الأحد 16 أغسطس / أغسطس 2026
Close

رحلة الجيش اللبناني من الانقسام إلى التوحيد.. حين أصبح في البلاد أكثر من جيش

رحلة الجيش اللبناني من الانقسام إلى التوحيد.. حين أصبح في البلاد أكثر من جيش

شارك القصة

الرئيس بشارة الخوري يؤدي التحية للعلم اللبناني خلال أول عرض عسكري في بيروت، 22 تشرين الثاني 1945
الرئيس بشارة الخوري يؤدي التحية للعلم اللبناني خلال أول عرض عسكري في بيروت في العام 1945 - غيتي
الرئيس بشارة الخوري يؤدي التحية للعلم اللبناني خلال أول عرض عسكري في بيروت في العام 1945 - غيتي
الخط
في عيد الجيش اللبناني، يستعيد موقع التلفزيون العربي قصة انقسام المؤسسة العسكرية خلال الحرب الأهلية، وظهور جيوش وقيادات متنافسة، وصولًا إلى محاولات الدمج وإعادة التوحيد بعد اتفاق الطائف.
لم يكن تاريخ الجيش اللبناني مسارًا متصلًا من البناء والاستقرار. فالمؤسسة العسكرية عاشت انقسامات البلاد نفسها، ووجدت خلال الحرب الأهلية وحداتها وثكناتها وسلاحها موزعة بين قيادات وقوى سياسية وطائفية متصارعة، إلى حد نشوء أكثر من جيش على الأرض اللبنانية.

في الأول من أغسطس/ آب 1945، تسلّمت الدولة اللبنانية من السلطات الفرنسية الوحدات العسكرية التي أصبحت نواة جيشها الوطني. كان ذلك اليوم إعلانًا عن انتقال السلاح إلى سلطة الدولة، وبداية بناء مؤسسة واحدة يُفترض أن تجمع اللبنانيين تحت قيادة وقرار موحدين.

لكن بعد ثلاثة عقود فقط، كانت الحرب الأهلية قد نقلت انقسامات البلاد السياسية والطائفية إلى داخل الثكنات. تمردت وحدات، وسقطت مراكز عسكرية، وظهرت تشكيلات حملت أسماء وقيادات وولاءات مختلفة، حتى أصبح في لبنان أكثر من جيش بدل المؤسسة التي أُنشئت لتكون عنوانًا لوحدة الدولة.

لم يكن تفكك الجيش نتيجة مواجهة عسكرية واحدة، وإنما حصيلة تدرج طويل: خلاف على دوره، وغياب قرار سياسي موحد، وتنامي نفوذ الميليشيات، وتدخلات إقليمية وجدت داخل المؤسسة العسكرية امتدادات وحلفاء. وكلما ضعفت القيادة المركزية، انتقل السلاح والجنود والثكنات إلى القوى المتصارعة.

في ذروة الحرب، لم يعد السؤال من يقود الجيش فقط، وإنما أي جيش بقي قائمًا، وأي سلطة تستطيع إصدار الأوامر إليه.

احتاجت إعادة توحيد الجيش إلى سنوات من الدمج وإعادة التنظيم، قبل أن تتيح نهاية الحرب والتسوية السياسية جمع الوحدات المتنافسة مجددًا. واليوم، تحظى المؤسسة العسكرية بثقة داخلية وعربية ودولية، في وقت تتسع المهمات المطلوبة منها، ولا سيما في الجنوب وعلى الحدود مع إسرائيل.

وتتجه الأنظار مجددًا إلى الجيش بصفته ركنًا أساسيًا في الحفاظ على الدولة، خصوصًا بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عام 2026، ومع اتساع دوره في الجنوب والحديث عن ترتيبات أمنية جديدة. ويُنظر إلى الجيش، داخليًا وخارجيًا، بوصفه إحدى المؤسسات اللبنانية الأكثر قدرة على العمل وسط الانقسام.


في عيد الجيش، يفتح موقع "التلفزيون العربي" دفاتر تاريخية من الذاكرة اللبنانية، مستعيدًا قصة انقسام الجيش ومراحل إعادة توحيده: كيف بدأ التفكك؟ وما أبرز الجيوش والتشكيلات التي ظهرت؟ وكيف جُمعت المؤسسة العسكرية من جديد بعد سنوات من الانقسام؟
عرض عيج الحيش

الجيش والتأسيس


بدأت إحدى المحطات الأساسية في قصة تأسيس الجيش اللبناني عام 1916، عندما أنشأ معسكر الحلفاء في المنطقة العربية "فرقة الشرق"، في وقت كانت فيه قوى رئيسية مثل فرنسا وبريطانيا تواجه السلطنة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن تنضم الولايات المتحدة لاحقًا إلى الحلفاء.

ضمت "فرقة الشرق" شبانًا لبنانيين أصروا، بحسب الرواية الرسمية، على شرطين: أن يقتصر قتالهم على القوات العثمانية، وأن يكون انخراطهم في صفوف القوات الحليفة بهدف تحرير لبنان.

وفي عام 1918، أصبحت الفرقة تضم في صفوفها أول سرية من سرايا الجيش اللبناني، وهي "السرية 23"، قبل أن يتوالى تشكيل السرايا الأخرى.

