رؤساء سوريا من 1961 حتى 1971.. الطريق إلى حكم الأسد
حكم جمال عبد الناصر سوريا ثلاث سنوات، حين كان اسمها "الإقليم الشمالي" في الجمهورية العربية المتحدة، من فبراير/ شباط 1958 وحتى سبتمبر/ أيلول 1961.
بعد نهاية دولة الوحدة، حاولت الطبقة السياسية السورية استعادة الحياة الديمقراطية من دون جدوى، فالبلاد دخلت مرحلة اضطرابات سياسية لنحو عشر سنوات، تخلّلتها انقلابات عسكرية، ووصول حزب البعث إلى الحكم.
توالى على رئاسة الدولة في تلك المرحلة عدة شخصيات مدنية وعسكرية، إلى أن أحكم حافظ الأسد قبضته على السلطة، وأصبح رئيسًا للجمهورية من عام 1971 وحتى وفاته عام 2000. فمن هم رؤساء سوريا بين عامي 1961 و1971؟
أولاً - "عهد الانفصال" (1961 - 1963)
انتهت الوحدة السورية المصرية، ورئاسة عبد الناصر لسوريا، بانقلاب قاده الضابط الدمشقي عبد الكريم النحلاوي صباح 28 سبتمبر/ أيلول 1961.
أعلنت قيادة الانقلاب تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة مأمون الكزبري، وهو وزير سابق تولّى رئاسة المجلس النيابي في عهد أديب الشيشكلي. لم تستمر حكومة الكزبري طويلًا، وخلفه الأكاديمي عزة النص، الذي تولّى، إضافة إلى رئاسة الحكومة المؤقتة، مهام رئيس الدولة بالوكالة لأربعة وعشرين يومًا.
حينها أصدرت الحكومة دستورًا مؤقتًا من ثماني مواد، تغيّر بموجبه اسم الدولة من "الجمهورية السورية"، وفق ما كان منذ الاستقلال، إلى "الجمهورية العربية السورية"، وجرت انتخابات مجلس تأسيسي في ديسمبر/ كانون الأول 1961، وانتخب المجلس ناظم القدسي رئيسًا للجمهورية.
ناظم القدسي (1906 - 1998)
وُلد ناظم القدسي في حلب عام 1906، كان أبوه قاضيًا في محكمة الجنايات، وجدّه قاضيًا ونقيبًا للأشراف وأول رئيس لبلدية حلب. تلقّى تعليمه الأساسي في مدارس حلب، وحصل على الثانوية العامة في بيروت، ثم التحق بمعهد الحقوق في الجامعة السورية، قبل أن يسافر لمتابعة دراسته في أوروبا، وينال دكتوراه في القانون الدولي من جامعة جنيف سنة 1929.
بعد عودته إلى حلب، شارك القدسي في أنشطة الكتلة الوطنية ضد الانتداب الفرنسي، وترشّح على قائمتها للانتخابات النيابية عام 1936، واستمر نائبًا عن حلب لعدة دورات برلمانية، وانتُخب رئيسًا للمجلس النيابي أكثر من مرة، وشارك في تأسيس حزب الشعب عام 1947.
عيّنه الرئيس شكري القوتلي سنة 1945 وزيرًا مفوّضًا لسوريا في الولايات المتحدة لمدة عام، وعضوًا في الوفد السوري الذي وقّع على ميثاق تأسيس الأمم المتحدة. ورفض التعاون مع الحكم الجديد بعد انقلاب حسني الزعيم أواخر مارس/ آذار 1949، وحين سقط الزعيم وشكّل الرئيس هاشم الأتاسي الحكومة، اختير القدسي لوزارة الخارجية، وبعد تولّي الأتاسي رئاسة الجمهورية، كلّفه بتشكيل الحكومة.
احتفظ القدسي بحقيبة الخارجية أثناء رئاسته الحكومة، وتقدّم لجامعة الدول العربية بمشروع اتحاد عربي فيدرالي مطلع عام 1951، مستندًا إلى علاقاته الطيبة مع مختلف الزعماء العرب، ومنهم الحكّام الهاشميون في بغداد وعمّان، والذين كانت صلات حزبه بهم سببًا في توتّر علاقته بقيادة الجيش، فضلًا عن خلافاته مع العسكر في مسائل داخلية، فاستقال في مارس/ آذار 1951.
