في الرابع من يوليو/ تموز 2026، تقف الولايات المتحدة الأميركية أمام مرآة تاريخية عمرها 250 عامًا. فالمناسبة التي تُقدَّم رسميًا بوصفها احتفالًا بربع ألفية على إعلان الاستقلال، تبدو في عمقها اختبارًا لسؤال أقدم من الألعاب النارية والعروض العسكرية.
ماذا بقي من الوعد الذي وُلد عام 1776؟
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب برنامجًا واسعًا للاحتفال بالذكرى، حمل عنوان "Freedom 250"، ورافقته مشاريع لتجميل العاصمة واشنطن، من ترميم النوافير وتنظيف التماثيل وإعادة الاعتبار إلى بعض المعالم العامة، وصولًا إلى طرح فكرة تشييد قوس نصر ضخم يخلّد المناسبة.
لكن الواجهة الاحتفالية لا تلغي السؤال الأشد إلحاحًا. فهذه الذكرى لا تأتي في لحظة إجماع وطني، بل في بلد منقسم على ذاته، متوتر في ذاكرته، مرتبك في تعريف هويته، ومشغول بإعادة قراءة تاريخه المؤسس.
المفارقة التأسيسية.. حرية لا تشمل الجميع
حين صاغ توماس جيفرسون عام 1776 العبارة الشهيرة: "إن جميع البشر خُلقوا متساوين"، كان يكتب واحدة من أكثر الجمل حضورًا في التاريخ السياسي الحديث. غير أن من كتبها كان رجلًا يستعبد مئات البشر في مزارعه.
لم يكن الاستقلال الأميركي، عند ولادته، تحررًا شاملًا لكل من عاش على الأرض الأميركية. فقد كان وعد الحرية محكومًا بحدود العرق والجنس والملكية؛ فالعبودية بقيت قائمة، والنساء لم يكنّ جزءًا من الجماعة السياسية الكاملة، والسكان الأصليون لم يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب أرض وسيادة، بل كعقبة أمام توسع الجمهورية الناشئة.
هكذا نشأت أميركا وفي داخلها خطّان متوازيان: خط يعلن الحرية ويحوّلها إلى لغة كونية، وخط آخر يستثني من هذه الحرية ملايين البشر. ولم تكن هذه المفارقة تفصيلًا في الهامش، بل كانت جزءًا من البنية الأولى للجمهورية.
تزداد رمزية هذه المفارقة حين نتذكر أن كلمات جيفرسون نفسها عادت بعد قرنين تقريبًا في خطاب مارتن لوثر كينغ الابن وحركة الحقوق المدنية.
ففي ستينيات القرن العشرين، لم يكن الأميركيون السود يطالبون بوعد جديد، بل بإدخالهم أخيرًا في الوعد القديم. كانوا يذكّرون الدولة بلغتها الأولى، ويقولون لها إن المساواة التي كُتبت في الوثيقة لم تصل إلى الشوارع والمدارس وصناديق الاقتراع.
هل كفّرت أميركا عن خطيئتها الأولى؟
أمضت أميركا 250 عامًا وهي تصارع تناقضها المؤسس. وبالفعل، قطعت مسافات هائلة على امتداد 250 عامًا. أُلغيت العبودية بعد حرب أهلية دامية، وتوسعت الحقوق الدستورية، وخاض الأميركيون السود والنساء والمهاجرون والسكان الأصليون معارك طويلة للاعتراف والمساواة والتمثيل.
لكن، بعد 250 عامًا، لا يبدو أنّ الجرح اندمل تمامًا؛ إذ لا يزال السؤال قائمًا: هل عالجت أميركا جذور المفارقة التأسيسية، أم أعادت إنتاجها بأشكال جديدة؟
إن المساءلة هنا تكشف أن التحرر الأميركي لم يكن حدثًا ناجزًا، بل صراعًا مستمرًّا ومريرًا لا يزال يدور في الشوارع والمحاكم.
فالعنصرية لم تعد تظهر دائمًا في صورة قوانين صريحة كما في الماضي، لكنها بقيت حاضرة في فجوات الثروة، وفي النظام الجنائي، وفي معارك التصويت والتمثيل، وفي الصراع على المناهج والذاكرة العامة.
وحتى حين تقدمت البلاد قانونيًا، ظل المجتمع منقسمًا حول طريقة سرد تاريخه: هل تُروى القصة باعتبارها ملحمة حرية فقط، أم باعتبارها أيضًا تاريخًا من الإقصاء والعنف والاستغلال؟
وبحسب قراءة في صحيفة "الغارديان"، كان ينبغي أن تكون الذكرى فرصة للتعامل بصدق مع تلك التوترات، لا مناسبة للهرب منها إلى احتفال سياسي صاخب.
