على مدى 25 عامًا، وتحديدًا منذ سنة 2000، كان يوم 25 مايو/ أيار في لبنان نهارًا تُقام فيه الاحتفالات بذكرى تحرير الجزء الجنوبي للبلاد من الجيش الإسرائيليّ بعد احتلالٍ دام 22 عامًا.
لكنّ الاحتفال هذا العام يبدو مختلفًا عنه في السنوات السابقة، فما اصطلح على تسميته "عيد المقاومة والتحرير" يأتي هذه المرّة بعد حربٍ إسرائيلية مدمرة شهدها لبنان، تُعَدّ بين الأقسى في تاريخه، وقد أسفرت عن سقوط آلاف الشهداء والجرحى.
سبقت هذه الحرب مناوشات عسكرية بين "حزب الله" اللبناني وإسرائيل نحو عام كامل اعتبارًا من 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعد يوم واحد على اندلاع الحرب على غزة، في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها حركة "حماس" ضد المستوطنات الإسرائيلية.
اليوم، تأتي ذكرى "تحرير جنوب لبنان عام 2000" ولبنان خارج من حرب، لكن الأمر الآخر الأكثر بروزًا هذا العام هو أن إسرائيل تحتلّ 5 تلال لبنانية، تُضاف إلى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة منذ أكثر من 50 عامًا.
ومع مشهدية الاحتلال، يسود الدمار الخط الحدودي بين لبنان وإسرائيل بسبب الحرب، فالمناطق هناك منكوبة ولا إعادة للإعمار فيها بعدما عمدت إسرائيل إلى تدمير شبه كامل لها.
باختصار، يعيش لبنان اليوم ذكرى "تحرير" بين احتلالين إسرائيليين.. فما هي قصة التحرير التي احتفل بها لبنان على مدى 25 عامًا، وماذا نعلم عن الاحتلالين الأول والثاني؟
حكاية الاحتلال الأول: القصة بدأت باجتياح عام 1978
في مارس/ آذار من العام 1978، دخلت القوات الإسرائيلية إلى لبنان واحتلت قرى وبلدات حدودية، مقيمة بذلك شريطًا أمنيًا. وجاء هذا الاحتلال بعد مرور سنوات على توقيع لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية على ما يُعرف بـ"اتفاقية القاهرة" عام 1969، والتي أباحت فتح جبهة جنوب لبنان للعمل الفدائي الفلسطيني ضدّ إسرائيل بعدما فرّ فلسطينيون إلى لبنان إثر النكبة التي حلت بفلسطين وإقامة دولة إسرائيل فيها عام 1948(1).
وبحسب تقرير نشرته شركة "الدولية للمعلومات" المعنية بالدراسات، فإنّ قرى وبلدات جنوب لبنان الحدودية مع إسرائيل، تحوّلت حينها إلى مراكز عسكرية للمنظمات الفلسطينية، وذلك بعدما اتخذتها قاعدة انطلاق لعملياتها ضد إسرائيل. ووفقًا للتقرير، فقد "تفاقم الوجود الفلسطيني المسلّح بعد الحرب اللبنانية في العام 1975 وانهيار سلطة الدولة، وحلّت المنظمات الفلسطينية كسلطة بديلة في بعض المناطق لا سيما في مناطق الجنوب، فكانت تقصف المستوطنات الإسرائيلية انطلاقًا منه وترد إسرائيل بقصف مناطق وبلدات لبنانية عدّة بعضها خارج الجنوب"(2).
وبعد تفاقم الأوضاع، قرّرت إسرائيل تنفيذ عملية عسكرية أطلقت عليها تسمية "عملية الليطاني"، وذلك بهدف إبعاد المنظمات الفلسطينية المسلّحة عن حدودها حتى نهر الليطاني.
وفق تقرير "الدولية للمعلومات"، فإن هناك "شرارة" أطلقت العملية، وقد حصلت يوم 11 مارس 1978، وذلك حينما قامت مجموعة فلسطينية مسلّحة من حركة "فتح" بقيادة دلال مغربي بالتسلّل إلى إسرائيل انطلاقًا من جنوب لبنان، واختطاف حافلتين تقلان إسرائيليين. وقد أسفرت هذه العملية عن مقتل 37 إسرائيليًا وجرح 76 آخرين، في حين أن منفذي العملية قتلهم الجيش الإسرائيلي الذي اعتبر الواقعة بمثابة "انطلاق شرارة عملية الليطاني".