يرتبط تاريخ المؤسسة العسكرية أيضًا بإنشاء أفواج القناصة اللبنانية عام 1926، والتي عُرفت لاحقًا ضمن سلاح المشاة. فقد أنشأت سلطات الانتداب الفرنسي الأفواج الأول والثاني والثالث، وضمت لبنانيين وسوريين، مع أرجحية للعناصر اللبنانية، فيما بقيت قيادتها خاضعة لضباط فرنسيين.

وفي عام 1941، أعلن ضباط لبنانيون في قوات الشرق الخاصة أن خدمتهم لا تكون إلا في سبيل لبنان، وتحت علمه وبقيادة حكومته الوطنية، بعدما حاول الفرنسيون تشكيل وحدة لبنانية تقاتل إلى جانبهم في أوروبا.

وبعد نحو عامين على استقلال لبنان عام 1943، تسلّمت الدولة اللبنانية من الفرنسيين الوحدات العسكرية التي ضمت عسكريين ومنشآت وثكنات. وفي الأول من أغسطس/ آب 1945، تولّى لبنان قيادة القوات التي تسلّمها، ومنذ ذلك الحين كُرّس هذا التاريخ عيدًا للجيش.

توالى على قيادة الجيش عدد من القادة، بدءًا من فؤاد شهاب، ثم توفيق سالم، وعادل شهاب، وإميل البستاني، وجان نجيم، وإسكندر غانم، وحنا سعيد، وفيكتور خوري، وإبراهيم طنوس، وميشال عون، وإميل لحود، وميشال سليمان، وجان قهوجي، وجوزاف عون، وصولًا إلى القائد الحالي رودولف هيكل.(1)

من فرقة الجيش إلى الجيش اللبناني.png

انقسام الجيش.. القصة بدأت من الحرب


في 13 أبريل/ نيسان 1975، اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، ودخلت البلاد في انقسام سياسي وطائفي حاد استمر نحو 15 عامًا، حتى عام 1990.

انتهت الحرب بعد إقرار اتفاق الطائف الذي توصلت إليه الأطراف اللبنانية في مدينة الطائف السعودية عام 1989، وأرسى أسس النظام السياسي الذي حكم لبنان في مرحلة ما بعد الحرب.

ارتبط اندلاع الحرب بعوامل متراكمة ومتشابكة. يرى بعض المؤرخين أن الوجود الفلسطيني المسلح كان من أسبابها الأساسية، فيما يشير آخرون إلى طبيعة النظام السياسي الطائفي، وعدم التوازن في المشاركة داخل الدولة، وتنامي قوة الأحزاب والميليشيات المسلحة.

كان سليمان فرنجية قد تولى رئاسة الجمهورية عام 1970، وأطلق ما عُرف بعملية "التطهير" داخل الجيش وإدارات الدولة لإبعاد شخصيات محسوبة على الرئيس الراحل فؤاد شهاب.

وعمل فرنجية على إضعاف "المكتب الثاني"، أي جهاز الاستخبارات العسكرية الذي كان يتمتع بنفوذ واسع في الحياة السياسية، فاعتُقل عدد من الضباط وحوكموا بتهم تضمنت مخالفة أنظمة الجيش وتقييد الحريات العامة.


عناصر وآليات عسكرية في بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت انقساماتها إلى داخل الجيش – غيتي/أرشيف
 عناصر وآليات عسكرية في بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت انقساماتها إلى داخل الجيش – غيتي/أرشيف

في تلك المرحلة، كان الوجود الفلسطيني المسلح يتنامى في لبنان. فقد رسخت منظمة التحرير الفلسطينية حضورها في بيروت، وكانت تنفذ عمليات ضد إسرائيل انطلاقًا من الجنوب.

وساهم اتفاق القاهرة، الذي وقّعه لبنان مع منظمة التحرير عام 1969، في تنظيم هذا الوجود. وبعد صدامات "أيلول الأسود" في الأردن عام 1970، انتقلت قيادة المنظمة وثقلها العسكري والسياسي إلى لبنان.

بالتوازي، ازدادت الأزمات السياسية الداخلية. وبين عامي 1973 و1975، سقطت حكومات عدة، فيما تعمق الخلاف بشأن المشاركة بين المسلمين والمسيحيين داخل مجلس النواب ووظائف الدولة. (2)

واتجهت أطراف سياسية لبنانية عديدة إلى التسلح، فظهرت ميليشيات عززت نفوذها مع اتساع الحرب وتراجع سلطة الدولة. وتبلور معسكر يساري وقومي يؤيد القضية الفلسطينية والعمل الفدائي، في مقابل معسكر يميني عارض الوجود الفلسطيني المسلح بشدة.

كما أثّرت تداعيات حربي 1967 و1973 بين العرب وإسرائيل في المشهد اللبناني، إلا أن الشرارة المباشرة للحرب ارتبطت بسلسلة حوادث، منها اغتيال السياسي اللبناني معروف سعد بعد إصابته خلال تظاهرة في صيدا في فبراير/ شباط 1975، ثم حادثة الحافلة في عين الرمانة في أبريل/ نيسان من العام نفسه، عندما أطلق مسلحون النار على حافلة تقل فلسطينيين كانوا عائدين إلى مخيم تل الزعتر.