الهجرة.. وعد الملاذ وحسابات الخوف
قدمت الولايات المتحدة نفسها طويلًا بوصفها "أمة من المهاجرين". وظل تمثال الحرية، في المخيلة العالمية، رمزًا لبلد يفتح أبوابه للمضطهدين والباحثين عن بداية جديدة. غير أن تاريخ الهجرة الأميركي يكشف بدوره مفارقة مشابهة: الباب كان مفتوحًا أحيانًا، لكنه كان مشروطًا دائمًا.
فبعد أن أرسَت الحكومة الأميركية دعائمها الرسمية عام 1789، شرع الكونغرس في سن قوانين تتعلق بالمواطنة والتجنيس. وفي عام 1790، أُقِرَّ أول قانون ينص على أن "الأشخاص البيض الأحرار" وحدهم هم من يحق لهم نيل الجنسية الأميركية.
كما أقر الكونغرس عام 1798 "قانون الأجانب الأعداء"، الذي منح الحكومة الفيدرالية صلاحية احتجاز وترحيل غير المواطنين في أوقات الحرب إذا ما اعتُبروا مصدر تهديد.
وفي القرن التاسع عشر، اتسعت الجمهورية غربًا على حساب السكان الأصليين، ثم جاء قانون ترحيل الهنود عام 1830 ليؤسس لمسار عنيف من نزع الأراضي والتهجير. وفي عام 1882، مثّل قانون استبعاد الصينيين منعطفًا بارزًا في تاريخ الهجرة، إذ استهدف جماعة قومية بعينها، وفتح الباب أمام ترسيخ فكرة أن بعض القادمين أقل أهلية للانتماء إلى الأمة الأميركية.
بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، دخل ملف الهجرة مرحلة أمنية جديدة. فقد أعيد بناء مؤسسات إنفاذ قوانين الهجرة ضمن وزارة الأمن الداخلي، وبرزت وكالات مثل الجمارك وحماية الحدود، وإنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، في سياق خلط متزايد بين الهجرة والأمن القومي. ثم عزز قانون السياج الآمن عام 2006 منطق الجدار على الحدود مع المكسيك.
وفي العام 2026، باتت الهجرة حقل ألغامٍ سياسي يفجر الانقسامات في الداخل الأميركي. فقد تحولت الحدود الجنوبية إلى جدارٍ عازل (مادي ونفسي)، حيث يُنظر إلى المهاجر في الخطاب السياسي السائد تهديد ديمغرافي وثقافي وأمني. وقد استغلت التيارات الشعبوية هذا الملف لإعادة تعريف "الهوية الأميركية"، مما جعل الهجرة مرآةً تعكس الخوف الداخلي من فقدان الهيمنة.
وفي الوقت الذي تتبنى فيه بعض الولايات والقيادات السياسية نهجًا متشددًا يركز على الأمن القومي وإجراءات الترحيل الصارمة بدعوى حماية السيادة الوطنية، تصر أطراف أخرى على أن الحلول يجب أن تقوم على أسس إنسانية تعالج الأسباب الجذرية للهجرة وتضمن حقوق طالبي اللجوء.
هكذا، تحوّلت الهجرة إلى أحد أكثر حقول السياسة الأميركية اشتعالًا. فالحدود الجنوبية أصبحت حدًا رمزيًا بين تصورين لأميركا: أميركا التي ترى نفسها بلدًا مفتوحًا ومتعددًا، وأميركا التي تخشى التغير الديمغرافي والثقافي وتتعامل مع المهاجر بوصفه تهديدًا.
هذا الانقسام يظهر بوضوح في الجدل حول إدارة الهجرة والجمارك. فقد أظهر استطلاع لجامعة كوينيبياك أن غالبية من الناخبين لا توافق على طريقة إنفاذ الوكالة لقوانين الهجرة، فيما بيّنت استطلاعات يوغوف و"ذي إيكونوميست" ارتفاع التأييد لفكرة إلغائها أو إعادة النظر جذريًا في دورها.
أمةٌ واحدة أم أميركتان؟
تمر الذكرى الـ250 بينما تعيش الولايات المتحدة واحدة من أكثر لحظاتها انقسامًا منذ عقود.
لم يعد الخلاف بين الحزبين الكبيرين محصورًا في الضرائب أو الإنفاق أو السياسة الخارجية، بل صار صراعًا على تعريف الأمة: من يمثل "أميركا الحقيقية"؟ ومن يحق له أن يتكلم باسمها؟
في هذه اللحظة، تبدو المناسبة الوطنية نفسها جزءًا من الانقسام. فبينما يريد جزء من الأميركيين استعادة لغة الفخر والقوة والاستثناء الأميركي، ينظر آخرون إلى الذكرى باعتبارها مناسبة قلقة، لا يمكن فصلها عن العبودية والعنصرية والعنف السياسي وتآكل الثقة بالمؤسسات.