وبعد 3 أيام فقط على العملية، وليل 14- 15 مارس، دفع الجيش الإسرائيلي بقواته باتجاه الأراضي اللبنانية إثر حشده 25 ألف جندي. ودامت عملية الغزو لـ7 أيام، ما أدى إلى تهجير نحو 300 ألف لبناني ومقتل نحو 1500 آخرين، فيما تم تدمير 2500 وحدة سكنية.
وبحسب التقرير نفسه، فإنّ هذا الاجتياح طال 1100 كلم مربع من الأراضي اللبنانية، وشمل 358 بلدة وقرية في جنوب لبنان. وإثر تلك الوقائع، تقدم لبنان بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي الذي عقد اجتماعات بشأن ما جرى، وأصدر إثرها القرار رقم 425 بتاريخ 19 مارس 1978، دعا فيه إلى الاحترام الصارم لوحدة أراضي لبنان ولسيادته ولاستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليًا. كما طلب من إسرائيل أن توقف فورًا عملها العسكري ضد سلامة الأراضي اللبنانية وأن تسحب فورًا قواتها من جميع الأراضي اللبنانية.
وبموجب هذا القرار، وفي ضوء طلب الحكومة اللبنانية، تقرر تشكيل قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة تخضع لسيطرة الأخيرة، وتعمل في جنوب لبنان، بقصد التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة السلام والأمن الدوليين إلى سابق عهدهما ومساعدة حكومة لبنان في توفير عودة سلطتها الفعالة في المنطقة، على أن تؤلف القوة الدولية من عناصر تابعة لدول أعضاء في الأمم المتحدة.
القرار المذكور سبق قرارًا آخر حمل الرقم 426، ونصّ على تشكيل القوات الدولية، حيث حدّد مهمتها بـ6 أشهر يمكن تمديدها بناءً لقرار مجلس الأمن، كما حدّد قوام القوة بـ4000 عنصر وضابط. وبعد ذلك، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 427 تاريخ 3 مايو/ أيار 1978، والذي تقرّر فيه رفع عدد القوات الدولية إلى 6000 ضابط وعنصر، والطلب من إسرائيل إتمام انسحابها(3).
وبناء على القرار 425، وصلت القوات الدولية إلى لبنان وبدأت إسرائيل انسحابًا عسكريًا خلال شهر أبريل/ نيسان من العام 1978، لكنها حافظت على وجودها العسكري ضمن شريط حدودي أمني بمساحة 700 كلم يضم 46 بلدة ومدينة لبنانية وذلك تحت إمرة الرائد في الجيش اللبناني سعد حداد الذي أعلن لاحقًا إنشاء ما يُعرف بـ"دولة لبنان الحرّ" في المناطق الجنوبية الخاضعة لسيطرته والتي توسعت بعد اجتياح العام 1982. حينها، بات الشريط المحتل أكثر توسعًا وارتفع عدد البلدات الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي إلى 165 بلدة ضمن مساحة 900 كلم.
أيضاً، ترأس حداد ما عُرف بـ"جيش لبنان الجنوبي"، ويذكر كتاب "الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان: مرحلة تحول إستراتيجي في الصراع"، أنّ ذاك الجيش كان يتلقى تمويله وتجهيزه من القوات الإسرائيلية كما أنه متكامل مع عمليات إسرائيل وبنيتها الدفاعية في جنوب لبنان، بل يذهب لحدّ الإشارة إلى أنّ "جيش لبنان الجنوبي كان جزءاً من الوجود الإسرائيلي في لبنان"(4).
اجتياح 1982.. توسيع الغزو والاحتلال
يعتبر اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 بمثابة توسيع للغزو والاحتلال الذي بدأ عام 1978، فالقوات الإسرائيلية تقدمت خارج الشريط الحدودي المُحتل، واتجهت نحو عمق الأراضي اللبنانية.
يتحدّث كتاب "دفاع أم عُدوان" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 1983، عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ويقولُ إنه في السادس من يونيو/ حزيران من العام المذكور، قامت قوات إسرائيلية تُقدر بنحو 40 ألف جندي، تساندها غارات جوية كثيفة وقصف مدفعي وبحري ودبابات ومركبات مدرعة، باجتياح الحدود التي تفصل إسرائيل عن الجنوب اللبناني على امتداد 33 ميلاً.
يلفت الكتاب إلى أنَّ عدد القوات الغازية شهد ازديادًا ملحوظًا عن 40 ألف عنصر، مشيرًا إلى أنَّ إسرائيل وصلت إلى بيروت في غضون 4 أيام بعد بدء الغزو، ويضيف: "بالإضافة الى هجماتها على القوات الفلسطينية المتمركزة في الجنوب اللبناني، فقد التحمت القوات الإسرائيلية مع القوات السورية المتمركزة في وادي البقاع (شرق لبنان) جوًا وبرًا".
