بعد يوم واحد من تصريحات صحافية لمسؤول إيراني أن بلاده قد تستهدف مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي "إذا انتقلت الحرب لأبعاد جديدة"، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قيام بلاده بضرب منشآت التخصيب النووي في طهران وتدميرها بالكامل، الأحد الماضي.
وشملت الضربات المنشآت النووية الرئيسية، وهي: منشأة فوردو الواقعة تحت الأرض على بعد 180 كيلومترًا إلى الجنوب من طهران، ونطنز (وسط البلاد)، وهي أشهر مواقع التخصيب، وأصفهان (وسط) حيث مصنع لتحويل اليورانيوم.
وشنّت إسرائيل هجومًا استباقيًا على إيران فجر الثالث عشر من يونيو/حزيران الجاري استهدف منشآت نووية إيرانية وقادة في الحرس الثوري وعلماء نوويين.
ورغم أن الجيش الإسرائيلي هاجم لاحقًا مئات المواقع العسكرية والمواقع المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، إلا أن طهران أحجمت عن استهداف مفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب الذي بُني في نهاية خمسينيات القرن الماضي ويقع على بعد نحو 90 كيلو متر من مدينة القدس.
وتعتبر إسرائيل الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، رغم أنها لم تؤكد أو تنفي أبدًا حيازتها سلاحًا نوويًا، وتعتمد الغموض إزاء هذا الموضوع، كما أنها ترفض التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي، والقبول بمراقبة دولية على مفاعلها في ديمونا.
وتقدر "مبادرة التهديد النووي"، وهي منظمة تتخذ من الولايات المتحدة الأميركية مقرًا لها، أن اسرائيل أنتجت ما يكفي من البلوتونيوم لتسليح ما بين 100 و200 رأس حربي نووي.
هل استُهدف مفاعل ديمونا ومتى؟
وظل مفاعل ديمونا في معزل عن أي تهديد منذ إنشائه رغم أن إسرائيل خاضت عدة حروب مع جوارها العربي، وخصوصًا حربي عام 1967 و1973 إضافة إلى حروبها مع حزب الله وحركة حماس في العقدين الأخيرين.
وكانت مرات نادرة التي أعلنت فيها إسرائيل اقتراب الصواريخ التي تُطلق عليها خلال حروبها من منطقة المفاعل، ومنها إعلان الجيش الإسرائيلي في 17 من هذا الشهر إطلاق صفارات الإنذار في مناطق جنوب إسرائيل، بما في ذلك ديمونا، وجاء ذلك بعد إطلاق إيران دفعات من الصواريخ على إسرائيل في خامس يوم على العدوان عليها.
كما تعرّض محيط المفاعل إلى استهداف غير مسبوق في يوليو/ تموز عام 2014، حيث سقط صاروخان أُطلقا من قطاع غزة على بلدة ديمونا.
وقال الجيش الاسرائيلي في حينه، إن من وصفهم بالإرهابيين الفلسطينيين أطلقوا ثلاثة صواريخ على ديمونا، وقع اثنان منها في مناطق مفتوحة بينما اعترضت منظومة القبة الحديدية الآخر.
وتبنت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس إطلاق الصواريخ، قائلة إنها من طراز ام 75 التي يصل مداها الى نحو 80 كيلومترًا.
باريس وإنشاء ديمونا
يعتبر ديفيد بن غوريون رئيس الوزراء الأول لإسرائيل، عرّاب البرنامج النووي الإسرائيلي، بينما يُنظر إلى الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز (1923- 2016) باعتباره مهندس مفاعل ديمونا، حيث كلفه بن غوريون في خمسينات القرن الماضي بالمسؤولية عن البرنامج النووي، وكان بيريز يشغل آنذاك منصب مدير عام وزارة الدفاع.
تأسست هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية عام 1952، حيث عملت على استخراج اليورانيوم من صحراء النقب، وتطوير تقنيات لإنتاج الماء الثقيل الذي وفر لإسرائيل القدرة على إنتاج أحد العناصر المهمة في المجال النووي.
ووقّعت إسرائيل في أواخر سبتمبر/ أيلول عام 1957 اتفاقية مع باريس تقضي بإنشاء مفاعل نووي في "ديمونا"، بالاستعانة بالعلماء الفرنسيين.
