ما بدأ قبل سنوات كتدفق محدود من العاملين المستقلين، تحوّل تدريجيًا إلى نمط هجرة جديد. فإلى جانب البحث عن جودة حياة أفضل وتكاليف أقل من مدن أوروبية أخرى، باتت إسبانيا بالنسبة إلى كثيرين مساحة استقرار بديلة، خصوصًا لمن يأتون من بلدان تعيش أزمات أمنية أو سياسية أو اقتصادية متكررة.
وقد منحت تأشيرة الرحالة الرقميين، التي أطلقتها إسبانيا عام 2023 ضمن قانون الشركات الناشئة، هذا التحول إطارًا قانونيًا واضحًا. ومع اتساع الظاهرة، لم يعد السؤال مقتصرًا على من يأتي إلى إسبانيا للعمل عن بُعد، بل صار يشمل أيضًا ما يضيفه هؤلاء إلى الاقتصاد، وما يتركه حضورهم من ضغط على المدن التي يعيدون تشكيلها.
من أين يأتون، وما أهدافهم البعيدة؟ وكيف ينسجمون أو يختلفون عن أنماط الهجرة الأخرى التي تواجهها البلاد؟
سياسة انطلقت بوتيرة أسرع من المتوقع
لاحظت وسائل الإعلام الإسبانية أن الإقبال على تأشيرة الرحالة الرقميين بات لافتًا. فقد تضاعفت تقريبًا تصاريح الإقامة المرتبطة بهذه الفئة خلال عام واحد، من نحو 9500 تصريح في عام 2023 إلى ما يقارب 20 ألف تصريح في عام 2024، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "كاتالان نيوز" [1].
وبحلول عام 2025، أصدرت إسبانيا أكثر من 7800 تأشيرة جديدة خلال عام واحد فقط [2]، ما يشير إلى أن البرنامج لم يعد تجربة محدودة، بل أصبح قناة هجرة سريعة النمو، لكنها محكومة بشروط مهنية وتقنية محددة.
ووفق مؤشرات متخصصة في تأشيرات الرحالة الرقميين، جاءت إسبانيا في صدارة الوجهات العالمية لهذه الفئة عام 2025 [3]. ويستند هذا الموقع إلى مزيج جاذب من المناخ، والاستقرار الأمني والاجتماعي، والبنية التحتية الجيدة، ومستوى الأسعار المقبول نسبيًا مقارنة بدول أوروبية أخرى، إضافة إلى شروط التأشيرة التي تبدو ميسّرة مقارنة بوجهات منافسة.
ومن بين هذه الشروط أن يتقاضى المتقدمون نحو 2800 يورو شهريًا على الأقل، وأن يعملوا عن بُعد لصالح شركات خارج إسبانيا، على أن يسددوا التزاماتهم الضريبية سنويًا لسلطات الضرائب الإسبانية. وهذا يخلق فعليًا فئة جديدة من المهاجرين: فئة تجلب الدخل من الخارج من دون منافسة مباشرة في سوق العمل المحلي.
لكن كما يقول إنريكو موريتي، الخبير الاقتصادي البارز في الجغرافيا وأسواق العمل، في دراسته حول تنقل العمالة الماهرة: "عندما يتجمع العمال ذوو الدخل المرتفع في مدن جاذبة، فإنهم يحققون نموًا، لكنهم يساهمون أيضًا في ارتفاع التكاليف التي تؤثر بشكل غير متناسب على السكان المحليين" [4]. وقد انعكس ذلك بشكل متزايد على تكاليف السكن في مدن كبرى مثل مدريد وبرشلونة.
من هم الرحالة الرقميون في إسبانيا؟
تأتي أكبر المجموعات من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أميركا اللاتينية مثل الأرجنتين وكولومبيا. ويشكل القادمون من دول خارج الاتحاد الأوروبي نحو 60% من المتقدمين، ويتصدرهم البريطانيون، خصوصًا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي [5].
ويحمل هذا التنوع دلالات مهمة. فالكثير من المتقدمين من أميركا اللاتينية ينجذبون إلى إسبانيا بفعل التقارب اللغوي والثقافي، بينما يتمتع القادمون من أميركا الشمالية وبريطانيا غالبًا بقوة شرائية أعلى، ويبحثون عن المناخ المتوسطي ونمط الحياة الهادئ الذي ارتبط بصورة إسبانيا في المخيلة العالمية.