آنذاك، أطلقت إسرائيل على عملية غزو لبنان عام 1982 تسمية "سلامة الجليل"، وكان التبرير المطروح هو أن ما حصل جاء ردًا على محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغوف. في ذلك الوقت، اتهمت إسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية بتنفيذ العملية، فدفعت بقواتها نحو لبنان.
بحسب الكتاب المذكور، فإن إسرائيل كانت تهدف لإقامة شريط وقائي بعمق 25 ميلاً يحرر سكان المستعمرات الإسرائيلية في الجليل من خطر هجمات الصواريخ التي تشنها قوات منظمة التحرير الفلسطينية، علماً أن هناك 3 هجمات بالصواريخ حصلت، الأولى كانت يوم 9 مايو 1982، والثانية والثالثة كانت خلال يومي 4 و 5 يونيو 1982.
في تلك الفترة، زعمت إسرائيل أن منظمة التحرير الفلسطينية تستخدم جنوب لبنان كحقل تدريب لجيش مؤلف من 15 ألف مسلح. أيضًا، كانت تل أبيب تقول إنَّ المنظمة الفلسطينية كانت تخزن في جنوب لبنان كمية كبيرة من الأسلحة(5).
إبان ذاك الاجتياح، وصل الإسرائيليون بسرعة إلى ما يُعرف بمنطقة بيروت الغربية حيث كان يقع مقرّ منظمة التحرير الفلسطينية. هناك، جرى تطويق المنظمة ومحاصرتها طيلة الصيف، وقد ترافق ذلك مع قصفٍ طال بيروت في محاولة لإجبار المنظمة على الاستسلام.
وبعد ضغوط كبيرة، وافق رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وقيادة المنظمة على الخروج من لبنان بموجب اتفاقية بوساطة أميركية دخلت حيّز التنفيذ يوم 19 أغسطس/ آب 1983. وإثر ذلك، غادر عرفات لبنان مع 14 ألفًا من مقاتلي المنظمة إلى تونس وبلدان أخرى، وقد حصل ذلك تحت حماية قوة متعددة الجنسيات.
وفي شهر سبتمبر/ أيلول 1982، انطلقت المقاومة الوطنية اللبنانية في بيروت لمواجهة إسرائيل، وتطورت بسرعة في الجنوب بحلول نهاية تلك السنة. وفعليًا، فقد شاركت مختلف الأحزاب الوطنية اللبنانية والمنظمات الإسلامية في العمليات ضد إسرائيل، فيما برزت أيضًا قوتان وهما حركة "أمل" و "حزب الله"، وهما حزبان يمثلان الطائفة الشيعية في لبنان وخاضا معارك فعلية ضد إسرائيل.
في ظل الغزو الإسرائيلي، كانت "المقاومة اللبنانية" بمختلف أطيافها ناجحة للغاية، وظلت على مدى عامين تشهد وتيرة مرتفعة في العمليات، فيما وصلت الخسائر الإسرائيلية إلى معدل لا سابق له، وهو مقتل جندي واحد كل يوم تقريبًا. كل ذلك وضع الإسرائيليين تحت ضغط كبير، وما حصل هو أن تل أبيب نفذت انسحابًا جزئيًا في يونيو عام 1985 من البقاع وجبل لبنان ومن صيدا وصور، واستقرت عند الشريط الحدودي المحتل منذ العام 1978، فيما بقي جيش لبنان الجنوبي هو المسيطر هناك مع القوات الإسرائيلية، وكان من أبرز قادته الجنرال اللبناني أنطوان لحد الذي تولى قيادة الجيش الجنوبي بعد وفاة سعد حداد(6).
بين 1985 و2000.. معركة تحرير
خلال العام 1985، تمركزت إسرائيل في منطقتها الأمنية داخل جنوب لبنان بعمق 19 كيلومترًا، وبقيت هناك حتى العام 2000.
يقول منشور للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) إنَّ الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي سيطرا على مواقع عديدة و تحصينات في جنوب لبنان، يُشرف عدد منها على المدن المركزية في المنطقة الواقعة إلى الجنوب من العاصمة اللبنانية بيروت.
ويلفت المنشور إلى أنَّ المواجهة الأساسية والرئيسية كانت بين الجيش الإسرائيلي والموالين له وبين "حزب الله" الذي لعب دورًا مركزيًا مواجهة الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي، ويضيف: "خلال المدة الزمنية التي أمضاها الجيش الإسرائيلي محتلاً جنوب لبنان، نفّذ حربين كبيرتين ضد حزب الله، الأولى حملت اسم تصفية الحساب عام 1993، والثانية حصلت عام 1996 وحملت شعار عناقيد الغضب".