بعد اندلاع القتال، انتقلت الانقسامات تدريجيًا إلى الجيش، ووجدت المؤسسة العسكرية نفسها أمام خطر وجودي، مع تشرذم الوحدات وسقوط عدد من الثكنات وظهور تشكيلات عسكرية متنافسة.

وشهدت السلطة السياسية تجاذبات حادة بشأن دور الجيش واستخدامه لإعادة فرض النظام. عارض رئيس الحكومة رشيد كرامي إدخال الجيش في المواجهات، خشية اتهامه بالانحياز إلى الجماعات المسيحية ضد المسلمين والفلسطينيين، نظرًا إلى ارتفاع نسبة الضباط المسيحيين في صفوفه.

في المقابل، كان وزير الدفاع والداخلية كميل شمعون يؤيد استخدام الجيش والحفاظ على الصلاحيات القانونية للدولة المركزية في مواجهة القوى المسلحة.

أثّر هذا الانقسام السياسي في الجيش وسرّع تفككه، وساهمت أربعة تطورات أساسية في دفع المؤسسة نحو الانهيار:(3)

أولًا: فشل الجيش في فرض السلطة بعد تدخله في صيدا خلال الأحداث التي شهدتها المدينة في 26 فبراير/ شباط 1975، والتي أصيب خلالها معروف سعد. وأجبرت الاعتبارات السياسية الجيش على الانسحاب من المدينة في الثاني من مارس/ آذار.
ثانيًا: تعيين الرئيس سليمان فرنجية حكومة عسكرية برئاسة العميد المتقاعد من الدرك نور الدين الرفاعي. واجهت الحكومة معارضة سياسية شديدة، ولم تستمر سوى ثلاثة أيام، من 23 إلى 26 أبريل/ نيسان 1975.
ثالثًا: إقالة قائد الجيش اللواء إسكندر غانم في العاشر من سبتمبر/ أيلول 1975، بعد اتهامات بدعم ميليشيات مسيحية وتقديم مساعدات لوجستية لها.
رابعًا: ظهور بوادر انشقاق داخل الجيش عقب اشتباكات دامية بين وحدات عسكرية ومجموعات مسلحة في مدينة طرابلس خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر/ تشرين الأول 1975. 

أربع محطات سبقت انهيار الجيش.png

بدأ بتمرد.. كيف وقع الانقسام الأول؟


دفعت هذه التطورات الجيش نحو التفكك، إلا أن حدثًا آخر أدى دورًا حاسمًا في توسيع الانقسام، عندما استدعى كميل شمعون سلاح الجو اللبناني لمهاجمة القوات الفلسطينية واليسارية في منطقة الدامور في جبل لبنان، حيث كان شمعون نفسه محاصرًا.

وسّع هذا القرار الفجوة داخل المؤسسة العسكرية، ودفع الملازم أول أحمد الخطيب إلى إعلان التمرد وتأسيس "جيش لبنان العربي" في 21 يناير/ كانون الثاني 1976.

يتحدث العميد المتقاعد هشام جابر، في مقابلة مع موقع التلفزيون العربي، عن تمرد الخطيب، موضحًا أنه انطلق من جنوب لبنان، وتحديدًا من ثكنة مرجعيون، وتمكن من السيطرة على قرى وبلدات جنوبية تحت راية "جيش لبنان العربي".

ويستذكر جابر تلك المرحلة قائلًا إن الخطيب قرر الانفصال عن القيادة مع مجموعة من العسكريين، فيما كان الجيش بقيادة العماد حنا سعيد، الذي تولى القيادة من العاشر من سبتمبر/ أيلول 1975 حتى 27 مارس/ آذار 1977.

كانت حركة الخطيب مدعومة من منظمة التحرير الفلسطينية، وتولى القيادي الفلسطيني خليل الوزير، المعروف باسم "أبو جهاد"، تمويل "جيش لبنان العربي"، فيما كان الخطيب يرتدي الكوفية الفلسطينية خلال تنقلاته.

ويقول جابر إن شعور الخطيب بالغبن بدأ عندما كان يخدم في منطقة البقاع الغربي، إذ كان يرى أنه تعرض للظلم من رئيسه فرنسوا زين.


"بعد تمرد الخطيب، بدأت الثكنات تسقط الواحدة تلو الأخرى. حينها، كنت خارج لبنان في فرنسا، وطلبت العودة للتوسط في حل أزمة أحمد الخطيب. أردت التدخل لدى قيادة الجيش لضمان الحل، شرط الحصول على وعد بعدم معاقبة الخطيب أو العسكريين الذين كانوا معه".
العميد المتقاعد هشام جابر في مقابلة مع التلفزيون العربي

لكن الجيش شهد في الثامن من مارس/ آذار 1976 انقسامات واسعة. وتمكن الخطيب في ذلك اليوم من السيطرة على قاعدة للمدفعية الثقيلة في قلعة الشقيف، وأعلن جنود من هناك تمردهم على القيادة وانضمامهم إلى "جيش لبنان العربي".