وأحيطت العملية بسرية بالغة، وبدت ديمونا في نهاية الخمسينيات وكأنها مدينة فرنسية، إذ كان 2500 مواطن فرنسي يعيشون فيها، واُفتتحت لهم المدارس والثانويات الفرنسية، وامتلأت شوارع المدينة بسيارات رينو.
وبحسب الصحافي الأميركي الاستقصائي سيمور هيرش في كتابه "خيار شمشون" فإن العمال والفنيين الفرنسيين مُنعوا من الكتابة مباشرة إلى أقاربهم وأصدقائهم في فرنسا أو أي مكان آخر.
ويروي بيريز في سيرته الذاتية "لا مكان للأحلام الصغيرة"، وفي مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت عام 2014، أنه والمسؤولين الإسرائيليين حاولوا في البداية الحصول على مفاعل نووي من الولايات المتحدة، ولكن الأميركيين اشترطوا الرقابة على المشروع.
ويوضح أنه كانت لدى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور خطة مساعدة لإنشاء مفاعل نووي للأغراض الطبية، وقبلت إسرائيل العرض، وأقامته بالفعل في ناحال سوريك (قرب القدس).
ولكن إسرائيل التي كانت ضد الرقابة، أقامت مفاعلًا إضافيًا في ديمونا، وأخفته عن الأميركيين مدّعية لسنوات أنه مشروع معمل نسيج.
ويقول بيريز إن بن غوريون لم يكن متحمسًا جدًا للفرنسيين، ورغم ذلك طلب منه الذهاب إلى فرنسا، موضحًا: "كان لدينا وكيل بولندي في باريس يدعى ستيفن، أخذ منا 10% لغرض الوساطة. قلت له: إن 10% مبلغ كبير فنحن بلد فقير، فقال: أنا لا آخذ هذا المال لنفسي، أنا أدفعه لمسؤول حكومي، وقد أعطاني اسمه. اتصلت بهذا الرجل، عرّفت عن نفسي له وطلبت رؤيته، التقينا وبدأنا العمل معًا".
ويروي بيريز أن مشروع المفاعل كان محل استهجان كثيرين: "في البداية سخر مني الجميع في إسرائيل. ذهبت إلى معهد وايزمان والتقيت مع الإدارة، أفشيت لهم السر ولكنهم قالوا إنه لا توجد فرصة (لبناء المفاعل النووي) وأن هذا خيال، وأن العلماء لن يوافقوا على المشاركة".
ويضيف بيريز: "لذلك التفت إلى التخنيون (معهد إسرائيل للتكنولوجيا في حيفا)، وجمعت مجموعة من الطلاب في سنتهم الأخيرة من دراستة الهندسة والكيمياء، وأرسلتهم لمواصلة تعليمهم في برنامج مكثف في فرنسا"، و"عندما اشتغل المفاعل، قال عاموس دي شاليط الذي كان رئيسًا لمعهد وايزمان لأصدقائه: باسم النزاهة الفكرية، علينا أن ندعو شمعون وأن نقول له إنه كان على حق".
شكوك كينيدي وجواب بيريز
ويوضّح بيريز أن صحيفة "يديعوت أحرونوت" كتبت عام 1959 عن وجود شكوك أميركية بإقامة مفاعل نووي في ديمونا بينما كان في مهمة عمل أمنية في الولايات المتحدة، ويقول إن أحد مساعدي الرئيس الأميركي جون كينيدي، وهو يهودي اسمه فيلدمان، قال لبيريز إن "الرئيس يريد أن يراك"، ولم يكن من العُرف أن يلتقي الرئيس مع نائب وزير من بلد آخر، وشدّد فيلدمان على أن كينيدي يريد الاجتماع مع بيريز من خلال باب خلفي ودون إعلان.
ويسهب بيريز في وصف ذلك اللقاء، قائلًا: "أخذت معي السفير الإسرائيلي في واشنطن آبي هيرمان، إلى البيت الأبيض، وصعدنا الدرج من الباب الخلفي. كان كينيدي جالسًا على كرسيه الهزاز، وبدأ بتوجيه الأسئلة، وفجأة سأل: هل لديكم أسلحة نووية؟ قلت له: سيدي الرئيس، إن إسرائيل لن تكون أول من يجلب الأسلحة النووية في الشرق الأوسط".
