ديمقراطية بلا مشاركة: لماذا يبتعد المواطن العربي عن السياسة؟
في المنطقة العربية، تبدو الديمقراطية، في الوعي العام، فكرةً رابحة لا تحتاج إلى من يدافع عنها. غير أنّ المفارقة تبدأ حين يقترب السؤال من "الممارسة"، بعيدًا عن النظريات:
من ينخرط؟ من ينتسب؟ من يثق بالأحزاب؟ومن يذهب إلى صندوق الاقتراع فعلًا؟
هذا التناقض بين التأييد النظري والفتور العملي يلتقطه "المؤشر العربي 2025" بوضوح، ضمن مسحٍ ميداني نُفّذ بين نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 وأغسطس/ آب 2025 في 15 بلدًا عربيًا، عبر مقابلات مباشرة مع 40130 مستجيبًا ومستجيبة.
كيف يفهم العرب الديمقراطية؟
لا تتوقف النتائج عند السؤال المألوف والمعتاد، وربما المستهلَك، في مثل هذه الاستطلاعات: "هل تؤيّد الديمقراطية؟"، بل تبدأ من سؤال أدق: "كيف يفهم الرأي العام الديمقراطية؟". هنا يبرز مؤشر مهم:
اللافت في مضمون هذا الفهم أنّه لا يُختصر في صندوق الاقتراع وحده؛ إذ عرّفها 34% من المستطلَعين بوصفها "ضمان الحريات السياسية والمدنية"، و20% بوصفها "ضمان المساواة والعدل بين المواطنين".
وركّز 14% على البعد المؤسسي للنظام الديمقراطي، بمعنى تداول السلطة، والرقابة، والفصل بين السلطات.
كما أنّ أغلبية مواطني المنطقة العربية رفضوا مقولات ذات محتوى سلبي عن الديمقراطية، ولو أنّهم انقسموا في رأيهم حول مقولة إن "مجتمعنا غير مهيأ لممارسة النظام الديمقراطي".
تأييد للديمقراطية.. ورفض لبدائلها
على مستوى الموقف، كان لافتًا تأييد أغلبية الرأي العام النظام الديمقراطي بنسبة 68%، مقابل معارضة 20%. وفي هذا السياق، يُلاحَظ أنّ نسب مؤيدي الديمقراطية متقاربة عبر الأعوام المتتالية منذ أول استطلاع في العام 2011.
كما أنّ أغلبية المستجيبين اعتبروا أنّ النظام الديمقراطي هو النظام الأكثر ملاءمة لبلدانهم (بتوافق 67%)، مقارنة بأنماط حكم أخرى. وترفض أغلبية الرأي العامّ نظام الحكم السلطوي، ونظامًا سياسيًا يتولى فيه الحكم العسكريون، والأنظمة التنافسية التي تقتصر على أحزاب بعينها (سواء أكانت هذه الأحزاب دينية أم غير دينية)، وكذلك النظام القائم على الشريعة من دون انتخابات وأحزاب سياسية.
الاختبار الحقيقي: هل تقبل بـ"خصمك" في السلطة؟
حين ينتقل المؤشر من التأييد العام إلى سؤال أكثر حساسية، تظهر حدود "الديمقراطية بوصفها قيمة" عندما تصبح "قواعد لعبة" كاملة: 50% من المستجيبين يقبلون وصول حزب سياسي لا يتفقون معه إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، مقابل 41% لا يقبلون ذلك.
هذه النسبة، بحد ذاتها، تقول شيئًا مزدوجًا:
كيف يقيّم العرب ديمقراطية بلدانهم؟
في سؤال التقييم الذاتي: "كيف يرى المواطنون مستوى الديمقراطية في بلدانهم؟" تأتي الإجابة بعبارة مكثّفة: "في منتصف الطريق". فقد قيّم المواطنون مستوى الديمقراطية بعلامة 6.2 من أصل 10، وهي أعلى من نتيجة 2023، لكنها تبقى في منطقة "الوسط".
وعلى المقياس ذاته، تظهر حدود المجال العام: قدرة المواطنين على انتقاد حكوماتهم نالت 5.3 من أصل 10، بما يعني أنّ النقد متاح "جزئيًا" لا "مضمونًا".
المشاركة السياسية والمدنية: الحلقة الأضعف
إذا كانت الديمقراطية تحظى بتأييد واسع، فإن المؤشر يلفت إلى أن المشاركة السياسية والمدنية "محدودة"، ويقيس ذلك عبر مؤشرات:
- الاهتمام بالشأن العام
- الانتساب للجمعيات
- الثقة بالأحزاب
- نية المشاركة في الانتخابات.
اهتمام… لكن عبر شاشة
تشير نتائج المؤشر العربي إلى أنّ الرأي العام منقسم على صعيد اهتمامه بالشؤون السياسية، مع ارتفاعٍ في نسب الاهتمام مقارنة بعام 2023 (زيادة 7%) وتراجع نسبة “غير المهتمين على الإطلاق” (انخفاض 6%).
وفي متابعة الأخبار السياسية، تظهر قفزة لافتة: 38% يعتمدون على الإنترنت لمتابعة الأخبار السياسية، وهي أعلى نسبة منذ 2011، وقد تضاعفت أكثر من سبع مرات خلال تلك الفترة، فيما بقي التلفزيون والإنترنت معًا المصدرين الأساسيين لدى 80% من المستجيبين.
مجتمع مدني ضعيف… وأحزاب بلا ثقة
في "الانتساب" تظهر المفارقة الأوضح: الانخراط في منظمات مدنية وأهلية طوعية لا يتجاوز 11% على مستوى المنطقة العربية. وتصبح النسب أقل من ذلك إذا أخذنا في الاعتبار مدى مشاركة المستجيبين في الهيئات التي أفادوا أنهم ينتسبون إليها.
أما الانتساب إلى الأحزاب السياسية فبلغ 6% (في البلدان التي يوجد فيها أحزاب)، فيما قال 60% إنهم لا يثقون بالأحزاب السياسية، مقابل 23% يثقون بها.
هذه النتيجة تُفسّر جانبًا كبيرًا من "الديمقراطية بلا مشاركة":
الانتخابات ونوايا التصويت
ثم يأتي المؤشر الأكثر حساسية: نية المشاركة في الانتخابات.
هنا يقول التقرير إن الرأي العام منقسم حول المشاركة، لكنّ المفارقة أن نسبة النية المسجلة في هذا الاستطلاع هي "أقل نسبة" عبر استطلاعات المؤشر.
هل تنوي التصويت في الانتخابات المقبلة؟
ديمقراطية "محبوبة"..
لكن بلا جسور كافية
أرقام سريعة
-
83% قدّموا تعريفًا ذا محتوى للديمقراطية.
-
68% يؤيدون النظام الديمقراطي، و67% يرونه الأنسب لبلدانهم.
-
50% يقبلون بوصول حزب لا يتفقون معه إلى السلطة، و41% يرفضون.
-
تقييم الديمقراطية: 6.2/10، وقدرة انتقاد الحكومة: 5.3/10.
-
38% يتابعون الأخبار السياسية عبر الإنترنت، و80% يعتمدون على التلفزيون والإنترنت معًا.
-
الانخراط في منظمات مدنية طوعية: 11%، والانتساب للأحزاب: 6%، و60% لا يثقون بالأحزاب.