تعبر ملايين الطيور قارات وبحارًا وصحارى، تنتقل بين مناطق التكاثر والشتاء، وتستند في رحلاتها إلى مسارات قديمة لا تعترف بالحدود السياسية. في واحدة من أعظم الرحلات الطبيعية على الكوكب.
قد يكون الطائر الذي يظهر لحظة فوق شجرة في مدينة عربية قد جاء من قارة أخرى، أو في طريقه إلى قارة ثالثة. وقد تكون وقفته القصيرة على ساحل أو في أرض رطبة أو وادٍ صغير جزءًا من رحلة تمتد آلاف الكيلومترات.
هذا ويعود اليوم العالمي للطيور المهاجرة في ربيع 2026 تحت شعار "كل طائر مهم.. ملاحظاتكم تُحدث فرقًا"، مع تركيز واضح على دور العلوم المجتمعية، أي مساهمة الناس العاديين في مراقبة الطيور وتسجيل مشاهداتهم، بما يساعد الباحثين على حماية الطيور المهاجرة ومساراتها.
رحلة أطول من الخرائط
ولا تعرف الطيور المهاجرة خرائطنا كما نعرفها. فهي لا تتوقّف عند حدود الدول، ولا تحتاج إلى جواز سفر، لكنها تعتمد بشكل مباشر على القرارات التي يتخذها البشر: تجفيف مستنقع، بناء مدينة، تلويث ساحل، قطع غابة، إضاءة ليلية كثيفة، أو استخدام مبيدات تقلل الحشرات التي تتغذى عليها.
وقد يبدو اختفاء بركة موسمية أو منطقة رطبة تفصيلًا محليًا صغيرًا. لكنه بالنسبة إلى طائر مهاجر قد يعني غياب محطة راحة في منتصف رحلة شاقة. فالطيور لا تحتاج إلى مكان واحد آمن، وإنما إلى سلسلة كاملة من المحطات التي تسمح لها بالتغذية والراحة ومتابعة الطريق.
وهنا تكمن هشاشة الهجرة. فالخلل في نقطة واحدة قد يؤثر في رحلة كاملة، وقد ينعكس على أعداد نوع من الطيور في مناطق بعيدة جدًا عن مكان الخلل.
لماذا تهاجر الطيور؟
وتهاجر الطيور بحثًا عن الغذاء، والدفء، ومناطق التكاثر المناسبة. في بعض الفصول، تصبح مناطق معينة أقل قدرة على توفير ما تحتاجه، فتتحرك الطيور وفق إيقاع طبيعي طويل تشكّل عبر آلاف السنين.
وهذه الرحلات ليست سهلة. فالطائر يواجه الرياح والعواصف والمفترسات والجوع والضياع. ومع ذلك، تستطيع أنواع كثيرة أن تعود إلى المسارات نفسها عامًا بعد عام، مستفيدة من إشارات طبيعية متعددة: مواقع الشمس والنجوم، المجال المغناطيسي للأرض، التضاريس، والذاكرة المرتبطة بالطريق.
لكن هذا التوازن يتعرض اليوم لضغط متزايد. فالتغير المناخي قد يبدل توقيت الهجرة. وفقدان الموائل يقلل فرص الراحة والغذاء. والتلوث الضوئي قد يربك الطيور التي تهاجر ليلًا. والصيد غير المنظم يضيف خطرًا آخر على مسارات طويلة أصلًا.
عندما يصبح المواطن جزءًا من العلم
ويُركّز شعار 2026 على فكرة شديدة البساطة: الملاحظة الفردية قد تصبح معلومة علمية. صورة لطائر عابر، تسجيل لمكان وجوده، عدد الأفراد، وقت المشاهدة، أو تغير في موعد ظهوره؛ كل ذلك قد يساعد إذا جُمِع ضمن قواعد بيانات ومنصات مخصصة.
وتُوضح الجهات المنظمة لليوم العالمي للطيور المهاجرة أن حملة هذا العام تسلط الضوء على دور العلوم المجتمعية في حماية الطيور المهاجرة في مساراتها حول العالم. فالعلم لا يبقى حكرًا على المختبرات والجامعات، إذ يمكن للمزارع، والطالب، والمصور، والهاوي، والطفل الفضولي أن يصبحوا عيونًا إضافية للطبيعة.
وهذه الفكرة مهمة لأنها تجعل حماية البيئة أقل تجريدًا. بدل أن تبقى الطيور أرقامًا في تقارير عالمية، تصبح كائنات نراها وننتبه إليها ونسأل عن غيابها أو حضورها.
الشرق الأوسط كممر حي
وللمنطقة العربية موقع مهم في هجرة الطيور بين أوروبا وآسيا وإفريقيا. إذ تمر عبرها أنواع كثيرة، مستفيدة من السواحل والجبال والوديان والمناطق الرطبة. وهذا يعني أن حماية موائل الطيور في بلد عربي ليست شأنًا محليًا فقط، لأنها قد تؤثر في دورة حياة طيور تقطع العالم.
لكن المنطقة تواجه تحديات كبيرة: ضغط عمراني، نقص مياه، تلوث، حروب، وممارسات صيد غير منظمة في بعض الأماكن. كل ذلك يجعل رصد الطيور وحماية مساراتها أكثر إلحاحًا.
كيف نرى ما لا نراه؟
وربما لا يحتاج الأمر إلى أكثر من انتباه. أن ننظر إلى الأشجار والأسلاك والشواطئ والحقول. أن نتعلم أسماء بعض الطيور القريبة منا. أن نميّز بين طائر مقيم وآخر عابر. أن نعرف أن رفرفة صغيرة قد تكون جزءًا من رحلة أطول من خيالنا.