عندما ضلّلت تل أبيب واشنطن
لكن تقارير الاستخبارات الأميركية كانت قد كشفت شروع إسرائيل ببناء مفاعلها النووي غير السلمي في تلك الفترة، وذكر تقرير كتب في يناير/ كانون الثاني عام 1963 ورفعت عنه السرية عام 2017 أن مفاعل ديمونا "كان يعمل بأقصى طاقته"، وأكّد التقرير أن المفاعل يمكنه بذلك أن ينتج ما يكفي من البلوتونيوم لصنع سلاح نووي أو اثنين سنويًا.
ودفع هذا واشنطن لطلب زيارة بعثة تفتيش أميركية إلى المفاعل، وهو ما حدث عام 1963 بعد تنصيب ليفي أشكول رئيسًا للوزراء في إسرائيل، حيث قامت بعثات تفتيش أميركية بنحو ست زيارات سنوية لمفاعل ديمونا بين عامي 1964 و1969.
لكن السماح بالزيارات كان نوعًا من التحايل، فقد رفضت تل أبيب طلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة مفتشين للمفاعل النووي في ديمونا، وسمحت بدلًا من ذلك بزيارة الأميركيين مع تقييد حركتهم ومنعهم حتى من استخدام معداتهم الخاصة أو جمع العينات.
كما قامت بتضليلهم ببناء جدران زائفة حول المصاعد في مجمع ديمونا التي تنزل ستة مستويات إلى مصنع إعادة المعالجة تحت الأرض.
ورغم ذلك توصلت إسرائيل عام 1969 الى تفاهم مع الولايات المتحدة يمتنع بموجبه المسؤولون الإسرائيليون عن الإدلاء بأي تصريح علني حول قدرة بلادهم النووية، ويتعهّدون بعدم القيام بأي تجربة نووية، في مقابل تعهّد واشنطن بعدم ممارسة ضغوط على تل أبيب في هذا الشأن.
ولم يقم أي مسؤول إسرائيلي حتى الآن بخرق "قاعدة الصمت" هذه والاعتراف بوجود ترسانة نووية، بل واصلوا اعتماد سياسة تقوم على الغموض والالتباس إزاء الأمر.
وفي عام 2010 أعلن إيهود باراك عندما كان وزيرًا للدفاع أن إسرائيل ستستمر في سياسة "الالتباس" هذه، وقال لإذاعة الجيش الاسرائيلي: "إنها سياسة جيدة ولا داعي لتغييرها. ثمة توافق تام مع الولايات المتحدة بهذا الشأن".
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرد على سؤال حول ما إذا كانت تل أبيب تمتلك أسلحة نووية في مقابلة مع شبكة سي إن إن في مايو/ أيار 2018، قائلًا: "لطالما قلنا إننا لن نكون أول من يقدّم النووي في الشرق الأوسط، لذلك نحن لسنا من قدمناه إلى المنطقة. هذه أفضل إجابة ستحصل عليها".
تسريبات فعنونو
لكنّ تدابير إسرائيل لفرض سرية مطلقة على برنامجها النووي تعرّضت لضربة قاصمة عام 1986، ففي أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام نشرت صحيفة "ذا صنداي تايمز" البريطانية تحقيقًا أماط اللثام عن الترسانة النووية الإسرائيلية، فقد كشف موردخاي فعنونو الذي كان يعمل فنيًا في مجمع "ديمونا"، تفاصيل لم يكن يعرفها العالم عن تلك المنشأة.
وخلص تحقيق الصحيفة إلى أن إسرائيل أصبحت القوة النووية السادسة في العالم، وأنها تمتلك ما يقارب 200 رأس حربي نووي.
وكان فعنونو فقد عمله في مفاعل ديمونا عام 1985، لكنه استطاع قبل مغادرته المنشأة التقاط صور لمعدات تُستخدم في استخراج المواد المشعّة لغرض تصنيع الأسلحة، إضافة إلى نماذج مختبرات لأجهزة نووية حرارية، وكشفت معلوماته أن معدلات إنتاج البلوتونيوم في مفاعل ديمونا تبلغ نحو 40 كيلوغرامًا سنويًا، ما يكفي لصنع 10 قنابل.
واختطف الموساد فعنونو من روما بعد نشر الصحيفة البريطانية تحقيقها، وكشفت السلطات الإسرائيلية اعتقاله بعد شهر من اختطافه وتخديره وتهريبه عن طريق البحر إلى إسرائيل.