وقع انقلاب أديب الشيشكلي أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 1951، واعتُقل القدسي بضعة أيام، ثم غادر إلى حلب وبقي تحت الإقامة الجبرية ثلاثة أشهر، وبعد سقوط الشيشكلي واستعادة الحياة الدستورية سنة 1954، عاد القدسي لرئاسة المجلس النيابي، وبقي حتى عام 1957. وخلال الوحدة السورية-المصرية، آثر الابتعاد عن السياسة والتفرّغ لأعماله الخاصة، فعمل رئيسًا لبنك العالم العربي حتى انتخابه رئيسًا للجمهورية.
خلال تولّيه رئاسة الجمهورية، حاول القدسي إبعاد الجيش عن السياسة، لكنّ النحلاوي وكبار معاونيه لم يتوقّفوا عن التدخل في عمل الحكومة من خلال "مجلس الأمن القومي" الذي شكّلوه في ظل الحكومة المؤقتة.
قاومت القوى السياسية تسلّط الضباط، وطُرحت مسألة الحريات السياسية والديمقراطية في جلسات مجلس النواب، فردّت مجموعة النحلاوي بانقلاب جديد في 28 مارس/ آذار 1962، واعتقلوا النواب والوزراء، وضغطوا على رئيس الجمهورية لحل البرلمان، وعندما رفض اعتقلوه أيضًا.
بعد ثلاثة أيام، حاولت مجموعة ضباط ناصريين وبعثيين وغيرهم تنفيذ انقلاب مضاد انطلاقًا من حلب، سعيًا لإعادة الوحدة مع مصر، لكن مساعيهم فشلت. وانتهت تلك الفوضى بتفاهم كبار الضباط على إعادة تشكيل قيادة الجيش، وإبعاد المسؤولين عن الأحداث، كالنحلاوي وأعوانه.
تحرّك الشارع السوري رفضًا لمغامرات العسكر، وخرجت تظاهرات شعبية تطالب بإطلاق سراح رئيس الجمهورية والسياسيين المعتقلين، ما شكّل تحدّيًا للحكم العسكري، وتأكيدًا على رغبة الشعب في وضع حدّ لتدخّل الجيش في السياسة. ورغم عودة رئيس الجمهورية لممارسة مهامه، ومحاولة إعادة الحياة الدستورية إلى طبيعتها، استمرّت الاضطرابات السياسية، وكذلك داخل الجيش، وصولًا إلى يوم 8 مارس/ آذار 1963، والانقلاب البعثي الناصري، الذي أنهى حكم الرئيس القدسي.
اعتقل الانقلابيون الرئيس القدسي سبعة أشهر، وبعد الإفراج عنه اختار المنفى واعتزال السياسة، فغادر إلى بيروت، وعاش فيها حتى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. تنقّل بعدها بين دول عربية وأوروبية، وكانت محطته الأخيرة الأردن، حيث توفّي في عمّان ودُفن فيها عام 1998.
ثانيًا - بدايات الحكم البعثي (1963 - 1966)
يؤرَّخ لبداية الحكم البعثي في سوريا بانقلاب 8 مارس/ آذار 1963، والذي تسمّيه الأدبيات البعثية "ثورة الثامن من آذار". غير أنّه قبل إقصاء الضباط البعثيين شركاءهم تدريجيًا لينفردوا بالسلطة، كانت عملية إسقاط ما يسمّى حكم الانفصال نتاج عمل مشترك، نفّذته مجموعة ضباط من مختلف المشارب والانتماءات السياسية (بعثيون وناصريون ومستقلون)، شكّلوا "المجلس الوطني لقيادة الثورة"، وضمّ ممثلين عن تلك الفئات، ليقود البلاد بصلاحيات تشريعية وتنفيذية كاملة، ووقع اختيارهم على العقيد لؤي الأتاسي ليكون قائدًا للجيش، ورئيسًا للمجلس المذكور.