إلا أن فئات أخرى بدأت تحتل موقعها على خارطة الرحالة الرقميين، أو ما يمكن تسميتهم مهاجري العمالة الافتراضية. إذ يشير أحد العاملين في مجال تقديم الخدمات لهذه الفئة، في تصريح لموقع "التلفزيون العربي"، إلى ارتفاع كبير في المتقدمين من بلدان شرق أوسطية، بينها دول تعاني توترات شبه دائمة مثل سوريا ولبنان والعراق، إضافة إلى دول تشهد أوضاعًا اقتصادية مقلقة مثل مصر، وكذلك مقيمين في دول خليجية يسعون للحصول على هذه الإقامة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية الأخيرة مع إيران.
ويشرح المصدر، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن دوافع هؤلاء تختلف عن دوافع المتقدمين البريطانيين أو الأميركيين، إذ يغلب عليها البعد الأمني والاجتماعي. ويرى كثيرون أن "خطة العودة إلى بلدانهم للتقاعد أو الاستقرار النهائي ليست واعدة ومحفوفة بالمخاطر، كما أن إقاماتهم الخليجية ليست دائمة وقد لا تُجدد أو تُنهى بقرار إداري"، ما يخلق شعورًا مستمرًا بعدم الاستقرار.
ويضيف المصدر أن هذه الفئة بدأت تؤثر أيضًا في سوق العقارات في المدن الكبرى، لأنها تبحث عن نمط معيشة مرتفع، وتدفع أسعارًا أعلى من المعتاد اعتمادًا على دخولها المرتفعة في دول الخليج.
ومن الناحية الجغرافية، يتركز هذا التوجه في مدن محددة. إذ تهيمن برشلونة ومدريد وفالنسيا وملقة على سوق هذه التأشيرات. وعلى الرغم من جهود الحكومة لتوجيه التدفقات نحو المناطق الريفية، لا يزال الواقع حضريًا وساحليًا في الغالب.
ويذكر أحد المواقع السياحية أن "المناطق الريفية في إسبانيا تنظر إلى التأشيرة كأداة ديموغرافية، وتقدم بعض البرامج في مناطق مثل إكستريمادورا ما يصل إلى 15 ألف يورو لجذب العاملين عن بُعد بهدف عكس اتجاهات انخفاض عدد السكان" [6]، وهي مشكلة تعاني منها إسبانيا ودول أوروبية أخرى، حيث يميل سكان الريف، ولا سيما الشباب، إلى الهجرة نحو المدن الكبرى، ما يؤدي إلى شيخوخة القرى وتراجع سكانها.
ولا يبدو هذا التحول مفاجئًا. فبالنسبة إلى مخططي المدن، يُعد هذا التركيز متوقعًا. وكما جادل ريتشارد فلوريدا، صاحب نظرية "الطبقة الإبداعية"، فإن المواهب العالمية تميل إلى التمركز في المدن التي توفر نمط حياة مميزًا وتواصلًا فعالًا ورأس مال ثقافيًا [7]، وهو ما ينطبق بوضوح على مدن مثل برشلونة.
"صادرات غير مرئية" للاقتصاد الإسباني
يشير محللون إلى أنه من منظور الاقتصاد الكلي، يمثل الرحالة الرقميون فرصة جذابة؛ إذ يكسبون رواتبهم من الخارج لكنهم ينفقونها محليًا على الإيجار والطعام والترفيه والخدمات. وبهذا المعنى، يعملون كنوع من "الصادرات غير المرئية"، حيث يضخون دخلًا أجنبيًا في الاقتصاد المحلي من دون أن تتحمل الشركات الإسبانية تكلفة إنتاج سلع موجهة للتصدير.
وقد نما الاقتصاد الإسباني بنحو 3.2% في عام 2024، وبنحو 2.8% في العام الماضي، متفوقًا على نظرائه الأوروبيين، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء (INE). ولعبت الهجرة دورًا مهمًا في دعم سوق العمل والاستهلاك.
ويمثل الرحالة الرقميون، رغم أنهم لا يزالون نسبة صغيرة من إجمالي المهاجرين، شريحة ذات قدرة إنفاق مرتفعة: شباب نسبيًا، متعلمون، ويتمتعون بدخول تفوق المتوسط.
السكن وعدم المساواة.. رد فعل متنامٍ
مع ذلك، فإن الديناميكيات نفسها التي تولّد الفوائد الاقتصادية تؤجج أيضًا التوتر الاجتماعي، ويظل السكن في صدارة المشكلة. ففي المدن الكبرى، ارتفعت الإيجارات بشكل حاد، حيث يصل متوسط الإيجار في برشلونة إلى نحو 2000 يورو شهريًا لشقة بغرفة نوم واحدة. ولا يزال الطلب يفوق العرض، في ظل نقص هيكلي في المساكن، خصوصًا في المدن المكتظة.