وفي العاشر من مارس/ آذار، سقطت ثكنتا مرجعيون والخيام، كما سقطت ثكنة عرمان في طرابلس بيد الرائد أحمد المعماري.

وفي مساء اليوم التالي، أعلن العميد أول عزيز الأحدب، قائد المنطقة العسكرية في بيروت، تحركًا وصفه بالانقلاب العسكري.

وسيطر "جيش لبنان العربي" على ثكنة النبطية، فيما احتُلت ثكنة أبلح في البقاع، وانضمت القاعدة الجوية في القليعات إلى تمرد قاده الرائد أحمد المعماري.

وامتد التمرد إلى ثكنات صيدا وصور، ومدرسة القتال، والفوج الأول المضاد للطائرات في ثكنة هنري شهاب في بيروت، إضافة إلى مراكز عسكرية في صور وبنت جبيل.


الثكنات التي خرجت عن سلطة القيادة

في ظل الانهيار المتسارع، عقد قائد الجيش حنا سعيد في التاسع من مارس/ آذار اجتماعًا لأركان القيادة لبحث سبل وقف تفكك المؤسسة.

حمّل بعض الضباط الرئيس سليمان فرنجية مسؤولية التطورات، ورأى آخرون أن استقالته قد تفتح الطريق أمام معالجة الانقسام.

كان سعيد يؤيد إصدار عفو عن الخطيب ورفاقه، إلا أن فرنجية رفض الطلب. وبعد نقاش طويل، اقترح ضباط إصدار بيان باسم الجيش يكرر المطالبة بالعفو العام، ويتضمن إنذارًا سياسيًا مبطنًا لرئيس الجمهورية في حال عدم الاستجابة.

وفي العاشر من مارس/ آذار، أصدر الجيش بيانًا توجه فيه إلى من وصفهم بـ"الضالين والمضللين"، ودعا إلى "إصدار عفو عام عن الجرائم التي ارتكبها العسكريون الفارون، باستثناء الجرائم الفردية التي لا علاقة لها بالحوادث وجرائم القتل داخل الثكن والمراكز العسكرية".

ودعا البيان العسكريين إلى الالتحاق بالثكنات فورًا، مؤكدًا أن "جيش لبنان في المستقبل سيكون جيشًا لكل اللبنانيين".(4)

لم يؤد البيان إلى وقف حركة الخطيب. واستمر سقوط الثكنات في بيروت والبقاع والجنوب والشمال وبعض مناطق جبل لبنان.

ويرى جابر أن قائد الجيش حنا سعيد لم يكن قادرًا على إنهاء الظاهرة، ولم يتعامل معها بالحزم الكافي. ودخلت المؤسسة مرحلة أصبحت فيها الميليشيات تسيطر على سلاح الجيش وآلياته، حتى ظهرت آليات عسكرية تحمل شعارات حزبية وفئوية.


انقلاب عزيز الأحدب وتعدد الجيوش


في 11 مارس/ آذار 1976، أعلن العميد الركن عزيز الأحدب انقلابًا عسكريًا، مستفيدًا من موقعه قائدًا للمنطقة العسكرية في بيروت.

وسيطر الأحدب على محطتي الإذاعة والتلفزيون، وطالب الرئيس فرنجية بالاستقالة خلال 48 ساعة.

كان نحو نصف جنود الجيش، البالغ عددهم 18,500 جندي، قد تركوا مواقعهم، وانضم بعضهم إلى ميليشيات، فيما عاد آخرون إلى مناطقهم ومنازلهم.

رفض فرنجية الاستقالة، لكنه أعلن استعداده لذلك إذا اتخذ مجلس النواب قرارًا بهذا الشأن.(5)

 يقول هشام جابر إن لبنان شهد في تلك المرحلة نشوء عدد من الجيوش والتشكيلات المنفصلة، أبرزها:

  • "جيش لبنان العربي" بقيادة الملازم أول أحمد الخطيب، وتلقى دعمًا فلسطينيًا.
  • "طلائع جيش لبنان الموحد" بقيادة المقدم فهيم الحاج، وتلقى دعمًا سوريًا.
  • "جيش الشرعية" بقيادة العقيد أنطوان بركات، الذي بقي مؤيدًا للرئيس سليمان فرنجية.
  • "جيش لبنان" بقيادة فؤاد مالك، وكان قريبًا من حزب الوطنيين الأحرار بزعامة الرئيس الأسبق كميل شمعون.

ظهرت أيضًا تشكيلات أخرى، مثل "لواء عكار" الذي ضم جنودًا من القبيات وعندقت، و"الجيش المعني" الذي تشكل من عسكريين دروز أيدوا الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط.

وفي منطقتي القليعة ومرجعيون، انسلخ جنود عن الجيش بقيادة الرائد سعد حداد، وتلقوا دعمًا إسرائيليًا لمقاتلة القوات الفلسطينية.

حين أصبح في لبنان أكثر من جيش.png

أحمد الخطيب في مواجهة الجيش السوري

جيش لبنان العربي» الملازم أول أحمد الخطيب يتحدث في مؤتمر صحفي عام 1976
قائد "جيش لبنان العربي" الملازم أول أحمد الخطيب يتحدث في مؤتمر صحفي عام 1976 

التقى موقع التلفزيون العربي حسن الخطيب، نجل الملازم أول أحمد الخطيب، الذي استعاد تفاصيل من المرحلة التي تلت تأسيس "جيش لبنان العربي".
ويقول الخطيب إن والده خاض مواجهة شرسة ضد القوات السورية التي دخلت لبنان عام 1976 ضمن ما عُرف بـ"قوات الردع العربية"، التي تشكلت رسميًا من وحدات تابعة لجيوش عربية، وكان هدفها المعلن تطويق الحرب والمساهمة في إرساء الاستقرار.
وبحسب الخطيب، حارب نظام حافظ الأسد قائد "جيش لبنان العربي" بسبب رفضه الدخول السوري إلى لبنان، واعتقلته القوات السورية في أواخر عام 1976، قبل أن يُنقل إلى سجن المزة في دمشق، ويُفرج عنه في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 1978.
 "قبيل اعتقاله، خاض الخطيب معركة شرسة ضد القوات السورية في مدينة صيدا، وتحديدًا في السابع من يونيو/ حزيران 1976. وحينها استطاع جيش لبنان العربي إلحاق خسائر كبيرة بالجيش السوري، وبحسب رواية حسن الخطيب، تمكنت القوة التي قادها والده من أسر كتيبة بكامل عتادها ودباباتها، واقتيد الجنود إلى ثكنة محمد زغيب في صيدا. 
وخسر جيش لبنان العربي في تلك المعركة مصفحة استولى عليها الجيش السوري في منطقة عبرا، كما أُسر 11 جنديًا لبنانيًا. وتدخل معمر القذافي لتحقيق تبادل للأسرى، وأرسل عبد السلام جلود إلى لبنان للتوسط، لتنتهي المفاوضات بعملية تبادل".
حسن الخطيب في مقابلة مع موقع التلفزيون العربي
ويقول أيضًا إن الجيش السوري استهدف بعد المعركة سفينة محملة بالأسلحة في ميناء الجية، كان النظام الليبي قد أرسلها لدعم "جيش لبنان العربي".
وبعد خروجه من السجن في سوريا، واصل أحمد الخطيب نشاطه العسكري، وتحول لاحقًا إلى مواجهة الجيش الإسرائيلي الذي احتل أجزاء من جنوب لبنان عام 1978، قبل الاجتياح الإسرائيلي الواسع عام 1982.(6)

توحيد الجيش.. "معسكرات الألفة والمحبة"


استمر الانقسام الأول للجيش نحو عامين، خلال المرحلة المعروفة بـ"حرب السنتين" بين عامي 1975 و1977.

ويقول هشام جابر إنه بعد انتخاب إلياس سركيس رئيسًا للجمهورية وتعيين فيكتور خوري قائدًا للجيش، بدأت محاولة إعادة توحيد المؤسسة، وأُنشئت "معسكرات الألفة والمحبة"، التي جُمِع فيها عسكريون مسلمون ومسيحيون للتدرب معًا وكسر الحواجز التي خلّفتها الحرب.

ويتحدث العميد المتقاعد مارون خريش لموقع التلفزيون العربي عن تلك المعسكرات، موضحًا أن عملية التوحيد جرت بين عامي 1976 و1977 داخل مخيمات أقيمت في منطقة اليرزة، شرق بيروت.


"شاركنا في متابعة شؤون تلك المخيمات التي ضمت العسكريين الذين فروا خلال الانقسام، وأيضًا أولئك الذين بقوا داخل الثكنات".
"أقمنا ثلاثة مخيمات متتالية، وكان كل واحد منها يضم ما بين 600 و700 عنصر. وكان قائد المعسكرات اللواء نبيه فرحات. ساهم اجتماع العسكريين في كسر الحواجز بينهم وتعزيز الالتحام داخل المؤسسة، وكانت هذه المعسكرات أساسية في توحيد الجيش".
العميد المتقاعد مارون خريش لموقع التلفزيون العربي

وبحسب خريش، شكّل عدد من العسكريين المشاركين في عملية التوحيد نواة لتأسيس ما عُرف لاحقًا بفرع مكافحة الإرهاب والتجسس.

ويستعيد خريش كيف بدأت المؤسسة بعد التوحيد تستعيد قدرتها على الحركة بين المناطق، فيقول: "بدأنا تنفيذ دوريات في مختلف المناطق. وفي إحدى المرات انطلقنا من بيروت إلى طرابلس، ثم عدنا إلى العاصمة قبل التوجه إلى صور. وبعد التوحيد، أُعلن عن دورات تطويع جديدة، وكان العسكريون يخضعون للتدريب في الفياضية قبل توزيعهم على الوحدات".

ويشير إلى أن "معسكرات الألفة والمحبة" شكّلت مساحة أعادت جمع عسكريين فرّقتهم الحرب. فقد تحوّل حرش اليرزة إلى مكان للقاء بين عناصر من مناطق ووحدات مختلفة، حتى إن بعضهم صادف زملاء كان يعتقد أنهم قُتلوا خلال المعارك.

وبحسب خريش، لم تقتصر وظيفة هذه المعسكرات على دمج العسكريين وإعادتهم إلى الوحدات، بل ساهمت أيضًا في ترميم انتمائهم إلى المؤسسة واستعادة الروابط التي قطعتها سنوات الانقسام.