وقد عكست استطلاعات الرأي هذا المزاج المضطرب. فوفق استطلاع رويترز/إبسوس، قال 38% من المشاركين إنهم لا يعتقدون أن الولايات المتحدة ستظل قائمة كدولة واحدة بعد 250 عامًا، بينما رأى نحو ثلثي المشاركين أن الديمقراطية الأميركية مهددة بالانهيار. كما أظهر استطلاع لمركز AP-NORC أن نحو 4 من كل 10 أميركيين فقط يشعرون بالفخر تجاه الذكرى الـ250، في مقابل شرائح واسعة تشعر بالفتور أو التردد أو الانقسام.
القوة الأميركية حين يتغير العالم
لا تقتصر مساءلة ربع الألفية على الداخل الأميركي. فالولايات المتحدة التي صنعت جزءًا كبيرًا من النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية تجد نفسها اليوم أمام عالم أكثر تشظيًا، وأقل قبولًا بقيادة أحادية.
لا تزال أميركا القوة الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي، وصاحبة الأسواق الأعمق، والشركات التكنولوجية الأضخم، والعملة الاحتياطية الأكثر حضورًا. لكنها لم تعد تتحرك في عالم تصوغ قواعده وحدها. فصعود قوى جديدة، وتحوّل التجارة إلى أداة صراع، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد الدين العام، كلها عوامل تعيد تعريف القوة الأميركية.
في هذا السياق، لا تبدو المسألة بين "أفول" كامل و"تجدد" كامل. الأدق أن نوع القوة الأميركية يتغير. فوفق مقال نُشر في موقع "ذا أوبزيرفر"، يرى الكاتب ألان بجاني أن واشنطن لم تعد المهندس الأوحد للنظام الدولي كما كانت في العقود الماضية، بل أصبحت المشارك الأكثر أهمية في شبكة عالمية معقدة لا تخضع لسيطرتها الكاملة.
ويرى الكاتب أن الحديث عن "أفول" أميركا أو "تجددها" هو تبسيط مخل، إذ إن الحقيقة تكمن في تحول جذري لنوع القوة التي تمارسها، حيث تتكيف القوى العالمية مع هذا الواقع الجديد بسرعة تفوق سرعة استيعاب الولايات المتحدة لنفسها.
وفي سياق التحولات الاقتصادية، يوضح المقال أن الشركات العالمية انتقلت من استراتيجية الكفاءة التي كانت تهدف إلى تقليل التكاليف إلى استراتيجية المرونة، وذلك نتيجة لعدم اليقين في القواعد التجارية التي باتت تُستخدم كأدوات للصراع السياسي.
ودفع هذا التحول الشركات إلى قبول تكاليف إضافية مقابل بناء سلاسل توريد متعددة ومكررة كنوع من التأمين الجيوسياسي، مما جعل اليقين سلعة نادرة في سوق يمتلك وفرة في رأس المال.
ولا يعد التحدي الأكبر للقيادة الأميركية خارجيًا بقدر ما هو مالي وهيكلي، إذ إن تضخم الدين العام وتجاوز تكاليف خدمة الدين لميزانية الدفاع يهدد بآثار سلبية على المدى الطويل، مما قد يقلص قدرة أميركا على تمويل نفوذها التكنولوجي والعسكري.
ماذا بقي من الوعد؟
بعد 250 عامًا، لا يبدو الوعد الأميركي ميتًا، لكنه لم يعد بريئًا. بقي منه طموح كبير إلى الحرية والمساواة، وبقيت منه قدرة على إلهام حركات احتجاج وحقوق داخل الولايات المتحدة وخارجها. لكن بقيت أيضًا ظلال العبودية، ونزع الأراضي، والعنصرية، والخوف من المهاجر، والانقسام حول معنى الأمة.
لذلك، قد لا تكون الذكرى الـ250 مناسبة لرفع الصوت بالاحتفال بقدر ما هي لحظة للتفكير في طبيعة التجربة الأميركية نفسها. فقوة الولايات المتحدة لم تكن يومًا في خلوّها من التناقضات، بل في قدرتها، حين تنجح، على تحويل هذه التناقضات إلى موضوع للمساءلة والصراع السياسي المفتوح.
أما الخطر اليوم، فليس في أن تعترف أميركا بتصدعاتها، بل في أن تهرب منها إلى مشهد احتفالي صاخب يلمّع الواجهة ويترك الأسئلة معلقة.