وتشير إحدى الدراسات إلى أن "الأجانب يشكلون ما يقارب 15-20% من مبيعات العقارات في إسبانيا، ما أدى إلى ارتفاع أسعار العقارات في المناطق الراقية بمدريد. وقد ساهم هذا التدفق، إلى جانب صناديق الاستثمار والرحالة الرقميين، في زيادة الطلب على العقارات الفاخرة، ما أدى إلى ارتفاع سنوي في قيمها بنسبة 7% في المتوسط، وجعل السكن في الأحياء المركزية أكثر صعوبة على السكان المحليين".
ويرى كثيرون أن هذا يفضي إلى تهميش السكان المحليين، ويخلق ما يُعرف في أدبيات الاقتصاد الحضري بسوق "الإسكان المجزأ"، حيث يعيش السكان المحليون والوافدون الجدد ضمن شروط مالية شديدة التفاوت.
ورغم أن إسبانيا شهدت توترات مشابهة سابقًا، خصوصًا مع السياحة الجماعية، إلا أن الرحالة الرقميين يمثلون تحديًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فهم، على عكس السياح، يقيمون لفترات أطول، ويندمجون بشكل أعمق، وغالبًا ما يرون أنفسهم مساهمين لا زوارًا. ومع ذلك، فإن أثرهم الاقتصادي، من ارتفاع الإيجارات إلى الضغط على الأحياء المركزية، يعكس ضغوطًا شبيهة بتلك المرتبطة بالسياحة.
بهذا المعنى، قد لا يكون الترحال الرقمي خروجًا عن النموذج الاقتصادي الإسباني بقدر ما هو تطور له: انتقال من زوار قصيري الإقامة إلى مقيمين أطول أمدًا وذوي دخل مرتفع.
تناقضات أعمق في سياسة الهجرة
حتى الآن، لم تغيّر الحكومة الإسبانية مسارها، بل تواصل دعم البرنامج باعتباره وسيلة لجذب المواهب وتعزيز النمو. ومع ذلك، هناك مؤشرات على إعادة تقييم جزئي؛ إذ ترتفع متطلبات الدخل، وتعمل الحكومات المحلية على تشديد القوانين المنظمة للإيجارات قصيرة الأجل لتخفيف الضغط على سوق السكن.
كما تكشف سياسة إسبانيا تجاه الرحالة الرقميين عن تناقض أعمق: فمن جهة، تتنافس الدول على استقطاب المهنيين ذوي الدخل المرتفع والقادرين على التنقل، ومن جهة أخرى، قد يؤدي وصولهم إلى تفاقم فجوات عدم المساواة داخل المجتمعات المحلية. وفي المقابل، هناك فئة ثانية من المهاجرين تحتاج دعمًا قانونيًا واجتماعيًا، لكنها تمثل في الوقت ذاته شريانًا حيويًا لقطاعات العمل اليدوي، مثل الزراعة والبناء والخدمات.
ووفقًا لدراسة حديثة أجراها المكتب الوطني للاستشراف والاستراتيجية (ONPE)، فإن إسبانيا لا تستطيع تحمل توقف تدفق المهاجرين، خصوصًا في قطاعات الزراعة والخدمات.
وتُظهر الدراسة أنه بحلول عام 2075 قد ينخفض عدد السكان من نحو 50 مليونًا إلى 40 مليونًا، مع تجاوز كبار السن 30% من السكان بحلول 2055.
كما تشير إلى أن تقليص الهجرة بنسبة 30% قد يؤدي إلى تراجع قوة العمل من 33 مليونًا إلى 24 مليونًا، وإغلاق نحو 90 ألف مقهى ومطعم، وتراجع الخدمات في المناطق الأقل كثافة سكانية، بل واحتمال اختفاء آلاف البلديات الصغيرة. كما يتوقع أن يختفي نحو 30 ألف فصل دراسي في التعليم الابتدائي و18 ألفًا في الثانوي، مع نقص حاد في الكوادر الصحية قد يصل إلى 63 ألف طبيب متخصص [9].
رغم أن الرحالة الرقميين لا يندرجون حاليًا ضمن هذه الفئات، فإن إدماجهم اقتصاديًا قد يصبح خيارًا مستقبليًا، إلى جانب سياسات أخرى أكثر جرأة، مثل تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين ودمجهم في النظام الاجتماعي والاقتصادي.
لكن هذا المسار يبقى مرهونًا بتحولات المشهد السياسي في إسبانيا وأوروبا، حيث يتصاعد حضور اليمين المتشدد الذي يضع ملف الهجرة في صلب خطابه الانتخابي، ما قد يحول هذه السيناريوهات من احتمالات نظرية إلى سياسات فعلية في حال وصوله إلى السلطة.