لؤي الأتاسي (1926 - 2003)
وُلد لؤي الأتاسي في حمص عام 1926. انتسب إلى الكلية العسكرية، وتخرّج فيها عام 1947، ثم شارك في حرب فلسطين وتعرّض لإصابة. تولّى قيادة الشرطة العسكرية في حلب مطلع الخمسينيات، وشارك في الانقلاب الذي أسقط نظام الشيشكلي سنة 1954.
أيّد الأتاسي الوحدة السورية المصرية، وعارض الانفصال، وبعد انقلاب النحلاوي الثاني كان العقيد الأتاسي أحد قادة الضباط الوحدويين الذين تمرّدوا في حلب لاستعادة الوحدة، وعلى إثرها أُرسل إلى الولايات المتحدة الأميركية ملحقًا عسكريًا في السفارة السورية بواشنطن، إلى أن استُدعي مجددًا مطلع عام 1963 للتحقيق في الأحداث السابقة، وأُودِع السجن، حتى يوم انقلاب 8 مارس/ آذار 1963، حين قرّر الانقلابيون إخراجه من السجن، ومنحوه رتبة فريق، وعيّنوه قائدًا للجيش والقوات المسلحة، ورئيسًا لمجلس قيادة الثورة، أعلى سلطة في البلاد.
يعود اختيار لؤي الأتاسي على رأس مجلس "ثورة" لم يشترك فيها إلى الخلافات بين كتل الضباط الحزبيين على توزيع المناصب؛ فهو لا ينتمي لأي من الكتل المتناحرة، ولا يشكّل خطرًا عليها، ومن ثمّ على السلطة الجديدة، بقدر ما وجد الضباط فيه واجهة ملائمة تخفي ما بينهم من تباينات مصلحية وأيديولوجية، فضلًا عن كونه سنّيًا ومن عائلة سياسية معروفة، في حين أنّ قادة الانقلاب ضباط برتب صغيرة ينحدر معظمهم من الأرياف والأقليات الدينية.
كانت الأشهر القليلة من القيادة الشكلية للأتاسي حافلة بالأحداث؛ فقد صدرت قرارات العزل المدني بحق أبرز السياسيين ورجال الدولة السوريين في العهود السابقة، إضافة إلى تسريح مئات الضباط من مختلف الرتب والتوجهات السياسية.
وفي عهده تنامت سيطرة البعثيين على السلطة، وجرت محادثات ثلاثية من أجل وحدة تضم مصر وسوريا والعراق، الذي استولى البعثيون فيه على الحكم قبل شهر من رفاقهم السوريين. وفي 17 أبريل/ نيسان 1963، وقّع الفريق لؤي الأتاسي مع جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء العراقي أحمد حسن البكر ميثاق "جمهورية عربية متحدة" جديدة، تضم الدول الثلاث في صيغة اتحاد، وليست وحدة اندماجية على طريقة الوحدة السورية المصرية السابقة.
نصّ الميثاق على إنشاء مكتب سياسي يحكم سوريا والعراق خمسة أشهر قبل إجراء استفتاء شعبي، لكنّ العلاقة توتّرت بين البعثيين وبقية الأطراف من ناصريين وقوميين عرب ووحدويين اشتراكيين نتيجة الخلاف على توزيع مقاعد المكتب.
استقال الناصريون من مناصبهم في السلطة السورية احتجاجًا على الهيمنة البعثية، فتوجّه الرئيس لؤي الأتاسي إلى مصر بهدف لقاء عبد الناصر وتهدئة الأمور، لكنّه استقال بعد أيام من وقوع محاولة انقلابية نفّذها ضباط ناصريون في دمشق يوم 18 يوليو/ تموز 1963، وانتهت إلى فشل ذريع؛ إذ سُحقت سحقًا دمويًا على يد اللواء أمين الحافظ رئيس الأركان، الذي جرى تعيينه محلّ الأتاسي.
وبعد تنحيه عن مناصبه، اعتزل لؤي الأتاسي السياسة، وتوفي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2003، وشيّعته مدينته حمص بحضور رسمي تقدّمه ممثل عن رئاسة الجمهورية وعدد من كبار المسؤولين والضباط.
أمين الحافظ (1921 - 2009)
وُلد محمد أمين الحافظ في حلب سنة 1921، واهتم منذ يفاعته بالسياسة، فشارك في المظاهرات المناهضة للانتداب الفرنسي، وتعرّض للاعتقال على خلفية نشاطه السياسي، والذي أدّى أيضًا إلى رفض قبوله في الكلية العسكرية بحمص حتى عام 1946، ليتخرج منها بعد عامين، ويلتحق مباشرة بالقوات السورية في الجبهة الفلسطينية.
بعد حرب فلسطين 1948، بقي يخدم في القطعات المنتشرة على الجبهة، وفي فبراير/ شباط 1954 شارك وهو برتبة نقيب في الانقلاب على حكم أديب الشيشكلي؛ إذ سيطر على مراكز عسكرية في درعا واعتقل محافظها. بعد عامين، تابع دراسته العسكرية العليا في كلية الأركان بمصر، وعند عودته إلى سوريا عُيّن مديرًا للكلية الحربية بحمص سنة 1957.
كان أمين الحافظ من الضباط المؤيدين للوحدة مع مصر، وخدم فيها أثناء فترة الوحدة، إلى أن أوفدته حكومة الانفصال ملحقًا عسكريًا في الأرجنتين. وعندما وقع انقلاب 8 مارس/ آذار 1963، استُدعي إلى سوريا، ليصبح عضوًا في مجلس قيادة الثورة ثم وزيرًا للداخلية ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء؛ لأنّ منفذي الانقلاب، وخصوصًا الضباط البعثيين، أرادوا الاستعانة بشخصيات عسكرية من الأكثرية السنّية.
وهكذا، رُقّي الحافظ في يوليو/ تموز إلى رتبة لواء، وأُضيفت إلى مناصبه السابقة رئاسة الأركان ووزارة الدفاع بالوكالة، فكان دوره حاسمًا في التصدّي لمحاولة الناصريين الانقلابية، وبعد استقالة الفريق لؤي الأتاسي خلفه الحافظ في رئاسة المجلس الوطني لقيادة الثورة، وشكّل حكومته الأولى في نوفمبر/ تشرين الثاني 1963.
وفي فبراير/ شباط 1964، أصبح الحافظ عضوًا في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، أعلى سلطة سياسية في النظام البعثي، وبعد شهرين أصدر مرسومًا بمنح نفسه رتبة فريق.
شهدت سوريا في مارس/ آذار 1964 مظاهرات وأعمال عنف مناهضة للحكّام الجدد، كان أشدّها عنفًا في مدينة حماة، وعُرفت بـ"أحداث جامع السلطان"، حيث جرت اشتباكات مسلّحة بين عناصر إسلامية وقوات الحكومة التي يشرف عليها الحافظ، أسفرت عن قتلى وجرحى من الطرفين، قبل أن تنجح السلطة في السيطرة على الموقف واعتقال بعض القياديين الإسلاميين.
تشكّل مجلس رئاسة من خمسة أعضاء بموجب الدستور المؤقت الذي أصدرته السلطة البعثية، وسُمّي أمين الحافظ رئيسًا للمجلس في مايو/ أيار 1964. وبعد أن كان يوقّع المراسيم والقرارات بصفته رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة، أصبح يصدرها باسم "رئيس مجلس الرئاسة"، ويستقبل الوفود الرسمية ويمثّل سوريا في المحافل الدولية بوصفه رئيسًا للدولة، إلى أن انتهت رئاسته نتيجة انقلاب عسكري في 23 فبراير/ شباط 1966.
جاء الانقلاب تتويجًا لصراع محتدم على السلطة بين القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث، حسمته الأخيرة لصالحها بالحديد والنار. احتلّ الانقلابيون مباني الإذاعة والهاتف وقيادة الجيش، واعتقلوا خصومهم من كبار قادة الحزب. وهاجمت وحدة من المغاوير تدعمها الدبابات منزل الرئيس أمين الحافظ الموالي للقيادة القومية، فدافع مع حراسه بشجاعة واستمرّوا في القتال حتى نفدت الذخيرة، وقُتل وجُرح معظم الحرّاس، وأُصيب أطفال الحافظ، فاضطرّ للاستسلام واقتيد إلى السجن.
