Skip to main content

رابطة الكتّاب الأردنيين عشية انتخاباتها.. ماضٍ ذهبي يطلّ على حاضر بائس

الخميس 16 أبريل 2026
تعتبر رابطة الكتاب من ابرز الهيئات الشعبية في الدفاع عن حرية التعبير- مواقع التواصل

قبل أيام قليلة من انتخابات رابطة الكتّاب الأردنيين المقررة في 24 من الشهر الجاري، أصدر عدد من المثقفين الأردنيين بيانًا شديد اللهجة، نعوا فيه "واقع الحريات" في البلاد التي قالوا إنها تشهد تراجعًا مقلقًا.

وجاء في البيان أن الوضع أصبح أسوأ مما كان عليه في حقبة الأحكام العرفية (العسكرية) التي أُلغيت في البلاد عام 1992

وأشار البيان إلى قانون الجرائم الإلكترونية، الذي حوكم بموجبه العديد من الناشطين، بالإضافة إلى ما قالوا إنه استهداف ممنهج للأحزاب والنقابات المهنية، وصولًا إلى رابطة الكتّاب الأردنيين التي جرى الضغط عليها "لإخضاع أنشطتها وندواتها الداخلية لموافقة الحاكم الإداري، في سابقة لم تعرفها الرابطة طوال تاريخها، ولا حتى في أشد مراحل الأحكام العرفية"، وفقًا للبيان.

وتُجرى انتخابات الهيئة الإدارية لرابطة الكتّاب الأردنيين في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، وسط جدل يتصاعد بين الكتل الرئيسية المتنافسة على مقاعد الهيئة الإدارية الأحد عشر، وانسحاب كتل أخرى جراء ما تصفه بتدخل الأجهزة الأمنية في الانتخابات.

ودعا بيان المثقفين الأردنيين السلطات المحلية إلى "رفع يدها عن رابطة الكتّاب"، وقال إن الجهات الأمنية استدعت مرشحين لانتخابات الرابطة والضغط عليهم لسحب ترشيحاتهم لصالح قائمة بعينها، بما يهدّد بتفريغ الانتخابات من مضمونها، ويحوّل نتائجها إلى ما يشبه التعيين القسري، بحسب البيان. ولم يتسنَّ التأكد من حالات محددة للاستدعاءات الأمنية المشار إليها في البيان.


رابطة الكتّاب الأردنيين في الواجهة مجدّدًا


وشدّد البيان على أن التدخل الحكومي في انتخابات رابطة الكتّاب، أو وضع اليد عليها، من شأنه تقويض دورها في خدمة الثقافة والمثقفين.

وأشار البيان إلى الدور الذي لعبته الرابطة منذ تأسيسها عام 1974 في تعزيز حرية الرأي والتعبير في البلاد، واحتضان الأنشطة الثقافية والدفاع عن حقوق الكتّاب والمثقفين، ما أكسبها مكانة مرموقة واحترامًا واسعًا في الأردن والمنطقة.

وشدّد البيان، الذي وقّعته عشرات الشخصيات الثقافية، ومن بينهم رؤساء حاليون وسابقون لرابطة الكتّاب، على ضرورة النأي بالرابطة عن أي تدخل يمسّ حيادها، ودعا إلى ضمان توفير بيئة نزيهة وشفافة وعادلة للانتخابات، بما يكفل تكافؤ الفرص بين المرشحين ويحترم إرادة أعضاء الرابطة.

وتتنافس قائمتان على الفوز بمقاعد الهيئة الإدارية ومنصب رئيس رابطة الكتّاب، ضمن ورقة انتخابية واحدة، علمًا أن كتّابًا ومثقفين وناشطين طالبوا بفصل انتخاب رئيس الرابطة عن الهيئة الإدارية، لمنح الرابطة مرونة أكبر في تنظيم أنشطتها.

حتى تاريخ إعداد التقرير، فإن قائمتين فقط تتنافسان في الانتخابات المقبلة، هما:
  • التيار الثقافي الديمقراطي ويرأسه الباحث والأكاديمي رياض ياسين
  • قائمة توافق برئاسة الشاعر أكرم الزعبي، وهو محامٍ سبق أن ترأس الرابطة لدورتين متتاليتين من 2020 إلى 2024.
تتنافس قائمتان في انتخابات رابطة الكتّاب الأردنيين التي تأسست عام 1974.
وفي وقت سابق، انسحب من السباق الانتخابي تيارا "القومي" و"القدس".

انسحابات واتهامات للحكومة الأردنية


وقال تيار القدس، الذي فاز بأكثر من نصف مقاعد الهيئة الإدارية لرابطة الكتّاب، بالإضافة إلى منصب الرئيس في انتخابات 2024، إن تدخلات حكومية دفعته إلى الانسحاب من السباق الانتخابي.