على صعيد الحرب الأولى، قصفت إسرائيل ولمدة أسبوع بدءًا من 25 يوليو/ تموز 1993، عشرات الأهداف التابعة لـ"حزب الله"، وذكرت أن هذا الأمر جاء ردًا على هجمات صاروخية استهدفت مواقعها في لبنان وشمال إسرائيل. وأسفرت الغارات عن تدمير آلاف المباني، وقدّرت الأمم المتحدة عدد الضحايا المدنيين بـ130 قتيلاً، فضلا عن نزوح 300 ألف شخص. من ناحيته، قال الجيش الإسرائيلي إنَّ جنديًا إسرائيليًا واحدًا قُتل خلال العملية فيما جُرح مدنيان إثنان.
أما الحرب الثانية فحصلت عام 1996 وتحديدًا في شهر أبريل/ نيسان، وذلك في أعقاب هجوم صاروخي طال إسرائيل. وأدت إلى تهجير ما بين 150 - 200 ألف مواطن لبناني من مناطق الجنوب، واستشهاد 170 لبنانيًا غالبيتهم سقطوا في مجزرة إسرائيلية استهدفت مقر لقوات الأمم المتحدة في بلدة قانا - جنوب لبنان(7).
من ناحيته، أطلق "حزب الله" مئات الصواريخ باتجاه إسرائيل، مما أسفر عن إصابة نحو 55 مدنيًا. وفي 27 أبريل، جرى توقيع اتفاق أنهى هذه الجولة من المعارك(8).
بدوره، يقول رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة العميد اللبناني المتقاعد هشام جابر لموقع "التلفزيون العربي": إنّ العمليات ضدّ إسرائيل في جنوب لبنان تصاعدت بكثافة لغاية العام 2000، مشيرًا إلى أن العام 1993 شهد حصول عمليات كثيرة بلغ عددها 423 عملية أسفرت عن مقتل 76 شخصًا من الإسرائيليين ومن جنود جيش لبنان الجنوبي (32 إسرائيليًا و37 جنديًا من جيش لبنان الجنوبي) بالإضافة إلى 222 جريحًا.
يقول جابر إن معركة التحرير كانت مهمة جدًا حتى العام 2000، مشيرًا إلى أن الضربات التي وجهتها "المقاومة اللبنانية" ضد الجيش الإسرائيلي، أدت إلى خسائر جمة في صفوفه، ويضيف: "بعد العام 1993، انسحب الجيش الإسرائيلي من منطقة شمال الليطاني في جنوب لبنان بعدما تلقى ضربات كثيرة لاسيما على تلة سجد وطلوسة".
ويتابع: "حينها، كان حزب الله يقوم بتنفيذ عمليات كمائن وإغارة وتفجير عبوات ناسفة، وتدحرجت الأمور لغاية العام 2000. آنذاك، انسحب الجيش الإسرائيلي من الجنوب من دون إبلاغ العملاء التابعين له لاسيما جيش لبنان الجنوبي".
وبالفعل، خرجت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وقد جاء ذلك بعدما شهد الصف الداخلي الإسرائيلي آراء داعية للخروج من لبنان، وقد لعبت إحدى الحركات الإسرائيلية دورًا جماهيريًا وإعلاميًا كبيراً في هذا السياق وهي حركة "الأمهات الأربع"، نسبة إلى 4 أمهات لجنود إسرائيليين دعين تل أبيب للانسحاب من لبنان فورًا.
وبحسب المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، فإنه خلال دعايته الانتخابية لرئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 1999، وعد إيهود باراك، زعيم حزب العمل الإسرائيلي آنذاك، بأنه سيسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان فورًا بعد فوزه بالانتخابات. في مقابل ذلك، بدأت الثقة تهتز بين الجانب الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي الذي رأى أن خطة الانسحاب التي وضعتها تل أبيب، ستقضي عليه، وستؤدي حكمًا إلى تفككه ووقوعه تحت قبضة "حزب الله".
وعليه، اتخذ جيش لبنان الجنوبي، سلسلة من الخطوات ليتفادى بعض الأضرار، وقام بتفكيك مجموعة تحصينات قبل تنفيذ إسرائيل انسحابها عام 2000. وفي مايو 2000، برز الانسحاب الإسرائيلي بوتيرة كبيرة لاسيما بين يومي 24 و 25 مايو، حتى تمركزت القوات الإسرائيلية عند الحدود الدولية بين إسرائيل ولبنان.
