عبّرت جمعيات دراسات الشرق الأوسط في ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأميركا الشمالية عن قلقها إزاء إلغاء مؤتمر حول فلسطين كان من المقرر أن يُقام من الخميس إلى الجمعة، ومن تنظيم كرسي التاريخ المُعاصر للعالم العربي في معهد كوليج دو فرانس المرموق في باريس والمركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية.
وتوجّهت 4 جمعيات برسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزير التربية الوطنية والشباب في فرنسا فيليب بابتيست، ورئيس كلية فرنسا توماس رومر، طالبت فيها بإقامة المؤتمر بموعده المقرر وتقديم اعتذار رسمي لمنظميه والمُشاركين فيه عن الإلغاء.
ووقّع الرسالة كلّ من المعهد الألماني لدراسات الشرق الأوسط (DAVO)، والجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط (BRISMES)، والجمعية الإيطالية لدراسات الشرق الأوسط (SeSaMO)، وجمعية دراسات الشرق الأوسط في أميركا الشمالية (MESA).
هجوم على نزاهة الباحثين
وأكدت الرسالة التزام الجمعيات بدعم الحرية الأكاديمة وحرية التعبير، وأوضحت أنّ مؤتمر "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المُعاصرة"، الذي كان مُقررًا عقدُه في الأكاديمية الفرنسية يومي 13 و14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، يهدف لدراسة كيفية اندماج قضية فلسطين في الديناميكيات السياسية والعلمية الأوروبية المعاصرة.
وجاء في الرسالة: "من المُقلق للغاية إلغاء المؤتمر إثر تعليقات مُضلّلة على وسائل التواصل الاجتماعي وضغوط سياسية من وزارة التعليم العالي الفرنسية". وأشارت الرسالة إلى أن التشكيك في شرعية المؤتمر الأكاديمي يُعدّ هجومًا غير مبرر على نزاهة الباحثين المدعوين.
وأضافت: "إنّ تشويه العمل الأكاديمي الدقيق باعتباره مُتحيّزًا يُقوّض مبادئ البحث العلمي التاريخي والاجتماعي". ورأت أنّه "يجب أن يُقيّم المجتمع الأكاديمي النقاش العلمي، لا أن يُقيّده التدخّل السياسي".
انتهاك لالتزام فرنسا بالحرية الأكاديمية وحرية التعبير
كما أشارت الرسالة إلى أنّ التزامات فرنسا باحترام الحرية الأكاديمية منصوص عليها بوضوح في القانون الوطني والأوروبي والدولي.
وذكرت أنّ المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي وقّعتها فرنسا وصدّقت عليها، تحمي حرية التعبير بما في ذلك الحرية الأكاديمية. كما تعترف المادة 13 من ميثاق الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية صراحةً بحريّة الفنون والعلوم، بما في ذلك التدريس والبحث والنشر، ممّا يفرض على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي واجب حماية الحريات الأكاديمية.
وأوضحت الرسالة أنّ المادة 19 من العهد الدولي للأمم المتحدة الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضمن حرية التعبير، والتي فسّرتها هيئات الأمم المتحدة وصكوكها على أنّها تمتد إلى الحرية الأكاديمية، وبالتالي خلق التزامات مُلزمة لفرنسا لحماية قدرة العلماء على البحث والتدريس والتعبير عن الأفكار من دون تدخّل غير مبرر.
ورأت الجمعيات أنّ إلغاء هذا المؤتمر يُمثّل انتهاكًا جسيمًا لهذه الالتزامات. ويُرسي سابقةً خطيرةً يُمكن من خلالها للضغط الإعلامي أو التدخّل الوزاري تحديد المواضيع التي يُمكن البحث فيها ومناقشتها في الأوساط الأكاديمية.
تهديد للتعددية وإضعاف للبحث النقدي
كما اعتبرت أنّ هذا التدخّل يُهدّد التعدّدية، ويُضعف البحث النقدي، ويُخاطر بتشجيع هجمات أوسع نطاقًا على الحرية الأكاديمية في فرنسا وخارجها.
(English Below) COMMUNIQUÉ DE PRESSE|Le Collège de France cède aux pressions et annule le colloque « La Palestine et l’Europe »https://t.co/RhhP0b71S4 Sous couvert de « garantir la scientificité », le ministère justifie une intervention politique dans le champ de la… pic.twitter.com/CvDs1G6ovR
— CAREP Paris (@CarepParis) November 10, 2025
وأعربت الجمعيات عن قلقها البالغ إزاء الطرق التي يُستعان بها بالمفاهيم "العلمية" و"الدقّة الأكاديمية" لقمع الأنشطة الأكاديمية المشروعة، مشيرة إلى أنّ إلغاء مؤتمر أكاديمي في مؤسسة مرموقة مثل "كوليج دو فرانس" سيُشجّع بشكل أكبر على الاعتداء على الحريات الأكاديمية التي تُعد ركنًا أساسيًا في المجتمع الديمقراطي.
دعوة للاعتذار والعودة عن قرار الإلغاء
ودعت الجمعيات وزارة التعليم ومعهد الكوليج دو فرانس إلى ضمان الحرية الأكاديمية والدفاع عنها من خلال تقديم اعتذار رسمي لمُنظّمي الندوة والمُشاركين فيها عن الإلغاء، والسماح بإقامة المؤتمر كما كان مقررًا، والتأكيد علنًا على الالتزام بالنقاش العلمي المفتوح والنقدي والقائم على الأدلة.
كما طالبت الجمعيات الرئيس الفرنسي ووزارة التعليم ورئيس كلية فرنسا، بحماية الطلاب والموظفين من الضغوط السياسية والترهيب والهجمات الإعلامية التي تهدد حريتهم الأكاديمية أو سلامتهم الشخصية.
كذلك دعتهم إلى الامتناع عن تبنّي أو دعم أي تدابير تُقيّد دور الجامعة كمساحة للتعددية والبحث العلمي المستقل.
وكانت إدارة "كوليج دو فرانس" قد أصدرت بيانًا في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، أعلنت فيه إلغاء الندوة بزعم أنّها تتضمّن "مضامين معادية للسامية وانحيازًا للجانب الفلسطيني"، مضيفة أنّ القرار جاء التزامًا بـ"الحياد التام في القضايا السياسية والأيديولوجية".
وأضافت الإدارة أنّ المعهد "لا يدعم ولا يُشجّع ولا يُبرّر أي نوع من الأنشطة المُروّجة للعمل المُسلّح أو القتالي".
وجاءت خطوة الإلغاء عقب مقال نُشر في صحيفة "لو بوان" بتاريخ 7 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وبسبب الضغوط المُباشرة التي مارسها وزير التعليم العالي والبحث العلمي فيليب باتيست، بذريعة "ضمان العلمية"، ولاعتباره المؤتمر تدخّلًا سياسيًا في مجال البحث الأكاديمي.