ودوَّن فعنونو بعض تفاصيل عملية اختطافه على راحة يده عندما اُقتيد إلى التحقيق، ثم رفعها باتجاه نافذة العربة ليتمكن الصحفيون من الاطلاع عليها.
وكشفت المعلومات تعرّف فعنونو في لندن إلى عميلة للموساد تُدعى شيريل بنتوف، وهي أميركية المولد، استدرجته إلى روما لقضاء عطلة برفقتها، وبمجرد وصوله إلى هناك تم اختطافه وتخديره قبل نقله إلى إسرائيل.
وأُحيل فعنونو إلى المحاكمة في مارس/ آذار عام 1987 بتهمة الخيانة والتجسس، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 18 عامًا.
عمرو موسى يطلب زيارة ديمونا
وكانت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أطلقت اسم شمعون بيريز على مفاعل ديمونا النووي في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، بعد أقل من أسبوعين على وفاته في 28 سبتمبر/ أيلول من العام نفسه عن 93 عامًا.
وتدين إسرائيل ببرنامجها النووي لبيريز، وكذلك بسياستها في إبقائه في منطقة من الغموض والالتباس الذي لا يفصح عن قدراته، ولا عن المدى الذي قطعته إسرائيل في إنتاج الأسلحة النووية.
وروي بيريز في مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت تفصيل لقائه مع الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى عندما كان الاثنان وزيرين للخارجية، وطلب الأخير منه زيارة مفاعل ديمونا.
ويقول بيريز: "في إحدى المرات، وكنت مقربًا من عمرو موسى. جاء لي وقال: شمعون، هل نحن أصدقاء؟ قلت: نعم، فقال: خذني إلى ديمونا، دعني أرى ما يجري هناك".
وأضاف بيريز: "قلت: هل جن جنونك؟ إذا أخذتك إلى ديمونا، واكتشفت أن لا شيء يجري هناك فإنكم ستتوقفون عن الخوف منا، هل أنا مجنون؟ أريدكم أن تستمروا بالخوف، هذا هو أفضل ردع".
صور نادرة لتوسعة المفاعل
لكن إستراتيجية الإخفاء والغموض لم تعد تجدي نفعًا بعد تسريبات فعنونو، حيث ازدادت التسريبات الموثوقة عن امتلاك إسرائيل ترسانة نووية ضخمة رغم رفضها الاعتراف بذلك، ففي فبراير/ شباط 2021 نشرت وكالة أسوشيتد برس تحليلًا لصور أقمار صناعية التقطتها شركة بلانيت لابس بناءً على طلب الوكالة، تظهر أن منشأة ديمونا تخضع لما يبدو أنه أكبر مشروع بناء لها منذ عقود.
وقالت الوكالة إن حفرًا بحجم ملعب كرة قدم، وربما يبلغ عمقه عدة طوابق، يقع على بُعد أمتار قليلة من المفاعل القديم في مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية في النقب.
وذكرت أسوشيتد برس أن اللجنة الدولية للمواد الانشطارية في جامعة برينستون قالت في الشهر نفسه إنها رصدت "إنشاءات جديدة كبيرة" في الموقع، عبر صور الأقمار الصناعية المتاحة تجاريًا.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية ما يُعتبر أوضح صورة حتى ذلك الوقت للنشاط الذي رُصد في الموقع، حيث حفر العمّال جنوب غرب المفاعل مباشرة، حفرة يبلغ طولها حوالي 150 مترًا وعرضها 60 مترًا، وأمكن رؤية مخلفات الحفر بجوار الموقع حيث يمتد خندق بطول حوالي 330 مترًا بالقرب من موقع الحفر.
أما على بُعد كيلومترين غربي المفاعل، فأظهرت صور الأقمار الصناعية صناديق مرصوصة في حفرتين مستطيلتين يبدو أن لهما قواعد خرسانية.
ولم تُعرف على وجه الدقة أسباب التوسع في الموقع، وما إذا كان لإعادة تأهيل المفاعل الذي يعتبر قديمًا بالفعل، أم لإنشاء مفاعل آخر أو منشآت جديدة تدعم عمل المفاعل الرئيسي وتزيد من أنشطته في المجال النووي.