهتمام… لكن عبر شاشة

تشير نتائج المؤشر العربي إلى أنّ الرأي العام منقسم على صعيد اهتمامه بالشؤون السياسية، مع ارتفاعٍ في نسب الاهتمام مقارنة بعام 2023 (زيادة 7%) وتراجع نسبة “غير المهتمين على الإطلاق” (انخفاض 6%).

مدى اهتمام المستجيبين بالشؤون السياسية في بلدانهم في استطلاعات المؤشر عبر السنوات
 مدى اهتمام المستجيبين بالشؤون السياسية في بلدانهم في استطلاعات المؤشر عبر السنوات - المؤشر العربي 2025

وفي متابعة الأخبار السياسية، تظهر قفزة لافتة: 38% يعتمدون على الإنترنت لمتابعة الأخبار السياسية، وهي أعلى نسبة منذ 2011، وقد تضاعفت أكثر من سبع مرات خلال تلك الفترة، فيما بقي التلفزيون والإنترنت معًا المصدرين الأساسيين لدى 80% من المستجيبين.

اتّجاهات المستجيبين نحو الوسائل الإعلامية الأكثر استخدامًا للحصول على الأخبار السياسيّة في استطلاعات المؤشر عبر السنوات
اتّجاهات المستجيبين نحو الوسائل الإعلامية الأكثر استخدامًا للحصول على الأخبار السياسيّة في استطلاعات المؤشر عبر السنوات - المؤشر العربي 2025
المعنى هنا ليس تقنيًا فقط: السياسة تُتابَع.. لكن المتابعة لا تتحول بالضرورة إلى انخراط.

مجتمع مدني ضعيف… وأحزاب بلا ثقة

في "الانتساب" تظهر المفارقة الأوضح: الانخراط في منظمات مدنية وأهلية طوعية لا يتجاوز 11% على مستوى المنطقة العربية. وتصبح النسب أقل من ذلك إذا أخذنا في الاعتبار مدى مشاركة المستجيبين في الهيئات التي أفادوا أنهم ينتسبون إليها.

المستجيبون المنتسبون وغير المنتسبين إلى مجموعة من الهيئات والجمعيّات المدنيّة والطوعيّة
 المستجيبون المنتسبون وغير المنتسبين إلى مجموعة من الهيئات والجمعيّات المدنيّة والطوعيّة - المؤشر العربي 2025

أما الانتساب إلى الأحزاب السياسية فبلغ 6% (في البلدان التي يوجد فيها أحزاب)، فيما قال 60% إنهم لا يثقون بالأحزاب السياسية، مقابل 23% يثقون بها.

اتّجاهات الرّأي العامّ نحو الانتساب إلى أحزابٍ سياسيّة أو نحو وجود أحزابٍ وتيّارات سياسيّة تمثّلهم
اتّجاهات الرّأي العامّ نحو الانتساب إلى أحزابٍ سياسيّة أو نحو وجود أحزابٍ وتيّارات سياسيّة تمثّلهم  

مدى ثقة المستجيبين بالأحزاب السياسية في بلدانهم
مدى ثقة المستجيبين بالأحزاب السياسية في بلدانهم 

هذه النتيجة تُفسّر جانبًا كبيرًا من "الديمقراطية بلا مشاركة":

حين يفقد الناس الثقة بأدوات الوساطة السياسية (الأحزاب، التنظيمات، الأطر النقابية/المدنية)، يصبح الانخراط كلفةً بلا عائد، وتتحول السياسة إلى متابعة يومية لا إلى فعلٍ جماعي.

الانتخابات ونوايا التصويت

ثم يأتي المؤشر الأكثر حساسية: نية المشاركة في الانتخابات.

هنا يقول التقرير إن الرأي العام منقسم حول المشاركة، لكنّ المفارقة أن نسبة النية المسجلة في هذا الاستطلاع هي "أقل نسبة" عبر استطلاعات المؤشر.

 هل تنوي التصويت في الانتخابات المقبلة؟
هل تنوي التصويت
على الرغم من أن الرأي العامّ العربي يؤيد الديمقراطية ويفضلها على غيرها من الأنظمة، فمن الواضح أن العزوف عن الانخراط السياسي أو "اللامبالاة السياسية" هو السائد.

ديمقراطية "محبوبة".. 

لكن بلا جسور كافية


ما تقوله نتائج “المؤشر العربي 2025” لا يُختصر في عبارة "العرب ضد الديمقراطية" ولا في نقيضها. الصورة أدقّ: تأييدٌ واسع للديمقراطية كقيمة ومعنى، مقابل فتورٍ واضح تجاه أدوات المشاركة؛ أحزابٌ لا تُقنع، وثقةٌ منخفضة، ونيةٌ انتخابية تهبط، رغم ارتفاع الاهتمام بالشأن العام.
بهذا المعنى، تبدو الديمقراطية في المنطقة رغبةً اجتماعية أكثر منها منظومةً مكتملة الأركان: الناس تريد العدالة والحريات… لكنها لا تجد طريقًا مضمونة إلى تحويل ذلك إلى سياسة.

في الحلقة المقبلة من سلسلة "المؤشر العربي 2025.. كيف يرى العرب عالمهم؟":
"الكفاف والعوز: كيف يُعيد الاقتصاد ترتيب أولويات الناس؟"
أرقام سريعة
  • 83% قدّموا تعريفًا ذا محتوى للديمقراطية.
  • 68% يؤيدون النظام الديمقراطي، و67% يرونه الأنسب لبلدانهم.
  • 50% يقبلون بوصول حزب لا يتفقون معه إلى السلطة، و41% يرفضون.
  • تقييم الديمقراطية: 6.2/10، وقدرة انتقاد الحكومة: 5.3/10.
  • 38% يتابعون الأخبار السياسية عبر الإنترنت، و80% يعتمدون على التلفزيون والإنترنت معًا.
  • الانخراط في منظمات مدنية طوعية: 11%، والانتساب للأحزاب: 6%، و60% لا يثقون بالأحزاب.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي / تقرير المؤشر العربي