خلافًا لما جرت عليه عادة الانقلابات السورية، لم يصدر بيان عن الجيش أو أي مجلس عسكري أو ثوري، وإنّما صدر قرار من "القيادة القطرية المؤقتة" لحزب البعث قضى بحلّ المجلس الوطني للثورة ومجلس الرئاسة ووقف العمل بالدستور. وصدر القرار الثاني بتعيين نور الدين الأتاسي رئيسًا للدولة، ليكون ثالث من يتولى المنصب من آل الأتاسي.
بقي أمين الحافظ معتقلًا حتى صيف عام 1967، وبعد إطلاق سراحه غادر إلى لبنان، ومنه إلى العراق، وبقي فيه حتى سقوط بغداد، فعاد إلى سوريا عام 2003، وعومل من قبل السلطات كرئيس سابق، وأمضى سنواته الأخيرة في حلب، وتوفّي في ديسمبر/ كانون الأول 2009.
ثالثًا - نظام البعث بعد انقلاب 23 شباط (1966 - 1970)
نور الدين الأتاسي (1929 - 1992)
هو أحمد نور الدين الأتاسي، وُلد في حمص عام 1929، ودرس في مدارسها، وشارك في مظاهرات أهلها ضد الفرنسيين، واعتُقل بتهمة توزيع منشورات تحرّض الطلبة على العصيان.
درس الطب في جامعة دمشق، وانتسب إلى حزب البعث، وأصبح ممثّلًا لمنظمة الحزب الطلابية. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1952 شارك بتظاهرة ضد الشيشكلي، تخلّلتها مواجهات مع الشرطة التي اقتحمت الجامعة واعتقلت الأتاسي ورفاقه. وعند رفضهم التعهّد بترك العمل السياسي، اقتيدوا إلى سجن تدمر الصحراوي عدة أشهر، أُعيدوا بعدها إلى سجن المزة بدمشق، حيث أضربوا عن الطعام حتى أُفرج عنهم. وأصبح نشاط الأتاسي الحزبي سريًا حتى سقوط الشيشكلي عام 1954.
تخرّج الأتاسي طبيبًا عام 1955، والتحق بالخدمة العسكرية الإلزامية في العام التالي أثناء العدوان الثلاثي على مصر، ثم تطوّع في دعم الثورة الجزائرية بصفته طبيبًا، حتى عودته إلى سوريا بعد إعلان الوحدة السورية المصرية، فتخصّص في الجراحة العامة، ثم انتقل إلى حمص وعمل في المستشفى الوطني وفي عيادته الخاصة حتى انقلاب مارس/ آذار 1963.
أصبح نور الدين الأتاسي عضوًا في القيادة القطرية لحزب البعث، وعُيّن وزيرًا للداخلية ونائبًا للحاكم العرفي ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء. وكان عضوًا في مجلس الرئاسة منذ مايو/ أيار 1964 حتى انقلاب فبراير/ شباط 1966، حين أُسندت إليه رئاسة الدولة خلفًا للفريق أمين الحافظ. وبعد المؤتمر القومي التاسع للحزب في أكتوبر/ تشرين الأول 1966، اختير الأتاسي أمينًا عامًّا للحزب، واللواء صلاح جديد أمينًا عامًّا مساعدًا، لكنه كان المتحكّم الفعلي بشؤون الحزب، في حين سيطر حافظ الأسد على القوات المسلحة.
من أبرز الأحداث في عهد الأتاسي التوقيع على اتفاقية إنشاء سد الفرات بين سوريا والاتحاد السوفييتي، والشروع ببناء السد. وعلى الصعيد العسكري، وقعت هزيمة يونيو/ حزيران 1967، وفي الجانب الأمني صدر مرسوم إنشاء "إدارة أمن الدولة" الذي يحمي العاملين فيها من الملاحقة والمساءلة "عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات الموكولة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير".