وقال التيار إن هناك ضغوطًا وصفها بأنها غير مسبوقة على الرابطة، تهدف إلى ربط الدعم المالي الحكومي لها بالخضوع لشروط منصة أنشأتها الحكومة نهاية عام 2023، تطلب من الرابطة وسواها من الجمعيات الحصول على موافقة مسبقة قبل إقامة فعالياتها الثقافية.

ووصف بيان تيار القدس "المنصة" بأنها أداة رقابة، وقال إن الخضوع لها يقوّض استقلالية الرابطة.

وبحسب أعضاء في الرابطة، فقد منعت المنصة عددًا من فعاليات رابطة الكتّاب.

وقال رئيس الرابطة موفق محادين (تيار القدس) إن ربط ما سمّاها "المعركة الثقافية ضد المنصة وإملاءاتها" بالمنطق الثقافي والوطني يمنح الرابطة شرعية الرسالة التي تأسست من أجلها.


موفق محادين رئيس رابطة الكتّاب الأردنيين وتيار القدس

وأشار محادين، في بيان نشره على صفحته في فيسبوك، إلى ما وصفها بمحاولات لترويض الرابطة، قائلًا إن جهات من خارج الرابطة تسعى إلى "الإطباق عليها وإفراغها من تاريخها ومضمونها، وإلحاقها بنادي الهيئات المُروّضة ومواقفها الرخوة إزاء الحرية والسوية الثقافية والتطبيع مع العدو الصهيوني".


تيار القدس ومناصرة محور المقاومة


يشار إلى أنّ تيار القدس الذي ينتمي إليه محادين مناصر لمحور المقاومة في المنطقة، وغالبًا ما يُتهم بتسييس الرابطة والترويج لهذا المحور على حساب المشاغل الثقافية.

ويرى منتقدوه أن تراجع نفوذ هذا المحور بعد اغتيال حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، في سبتمبر/ أيلول 2024 وسقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، وأخيرًا الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، أضعفت تيار القدس. ويقول هؤلاء إنّ فرص فوز تيار القدس تراجعت بشكل كبير جراء المتغيّرات في المنطقة.

ويرون أن هدف انسحاب التيار من خوض الانتخابات حفظ ماء الوجه، ومحاولة تقمّص دور ضحية التضييق على الحريات، وإلا فلم لم يقدّم ممثلو هذا التيار استقالاتهم من الهيئة الإدارية للرابطة خلال السنتين الماضيتين اللتين شهدتا ربط إقامة الفعاليات الثقافية بالموافقة الرسمية.

وتأسست رابطة الكتّاب في حقبة الأحكام العرفية في البلاد في مايو/ أيار 1974 وفقًا لقانون الجمعيات وليس النقابات المهنية.

وأجرت أول انتخابات لها في يونيو/ حزيران من العام نفسه، وفاز برئاستها الشاعر الراحل عبد الرحيم عمر، وعضوية عدد من أبرز الكتّاب الأردنيين آنذاك، وهم خليل السواحري وسالم النحاس وروكس بن زائد العزيزي وهاني العمد وسليمان عرار وهاشم ياغي.


تعاقب عدة رؤساء على رابطة الكتاب كان أولهم الشاعر عبد الرحيم عمر- مواقع التواصل 

ويرتبط إنشاء الرابطة بانتحار واحد من أبرز الروائيين الأردنيين رغم قلة كتاباته، وهو الروائي والشاعر تيسير السبول، صاحب الرواية اليتيمة "أنت منذ اليوم" التي صدرت عام 1968، وفازت مناصفة مع رواية الكابوس لأمين شنّار بجائزة دار النهار اللبنانية للرواية العربية. 

وللسبول أيضًا ديون شعر وحيد هو "أحزان صحراوية" صدر عام 1968 عن دار النهار اللبنانية.


انتحار السبول وتأسيس الرابطة


في الخامس عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 1973 أقدم السبول (مواليد عام 1939) بإطلاق النار على رأسه في منزله بحي ماركا في العاصمة الأردنية عمّان.

وأحدث انتحاره صدمة كبيرة في الوسط الثقافي الأردني.

وبعد نحو أسبوع من انتحاره عقد نحو عشرين كاتبًا اجتماعًا في منزل صديقه القاص عدي مدانات لاستذكاره، وخلال اجتماعهم اقترح بعض الحضور تحويل انتحار الشاعر إلى انعطافة كبرى في البلاد، بإنشاء تجمّع للكتاب الأردنيين.