وفي ما خصّ أفراد جيش لبنان الجنوبي، فقد حاول الكثير منهم الفرار إلى إسرائيل مع الانسحاب، فيما غادر آخرون إلى أستراليا وكندا وأميركا بعدما مكثوا في إسرائيل إثر هربهم من لبنان.
ومن أبرز المشاهد التي حفرت في الذاكرة اللبنانية خلال التحرير في مايو 2000 هو قيام لبنانيين بالدخول إلى معتقل بلدة الخيام الحدودية في جنوب لبنان، والذي أقامته إسرائيل وسجنت فيه العشرات من اللبنانيين. حينها، جرى تحرير جميع الأسرى من المعتقل، فيما أزيلت العوائق والحواجز التي كانت موجودة عند الطرقات المؤدية إلى منطقة الشريط الحدودي، ليتحقق بذلك "تحرير الجنوب عام 2000".
2025.. احتلال جديد جنوبي لبنان
إثر تحرير جنوب لبنان عام 2000، وتحديداً بعد 6 سنوات، أي في العام 2006، نفذ "حزب الله" عملية أسر جنديين إسرائيليين في خلة وردة ببلدة عيتا الشعب اللبنانية الحدودية.
بعد تلك العملية التي حصلت يوم 12 يوليو/ تموز 2006، شنت إسرائيل حربًا عسكرية ضد لبنان استمرت 33 يومًا، وانتهت بإبرام القرار 1701 الذي نصَّ على وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل.
ومنذ ذلك الحين، لم تندلع أي حرب بين لبنان وإسرائيل رغم حصول بعض المناوشات الحدودية البسيطة بين "حزب الله" والجيش الإسرائيلي حتى أكتوبر 2023. حينها، فتح الحزب ما أسماها "جبهة إسناد" لغزة بعدما شنت إسرائيل حربًا عليها اعتبارًا من يوم 7 أكتوبر من العام المذكور.
ومنذ اندلاع شرارة الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، بدأت العمليات الحربية، فأطلق "حزب الله" الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية وتمكن من قصف تل أبيب. من جهتها، نفذت إسرائيل هجمات على قرى وبلدات ومدن الجنوب اللبناني، كما قصفت الضاحية الجنوبية لبيروت لتنفيذ عمليات اغتيال طالت قادة من الحزب.
كل ذلك بقي ضمن إطار العمليات المحدودة التي أدت إلى نزوح سكان القرى والبلدات الحدودية، لكن في 23 سبتمبر/ أيلول 2024، وسعت إسرائيل حربها ضد لبنان وتحديدًا بعد تنفيذها عملية تفجير أجهزة "البيجر" المحمولة من قبل عناصر "حزب الله" وذلك في الشهر المذكور نفسه. وقد أدّت هذه الحادثة إلى سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى.
وفي الأول من أكتوبر 2024، شنت إسرائيل هجومًا بريًا ضد لبنان، فاحتلت عددًا من القرى والبلدات الحدودية حتى وصلت إلى ضفاف نهر الليطاني إلى حين إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أميركية – فرنسية يوم 27 نوفمبر/ تشرين الثاني.
وعمليًا، فقد جرى اعتبار تلك الحرب بمثابة ضربة كبيرة لـ"حزب الله" بعدما مُني خلالها بخسائر كبيرة عسكرية وقيادية وأدت إلى اغتيال أمينه العام السابق وزعيمه التاريخي حسن نصر الله يوم 27 سبتمبر 2024. كما أدت هذه الحرب إلى موافقة الحزب على الانسحاب من منطقة جنوب نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني هناك للإمساك بالأمن، وذلك عملاً بالقرار 1701 واتفاقية وقف إطلاق النار.
وفي فبراير الماضي، أكملت إسرائيل سحب معظم قواتها من لبنان، لكنها بقيت متمركزة في 5 تلال إستراتيجية في جنوب لبنان وهي: تلة الدواوير، تلة الحمامص، جبل الدير، جبل بلاط وتلال اللبونة. وعليه، فإن هذه التلال تعتبر محتلة من قبل إسرائيل، في حين أن الأخيرة ما زالت تواصل غاراتها الجوية ضد مناطق وقرى جنوب لبنان وأعنفها كان خلال شهر مايو/ أيار الجاري، حينما استهدفت إسرائيل منطقة النبطية بأكثر من 30 غارة جوية.
الدولة اللبنانية أكدت موقفها المتمسك بانسحاب إسرائيل من هذه التلال الـ5، والأمر نفسه يتحدث عنه "حزب الله" الذي يعتبر أن لبنان يعيش احتلالًا إسرائيليًا جديدًا ويجب إنهاؤه فورًا.