كيف عملت معسكرات الألفة

ثلاثة مسارات لإعادة بناء المؤسسة

شملت عملية إعادة تنظيم الجيش بين عامي 1977 و1978 ثلاثة مسارات أساسية.


إعادة تنظيم الضباط والتجنيد

في العاشر من فبراير/ شباط 1977، صدر أمر منح الضباط المحترفين فرصة الاستقالة مقابل تعويضات مالية.

كان من المقرر أن يستمر البرنامج ثلاثة أشهر، إلا أنه مُدد حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 1977، على أمل تشجيع عدد من العقداء الموارنة على ترك مناصبهم.

بالتوازي، أُتيحت للفارين من الخدمة، ومعظمهم من قوى الأمن الداخلي، فرصة العودة، وانطلقت حملة تجنيد جديدة.

وأدت الحملة إلى رفع عدد أفراد الجيش إلى نحو 23 ألف جندي بحلول عام 1980.


إجراءات بحق الضباط المنشقين

اتُخذت إجراءات عقابية بحق عدد من الضباط، بينهم الملازم أول أحمد الخطيب، الذي اعتقلته قوة الردع العربية وفُصل من الجيش.

كما أوقف الجيش راتب الرائد سعد حداد في الأول من فبراير/ شباط 1979، قبل طرده في 19 أبريل/ نيسان من العام نفسه، أي بعد يوم من إعلانه قيام "دولة لبنان الحر" في المنطقة الحدودية الجنوبية الخاضعة لسيطرته وللسيطرة الإسرائيلية.


إصلاح قانوني ومؤسسي

في 13 مارس/ آذار 1979، بدأ مسار إصلاح مؤسسي مع اعتماد قانون جديد للدفاع الوطني.

كان الهدف رفع مستوى القيادة العسكرية وإعادة تنظيم الجيش ضمن ثمانية ألوية، إضافة إلى إنشاء المجلس الأعلى للدفاع، وإعادة هيكلة القيادة، وتأسيس مجلس عسكري متعدد الطوائف، وتحديد سن التقاعد للضباط، وتنظيم جوانب إدارية وعسكرية أخرى.


حركة سمير الأشقر


يشير مارون خريش إلى حركة أخرى شهدها الجيش عام 1978، خلال مرحلة إعادة توحيده، قادها النقيب المغوار سمير الأشقر.

ويقول إن الأشقر اعترض على مسار إعادة الدمج، وحاول السيطرة على ثكنات في المناطق المسيحية.

اتخذت قيادة الجيش قرارًا بوقف حركته، وهاجمته في منطقة قرنة شهوان، حيث قُتل.

ويرتبط اسم الأشقر أيضًا بمواجهة مع الجيش السوري في منطقة الفياضية، عندما أقامت القوات السورية حاجزًا أمام المدرسة الحربية.

أدى الاشتباك إلى سقوط ضحايا، ولا سيما في صفوف القوات السورية، وتعرضت الثكنة لاحقًا لقصف سوري.


حركة 6 شباط 1984


في عام 1984، اندلعت الحركة المعروفة بـ"انتفاضة 6 شباط"، التي قادتها حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي ضد حكم الرئيس أمين الجميل.

جاءت الحركة في ظل استمرار الحرب الأهلية، وبعد مفاوضات بين لبنان وإسرائيل انتهت بتوقيع اتفاق 17 أيار/ مايو 1983، الذي واجه رفضًا واسعًا من قوى لبنانية وسوريا.

كان الجيش في تلك المرحلة بقيادة العماد إبراهيم طنوس.

واتهمت قوى لبنانية الجيش بالتصرف بصورة "فئوية"، خصوصًا بعد قيام وحدات عسكرية بجرف منازل في منطقة الأوزاعي، وقصف مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفق دراسة توثيقية صادرة عن مؤسسة "الدولية للمعلومات".

ساهمت هذه التطورات في اندلاع انتفاضة 6 شباط، التي شهدت تمرد اللواء السادس على قيادة الجيش وانحيازه إلى حركة أمل بزعامة نبيه بري.

وبذلك، أصبحت أحداث 6 شباط محطة جديدة ضمن مسار انقسام المؤسسة العسكرية.



اندلعت اشتباكات بين الجيش ومسلحين من حركة أمل وأحزاب أخرى، وقصفت مدفعية الجيش أحياء في بيروت الغربية كانت تنتشر فيها الحركة وقوى يسارية.

ودفعت المواجهات اللواء السادس إلى الانسحاب من شوارع بيروت الغربية، وإعلان التمرد على أوامر القيادة التي طلبت استمرار القتال. (7)

كان اللواء السادس بقيادة العقيد لطفي جابر، الذي قرر السير في الاتجاه الذي أرادته حركة أمل.

أعقبت الانشقاق اتصالات بين الحركة والجيش وفعاليات سياسية ودينية وأمنية، انتهت إلى وقف إطلاق النار، وسحب المسلحين من الشوارع، ومحاولة إعادة ضبط الأمن.

وأصبحت بيروت الغربية تحت سيطرة حركة أمل، التي طالبت باستقالة الرئيس الجميل، وهو المطلب نفسه الذي تبناه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.


آليات عسكرية في بيروت خلال مواجهات فبراير/ شباط 1984 التي انتهت بتمرد اللواء السادس وانسحابه من بيروت الغربية – أرشيف
آليات عسكرية في بيروت خلال مواجهات فبراير/ شباط 1984 التي انتهت بتمرد اللواء السادس وانسحابه من بيروت الغربية – غيتي / أرشيف 

روايتان لما حدث في الضاحية


يقدّم العميد هشام جابر رواية تربط أحداث 6 شباط بالقرار السياسي الذي حكم حركة الجيش آنذاك. فبرأيه، لم تكن المؤسسة العسكرية "فئوية" كما وُصفت، وكانت الانتفاضة موجهة ضد الدولة والجيش، غير أن الرئيس أمين الجميل بدا، في الوقت نفسه، وكأنه يوظف المؤسسة في خدمة خياراته السياسية.

ويستعيد جابر نقاشًا دار بينه وبين قائد الجيش إبراهيم طنوس بشأن قصف الضاحية الجنوبية، فيقول: "التقيت العماد طنوس وناقشته في قصف الضاحية، وهي الخطوة التي ساهمت في اندلاع انتفاضة 6 شباط. سألته كيف يمكن للجيش أن يبادر إلى ذلك، فأجاب بأن الأوامر جاءت من رئيس الجمهورية".

لم تبق المسألة، بحسب روايته، عند حدود النقاش داخل القيادة. كان جابر يخدم حينها في اللواء الثالث إلى جانب العميد نزار عبد القادر، وحين صدر الأمر بالقصف رفض تنفيذه وتذرع بوضع صحي أبقاه في منزله. ويتابع وصف ما جرى بعد ذلك: "تقدمت المصفحات وقصفت الضاحية، فاندلعت الانتفاضة وحصل تمرد اللواء السادس".

ومع اتساع المواجهات، تحرك جابر، وفق شهادته، لمنع انتقال الانقسام إلى اللواء الثالث، فوزع العسكريين بين منطقة اليرزة وقصر العويني عند أطراف بيروت، ومنع القوى المتحاربة من الاقتراب منهم، في محاولة لعزل الوحدة عن الاقتتال الدائر.

لكن العميد المتقاعد منير بجاني، الذي كان آمر سلاح المدفعية في اليرزة، يقدّم رواية مختلفة. فهو ينفي أن يكون الجيش قد استهدف سكان الضاحية، ويضع القصف في سياق الرد على الميليشيات التي كانت تضرب مواقع المؤسسة العسكرية.

وبحسب بجاني، "ليس صحيحًا كل ما قيل عن الجيش. نحن لا نقصف المواطنين، والمواجهات كانت ضد جهات غير حكومية. وكان الهدف حماية مواقعنا ووزارة الدفاع في اليرزة، أي إن الجيش كان يدافع عن نفسه ولم يكن يعتدي".

بهذا تبقى الواقعة نفسها محكومة بروايتين من داخل المؤسسة: إحداهما ترى أن أوامر سياسية دفعت الجيش إلى خطوة ساهمت في تفجير الانتفاضة، والأخرى تعتبر أن المؤسسة كانت تخوض مواجهة دفاعية لحماية مواقعها من الميليشيات.
ماذا حدث في الضاحةي

انقسام جديد في الجيش.. عون والخطيب


بعد انتفاضة 6 شباط، عُيّن العماد ميشال عون قائدًا للجيش خلفًا لإبراهيم طنوس في يونيو/ حزيران 1984.

ويقول مارون خريش إنه بعد وصول عون إلى القيادة، سيطر اللواء سامي الخطيب في بيروت الغربية على وحدات عسكرية لم تكن خاضعة لإمرة عون، وشكّل ما عُرف بـ"الجيش الوطني" في المناطق ذات الغالبية المسلمة.

وكان سامي الخطيب يحظى بدعم رئيس حركة أمل نبيه بري، فيما تمركزت قيادة عون بصورة أساسية في المناطق المسيحية.

ويضيف خريش: "لم يكن الجيش موحدًا بالكامل في عهد عون بسبب وجود سامي الخطيب في المنطقة الغربية".

كما واجه عون، وفق خريش، معوقات مرتبطة بإرسال الجيش إلى الجنوب ليحل محل "جيش لبنان الجنوبي" الذي نشأ بقيادة سعد حداد وارتبط بإسرائيل.

ويقول إن عون أرسل وحدات عسكرية باتجاه الجنوب، إلا أن انتشارها توقف عند إبل السقي، بسبب رفض النظام السوري تمدد الجيش إلى المنطقة الحدودية.

ويضيف أن توقف الجيش عند إبل السقي يعني أنه لم يتمكن من دخول الشريط الحدودي فعليًا.

رغم هذه المعوقات، يشير هشام جابر إلى أن الجيش شهد في عهد عون تشكيلات وتنظيمات ساهمت في تعزيز تماسكه.

وحاول عون مع رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني معالجة مسألة سامي الخطيب، إلا أن الانقسام استمر.