كان انتحار الروائي تيسير السبول من أسباب تأسيس رابطة الكتاب- مواقع التواصل 

عقدوا المجتمعون لاحقًا، في ديسمبر من العام نفسه، ندوة تحضيرية شارك فيها نحو أربعين كاتبًا وأكاديميًا، منهم محمود السمرة وعيسى الناعوري ومحمود سيف الدين الإيراني وعز الدين المناصرة، واتفقوا على اسم الرابطة ونظامها الداخلي.

وتكونت قائمة مؤسسيها من ثلاثة عشر كاتبًا، هم: محمود السمرة، عبد الرحيم عمر، خليل السواحري، سالم النحاس، جمال أبو حمدان، فواز طوقان، أمينة العدوان، هاشم ياغي، هاني العمد، سليمان عرار، روكس بن زائد العزيزي، عبد الرحمن ياغي، مفيد نحلة.

وفي مايو/ أيار 1974 حصلت الرابطة على الموافقة الرسمية للبدء بأنشطتها الثقافية.


إغلاق الرابطة في حقبة الأحكام العرفية


لعبت الرابطة دورًا كبيرًا وبالغ الأهمية في الحياة الثقافية في البلاد، في ظل الأحكام العرفية التي حظرت الأحزاب، ولسنوات طويلة كانت بؤرة العمل السياسي أيضًا.

وفي يونيو/ حزيران 1987 أصدر رئيس الوزراء الأردني زيد الرفاعي بصفته حاكمًا عسكريًا بموجب الأحكام العرفية، أمرًا بإغلاق الرابطة التي يقع مقرها في جبل اللويبدة في العاصمة الأردنية، ودعمت حكومته إنشاء اتحاد للكتّاب الأردنيين في وقت لاحق من العام نفسه.


إغلاق رابطة الكتاب واعتقال الروائي سالم النحاس عام 1987- مواقع التواصل 

أُغلقت الرابط وصودرت وثائقها كما اُعتقل بعض أعضائها ومن بينهم الروائي والسياسي سالم النحّاس.

وبرّرت الحكومة قرارها بتحوّل الرابطة إلى غطاء لنشاط الأحزاب اليسارية والقومية المعارضة، وتجاوز دورها الثقافي.

ومن مفارقات إغلاق الرابطة أن رئيسها آنذاك، خالد الكركي، أصبح وزيرًا فرئيسًا للديوان الملكي في ما بعد.

وأعيد فتح رابطة الكتاب عام 1989، بعد الانفراج السياسي في البلاد وتجميد العمل ببعض قرارات الأحكام العرفية، لكنّ عودة الرابطة لم يدفع السلطات لإغلاق اتحاد الكتّاب الذي انتهت أسباب إنشائه بإعادة فتح الرابطة، ما خلق ازدواجية في تمثيل الكتّاب ما زالت تعاني منها الحياة الثقافية الأردنية.  

ورغم تراجع دورها بعد التحوّل الديمقراطي في البلاد إلا أن الرابطة ظلت تحتفظ بقيمة رمزية عالية تتجاوز راهنها الحالي، ما يفسّر احتدام حدة التنافس على الفوز بهيئتها الإدارية ورئاستها كل عامين.

فالرابطة التي كانت توصف بالقلعة الثقافية وبيت الحريات والسقف الأعلى لحرية التعبير شهدت في السنوات الأخيرة تراجعًا كبيرًا في أنشطتها وفي حضورها في الفضاء العام.


تعثر صدور مجلة أوراق عن رابطة الكتاب بسبب أوضاعها المالية الصعبة - موقع الرابطة

وتزامن هذا مع توقفها عن إصدار الكتب لأعضائها وتعثّر إصدار مجلتها "أوراق"، وشيخوخة أعضائها وتضخّم عددهم الذي وصل إلى أكثر من ألف عضو، يقول منتقدوها إن مئات منهم وليس العشرات فقط لا علاقة لهم بالكتابة أو الإبداع، وأنهم "تسللوا" إلى الرابطة لغايات انتخابية.  

يحدث هذا بينما لا تقدّم الرابطة أي مزايا حقيقية لأعضائها على غرار بعض اتحادات الكتّاب في المنطقة، باستثناء تأمين صحي من الفئة الثالثة (أقل درجات التأمين). 

يُعطف على هذا توقفها عن طباعة الإنتاجات الإبداعية لأعضائها، في ظل أزمة مالية تعصف بها منذ سنوات، خاصة أن المبلغ المخصص لدعمها وتتلقاه من وزراة الثقافة لا يزيد عن 20 ألف دينار أردني (نحو 30 ألف دولار).

بالإضافة إلى نحو 10 آلاف دينار من وزارة المالية (نحو 14 ألف دولار)، وهي مبالغ لا تكاد تغطي المصاريف الأساسية للرابطة، ولا تؤهلها لتبني مشاريع ثقافية كبرى وحقيقية تليق بماضيها الذهبي ورأسمالها الرمزي الكبير.  

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة