"سوريا لن تكون أفغانستان، وهيئة تحرير الشام ليست إرهابية"، هذا ما أكده قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع في تصريحات صحافية، قال فيها إنه يؤمن بحق المرأة في التعليم، وإن النساء يشكلن نحو 60% من طلاب الجامعات في مدينة إدلب.
وتندرج هذه التصريحات في سياق رسائل الطمأنة التي يبعثها الشرع وأركان إدارته بشكل شبه يومي للداخل والخارج، تقابلها تصريحات دولية، آخرها أوروبية، تشدّد على أنها ستحكم على القيادة السورية الجديدة من أفعالها لا أقوالها، لكنها تؤكد أيضًا رغبتها بفتح حوار معها.
يطمئن الشرع الداخل والخارج، عبر التأكيد أنه لا يريد تحويل سوريا إلى أفغانستان جديدة، وأنه يؤمن بتعليم المرأة، كما حاول أيضًا أن يظهر جديته في ترجمة الأقوال إلى أفعال، إذ قالت مصادر للتلفزيون العربي إن الإدارة السورية الجديدة تجري مشاورات لتشكيل مؤتمر وطني للحوار، وحكومة كفاءات وطنية ستخلف حكومة البشير بعد انتهاء مهمتها.
رسائل طمأنة للداخل والخارج
هي رسائل متعددة يواظب الشرع على إرسالها إلى السوريين والعالم بشكل شبه يومي منذ لحظة إسقاط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، في موازاة اهتمامه بلقاء أطياف سورية متعددة، وتشديده على أن الانتقال السياسي سيكون حصرًا عبر صندوق الانتخابات.
وتقابل دول العالم وتحديدًا الغربية منها، رسائل الشرع بالتعبير عن تفاؤل حذر إزاء الإدارة السورية الجديدة تارة، وأخرى بالقول إن العبرة بالأفعال والخواتيم.
وتداعى قادة الاتحاد الأوروبي اليوم الخميس للاجتماع لأول مرة منذ الإطاحة بالأسد، لبحث كيفية التعامل مع القيادة السورية الجديدة، وقال رئيس وزراء لوكسمبورغ لوك فريدان إن الكتلة الأوروبية تواصل مراقبة الأوضاع في سوريا عن كثب، مضيفًا أنه من المبكر الحكم على القيادة السورية الجديدة.
من جانبها، أثنت رئيسة البرلمان الأوروبي روبيرتا ميتسولا، على فتح الاتحاد الأوروبي قنوات حوار مع الإدارة السورية الجديدة ومع الشركاء في المنطقة.
الأفعال لا الأقوال
أما أميركيًا فلا يختلف موقف واشنطن جوهريًا عن المواقف الأوروبية، حيث تشدد الولايات المتحدة علنًا أن العبرة بسلوك قادة سوريا الجدد، وأكد وزير الخارجية أنتوني بلينكن أخيرًا أن بلاده فتحت قنوات اتصالات مع هيئة تحرير الشام وجهات سورية أخرى.
وبينما تحاول الدول العربية التي سارع بعضها إلى فتح سفاراتها في دمشق، أن تبني علاقة جيدة مع سوريا الجديدة، بل وعقد قمم واجتماعات عبرت من خلالها عن دعمها لسوريا جديدة ومستقلة، يشارك الجميع في عملية الانتقال السياسي فيها.
فما هي تأثيرات رسائل الطمأنة وجدواها في تغيير نظرة الغرب تجاه الإدارة السورية الجديدة ودعمها لبناء سوريا الجديدة؟ وما دلالات المواقف الغربية الأولية حيال أحمد الشرع وما صدر عنه من رسائل؟
مشكلة بنيوية لا طارئة
في مقاربة هذه القضايا، يرى الكاتب السوري حسام جزماتي، أن رسائل الطمأنة التي يبعثها الشرع تمثل مزيجًا من التكتيك السياسي الهادف لترسيخ أوضاع الإدارة الجديدة، والإستراتيجيات التي تتبناها القيادة الحالية لإدارة سوريا.
وأوضح جزماتي، في حديثه للتلفزيون العربي، من غازي عنتاب بتركيا، أن الإدارة الجديدة تسعى لتحقيق هدفين رئيسيين في هذه المرحلة: الأول إزالة هيئة تحرير الشام وعدد من قياداتها من قوائم الإرهاب، والثاني رفع العقوبات الدولية عن سوريا لتسهيل دخول الشركات العالمية للبدء بإعادة الإعمار، ما يعزز موقفها داخليًا وخارجيًا.
وتساءل جزماتي عن قدرة الإدارة الجديدة على الوفاء بوعودها، مشيرًا إلى التناقضات التي تواجهها، مثل تعهدها بتحسين العلاقات مع روسيا رغم الدور الروسي السابق الداعم للرئيس المخلوع، إضافة إلى رسائل الطمأنة الموجهة لإيران. كما لفت إلى محاولات الإدارة احتواء قوات النظام السابق، وهو ما أثار غضب الحاضنة الثورية المطالبة بالمحاكمات وتحقيق العدالة للضحايا.
ويخلص جزماتي إلى أن ثمة مشكلة بنيوية تحول دون الإدارة الجديدة وحل التناقضات بين وعودها وقدراتها.
توقعات كبيرة وقدرات محدودة
من جانبه، يرى أولريك بروكنر، أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة ستانفورد في برلين، أن هناك شعورًا بالارتياح لسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، لكن سقوط أنظمة ديكتاتورية لم يؤد إلى بنية جديدة تحترم المتطلبات الدولية والمعايير الإنسانية.
ويقول بروكنر، في حديثه للتلفزيون العربي، إن هناك سقف توقعات عالٍ حاليًا يقابله فجوة في القدرات. فهناك توقعات كبيرة من حكومة مطالبة بتحقيق الكثير، لكنها لا تزال عاجزة عن ذلك بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار، وانعدام الثقة بين الأطراف المتنازعة، فضلًا عن تأثير الحرب بالوكالة التي تشارك فيها أطراف دولية أساسية.
ووفقًا لبروكنر فإن الغرب سيكون مستعدًا لتقديم المساعدات الإنسانية إذا لمس التزامًا بالمعايير الدولية، واحترام التعددية، ومراعاة مصالح الأقليات والمجموعات المختلفة داخل المجتمع السوري. وشدّد على أن معيار الغرب في هذا الصدد هو الأفعال وليس الأقوال.
رضا الحاضنة الثورية
أما نائب رئيس تيار سوريا الجديدة منير فقير فيقول للتلفزيون العربي، إن المشكلة ليست في هيئة تحرير الشام بل في بنية الجماعات الجهادية في سوريا، فقياداتها يمكن أن تتغيّر بسبب ضغوط سياسية أو استحقاقات مطلوبة، لكن ذلك لا ينطبق على قواعدها التي تسيطر عمليًا على المفاصل الأمنية على الأرض.
لذلك تُبرر أي تجاوزات إذا حدثت بحسب فقير، بأنها تصرفات فردية رغم أنها ليست كذلك. ويقول فقير إن الاختبار الحقيقي لوعود الشرع ورسائله يكمن في رضا الحاضنة الثورية والمجتمع المدني السوري.
وأشار إلى أنّ مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب لم تتلق أي رسائل طمأنة من الإدارة الجديدة حتى الآن، كما لم يلتق بها الشرع الذي التقى بقية أطراف المعادلة الداخلية.
ورغم ذلك، يشدد فقير على أن مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب تمد يدها إلى الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، وتريد لها النجاح، خاصة أن فشلها سينعكس على مشروع الثورة السورية برمته.