وعندما عُيّن عون رئيسًا لحكومة انتقالية في أواخر عام 1988، بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل، أصبح سامي الخطيب قائدًا لما وُصف بـ"النصف المسلم" من الجيش.

ويذكر الصحافي نقولا ناصيف في مقال توثيقي عن سامي الخطيب أن سوريا هي التي شجعت تعيينه أول قائد مسلم لنصف الجيش اللبناني. (8)

تولى الخطيب هذه المهمة سنة و19 يومًا، من نوفمبر/ تشرين الثاني 1988 حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 1989، فيما كان عون يرأس الحكومة العسكرية ويحتفظ بقيادة وحدات أخرى من الجيش، ويخوض مواجهة ضد القوات السورية.


وحدات من الجيش اللبناني بعد بدء عملية توحيد الألوية وإعادة بناء المؤسسة في أعقاب الحرب الأهلية

الجيش بعد الحرب


بعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989، قدم سامي الخطيب استقالته، بالتزامن مع انتخاب إلياس الهراوي رئيسًا للجمهورية.

وعُيّن العماد إميل لحود قائدًا للجيش في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 1989، فيما احتفظ ميشال عون بمنصبه رئيسًا للحكومة العسكرية، ورفض الاعتراف بشرعية السلطة المنبثقة عن اتفاق الطائف، كما بقيت وحدات من الجيش موالية له.

استمر تمرد عون حتى 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1990، عندما هاجمت القوات السورية القصر الجمهوري في بعبدا ومراكز عسكرية أخرى تابعة له.

جاء الهجوم بطلب من مجلس الوزراء اللبناني الذي طلب مؤازرة القوات السورية للجيش والسلطة المنبثقة عن اتفاق الطائف. (9)

وبعد الهجوم، لجأ عون إلى السفارة الفرنسية، وطلب من العسكريين التابعين له تلقي الأوامر من قيادة العماد إميل لحود.

وبدأ لحود، وفق هشام جابر، عملية توحيد الجيش ودمج الألوية والعناصر التي كانت موزعة بين القيادات المتنافسة.

وشملت عملية إعادة البناء أيضًا استيعاب عناصر من الميليشيات داخل المؤسسة العسكرية، وإخضاعهم لدورات تدريب وإعادة تأهيل، بالتوازي مع تفكيك البنى العسكرية التي نشأت خلال الحرب.


من الانقسام ‘إلى التوحيد

مؤسسة دفعت ثمن انقسام الدولة

كانت المحطات التي مر بها الجيش اللبناني مفصلية في تاريخه. فقد أدى الانقسام السياسي والطائفي إلى إضعاف المؤسسة العسكرية، فيما تقدمت سلطة الميليشيات على سلطة الدولة طوال سنوات الحرب.

تكشف قصة انقسام الجيش أن المؤسسة العسكرية لم تكن معزولة عن صراعات النظام السياسي. فعندما تعددت الحكومات والسلطات والولاءات، انتقل الانقسام إلى الثكنات والوحدات، وأصبح في لبنان أكثر من جيش وقيادة وسلاح.

أما إعادة التوحيد، فلم تتحقق بقرار عسكري وحده، وإنما ارتبطت بتسويات سياسية، وإعادة تنظيم القيادة، ودمج العسكريين، وتفكيك تشكيلات الحرب، وإعادة بناء المؤسسة على أساس انتماء موحد.

اليوم، ما زال الجيش يُنظر إليه بوصفه مؤسسة تجمع لبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق. وتبقى تجربة انقسامه تحذيرًا من أن تشرذم المؤسسة العسكرية لا يضرب الجيش وحده، وإنما يهدد سلطة الدولة ووحدة القرار وسيادة القانون.

المراجع
  • مقابلة خاصة مع العميد المتقاعد هشام جابر – موقع التلفزيون العربي.
  • مقابلة خاصة مع العميد المتقاعد مارون خريش – موقع التلفزيون العربي.
  • مقابلة خاصة مع حسن الخطيب، نجل الملازم أول أحمد الخطيب الذي قاد تمردًا داخل الجيش عام 1976.
  • مقابلة خاصة مع العميد المتقاعد منير بجاني – موقع التلفزيون العربي.
  • (1) الموقع الرسمي للجيش اللبناني، محطات تاريخية وتأسيس الجيش.
  • (2) «تراكمات طويلة.. أسباب اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)»، موقع التلفزيون العربي.
  • (3) جوزيف كيشيشيان، The Lebanese Army: Capabilities and Challenges in the 1980s، 1985.
  • (4) نقولا ناصيف، المكتب الثاني.. حاكم في الظل، 2005.
  • (5) جريدة السفير، العدد 705، مارس/ آذار 1976.
  • (6) طارق سكرية، «أحمد الخطيب.. الضابط الفار»، 2014.
  • (7) «6 شباط 1984: ثورة أم اعتداء على الدولة؟»، مؤسسة الدولية للمعلومات.
  • (8) نقولا ناصيف، «سامي الخطيب: التقاطع الممكن بين الشهابية والناصرية والبعث»، جريدة الأخبار، 2019.
  • (9) «قصة حبيب الشرتوني وخفايا اغتيال بشير الجميل.. كيف كُشف أمره؟»، موقع التلفزيون العربي.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من