كما وضعت القيادة القطرية "الدستور المؤقت" عام 1969، وعُرف بـ"دستور البعث"، حيث أضفت المادة (7) الطابع الرسمي على حكم البعث، فنصّت على أنّ "الحزب القائد في الدولة والمجتمع هو حزب البعث العربي الاشتراكي"، وحدّدت المادة (10) مهمتين للقوات المسلحة، هما سلامة أرض الوطن ضد أي هجوم خارجي، و"حماية أهداف الثورة الوحدوية الاشتراكية"، أي حماية حكم حزب البعث، وهي سابقة لم تحصل رغم الانقلابات الكثيرة الماضية، فأصبح مبدأ الجيش العقائدي الموالي للبعث ذا طابع دستوري.
عندما اشتدّ خلاف الأسد وصلاح جديد على السلطة، انحاز الرئيس نور الدين الأتاسي إلى جديد، وبلغت الأمور ذروتها بانقلاب الأسد المسمّى "الحركة التصحيحية" في نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، فاعتُقل الأتاسي وجديد وأعضاء القيادة الآخرين.
بقي الأتاسي محتجزًا من دون تهمة أو محاكمة منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 1970 وحتى إطلاق سراحه في أغسطس/ آب 1992 لأسباب صحية، نُقل بعدها إلى فرنسا للعلاج بعد فوات الأوان وتفشّي السرطان في جسده، وتوفّي في باريس في ديسمبر/ كانون الأول 1992.
بعد إطاحة الأتاسي، لم يتولَّ الأسد الرئاسة مباشرة، بل أوعز للقيادة القطرية المؤقتة التي شكّلها بعد الانقلاب بتعيين أحمد الخطيب رئيسًا مؤقتًا.
أحمد الخطيب (1933 - 1982)
وُلد أحمد حسن الخطيب في درعا عام 1933. حصل على الثانوية العامة في دمشق، والتحق بالجامعة السورية، ونال إجازة في الأدب العربي سنة 1955، ثم شهادة أهلية التعليم 1956، وعمل مدرسًا في مدارس دمشق ودرعا.
اهتمّ الخطيب بالسياسة، وانتسب إلى حزب البعث. وبعد انقلاب مارس/ آذار 1963، عُيّن نقيبًا للمعلمين وبقي كذلك حتى عام 1969. سُمّي عضوًا في المجلس الوطني للثورة سنة 1965، وفي بداية العام التالي أصبح عضوًا في مجلس الرئاسة الذي كان يرأسه أمين الحافظ، حتى انقلاب 23 فبراير/ شباط 1966.
بعد نجاح انقلاب حافظ الأسد، شكّل قيادة قطرية مؤقتة ضمّ إليها أحمد الخطيب، وسارعت إلى تعيين رئيس للدولة من بين أعضائها، وأوعزت بتسمية الخطيب رئيسًا مؤقتًا للدولة في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، إلى أن استقال من منصب الرئيس المؤقت في فبراير/ شباط 1971، وعُيّن رئيسًا لمجلس الشعب مع استمرار عضويته في القيادة القطرية. تُوفي في دمشق عام 1982.
بعد استقالة الخطيب سنة 1971، تولّى حافظ الأسد الرئاسة إثر ترشيحه للمنصب من قبل القيادة القطرية المؤقتة التي شكّلها، وموافقة مجلس الشعب الذي عيّنه، واستفتاء الشعب عليه، ثم شرع في تأسيس نظامه الاستبدادي العائلي الذي استمر لأكثر من نصف قرن، وانتهى بدمار سوريا.
المصادر:
-
كريم أتاسي، سوريا قوّة الفكرة المشروع الوطني والهندسات الدستورية للأنظمة السياسية، ترجمة معين رومية، ط1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2022)
-
كمال ديب، تاريخ سورية المعاصر، ط1، (بيروت: دار النهار، 2011)
-
باتريك سيل، الأسد الصراع على الشرق الأوسط، ط10 (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2007)
-
مسعود الخوند، الموسوعة التاريخية الجغرافية، الجزء العاشر – سورية، د. ط. (بيروت: مؤسسة هانياد، د. ت.)
-
تقارير منظمة العفو الدولية