رشّحنا الأربعة قبل المونديال.. أين أصابت قراءتنا وأين أخطأت؟
قبل انطلاق كأس العالم 2026، وضعنا أربعة منتخبات في الصف الأول للمرشحين: إسبانيا وفرنسا والأرجنتين وإنكلترا. لم نكتفِ بجمع الأسماء الكبرى أو الاستناد إلى التاريخ، وإنما حاولنا ترتيب حظوظها وفق جودة التشكيلة، واستقرار المشروع الفني، وعمق الخيارات، والقدرة على التعامل مع بطولة أصبحت تتطلب ثماني مباريات لبلوغ الكأس.
بعد 39 يومًا و104 مباريات، احتلت المنتخبات الأربعة نفسها المراكز الأربعة الأولى. تُوّجت إسبانيا باللقب، وحلّت الأرجنتين وصيفة، وأحرزت إنكلترا المركز الثالث، فيما أنهت فرنسا البطولة رابعة. والأهم أن المنتخب الذي وضعناه في صدارة الترشيحات بوصفه صاحب "الملف الأكثر اكتمالًا" كان هو من رفع الكأس في النهاية.
قد تبدو النتيجة بعد وقوعها سهلة التوقع، فهذه منتخبات كبرى تملك نجومًا يلعبون في أقوى الأندية. لكن البطولة ضمت البرازيل وألمانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا وغيرها، وكان يمكن ببساطة توزيع الترشيحات على تاريخ الأسماء أو شعبيتها.
أربعة رشحناهم.. أربعة وصلوا
قلنا عن إسبانيا: المرشح الأول والأكثر اكتمالًا
النتيجة النهائية: البطلقلنا عن الأرجنتين: مشروع مستقرّ وثقافة انتصار
النتيجة النهائية: الوصيفقلنا عن إنكلترا: وفرة مواهب تنتظر الحسم
النتيجة النهائية: المركز الثالثقلنا عن فرنسا: عمق وخبرة في البطولات
النتيجة النهائية: المركز الرابع
إسبانيا.. المرشح الأكثر اكتمالًا يصبح بطلًا
كانت إسبانيا اختيارنا الأول قبل البطولة.
وصفناها بأنها صاحبة "الملف الأكثر اكتمالًا" بين المنافسين، بفضل التوازن بين الشباب والخبرة، وامتلاكها خط وسط هو الأفضل والأعمق في البطولة، وقدرتها على تدوير اللاعبين من دون أن تفقد هويتها أو ينخفض مستواها بصورة كبيرة.
لم يكن الترشيح قائمًا على تتويجها بكأس أوروبا 2024 وحده. ما ميّز المنتخب الذي بناه لويس دي لا فوينتي أنه احتفظ بقدرة الكرة الإسبانية على التحكم في المباريات، لكنه أضاف إليها السرعة والمباشرة والضغط واستغلال الأطراف.
لم تعد إسبانيا مطالبة بإكمال مئات التمريرات كي تقترب من المرمى، كما لم تعد مضطرة إلى الاعتماد على تشكيلة أساسية واحدة.
أكدت البطولة هذه القراءة تقريبًا في جميع مراحلها.
تعثرت إسبانيا بالتعادل السلبي أمام الرأس الأخضر في المباراة الأولى، ثم فازت في مبارياتها السبع التالية، وأقصت النمسا والبرتغال وبلجيكا وفرنسا والأرجنتين في الأدوار الإقصائية.
أنهت المونديال بهدف واحد فقط في مرماها، قبل أن تتفوق على الأرجنتين في النهائي وتسدد 20 مرة مقابل محاولتين لمنافستها خلال 120 دقيقة.
ظهرت قيمة العمق في اللحظة التي تُختبر فيها الفرق الكبيرة فعلًا. لم يحتج هدف الفوز في النهائي إلى لقطة فردية من لامين يامال أو رودري، وإنما صنعه نيكو وليامز وسجله البديل فيران توريس في الدقيقة 106.
كان الحسم ابن المنظومة واتساع الخيارات، وهما السببان اللذان وضعنا إسبانيا بفضلهما في المركز الأول قبل أن تبدأ البطولة.
الأرجنتين.. ثقافة الانتصار تقودها إلى نهائي جديد
لم يكن ترشيح الأرجنتين قائمًا على وجود ليونيل ميسي أو صفة حامل اللقب فقط. ركزت قراءتنا قبل البطولة على استقرار المشروع الذي بناه ليونيل سكالوني، ونضج خط الوسط، وتعدد الخيارات الهجومية، والأهم ترسخ ثقافة جماعية تعرف كيف تتعامل مع المباريات الحاسمة والضغوط الكبرى.
ظهرت هذه الشخصية أكثر من مرة خلال المونديال. لم يكن طريق الأرجنتين مستقيمًا أو مريحًا، لكنها وجدت وسائل مختلفة للبقاء. عادت من التأخر أمام مصر، واحتاجت إلى 120 دقيقة لتجاوز سويسرا، ثم قلبت تأخرها أمام إنكلترا في نصف النهائي إلى فوز بنتيجة 2-1، بعدما سجلت في الدقيقتين 85 و92.
هذه ليست مصادفات منفصلة
الفريق الذي راكم ألقابًا وتجارب حاسمة منذ عام 2021 بدا أكثر راحة من منافسيه عندما تصبح المباراة مضطربة، ويضيق الوقت، ويتقدم الخصم. لم تكن الأرجنتين الأكثر سيطرة في كل مرة، لكنها كانت تعرف كيف تحافظ على إيمانها بالمباراة حتى اللحظة الأخيرة.
توقفت هذه القدرة أمام منتخب أكثر اكتمالًا في النهائي، لكن بلوغ الأرجنتين المباراة الأخيرة للمرة الثانية تواليًا أكد أن ترشيحها لم يكن قائمًا على وهج لقب قطر.
المشروع الذي قرأنا استمراره قبل المونديال ظل قادرًا على حمل الفريق إلى النهائي، حتى عندما لم يكن الأداء في أفضل حالاته.
فرنسا.. عمق التشكيلة وخبرة الأدوار الأخيرة
دخلت فرنسا البطولة في موقع متقدم ضمن قراءتنا بسبب عاملين أساسيين: وفرة غير عادية في الخيارات، وخبرة متراكمة في البطولات القصيرة. فمنذ عام 2016، اعتاد المنتخب الفرنسي الوصول إلى المراحل الأخيرة، فيما أثبت ديدييه ديشان مرارًا أنه يعرف كيف يدير مباريات لا تمنح المدرب فرصة ثانية.
لم تقدم فرنسا أكثر نسخها إقناعًا، لكنها وصلت مرة أخرى إلى نصف النهائي.
ساعدها امتلاك لاعبين قادرين على الحسم حتى عندما لا تعمل المنظومة بكامل كفاءتها، فيما أكد كيليان مبابي مكانته بتتويجه هدافًا للبطولة، وإنهائه المونديال بوصفه الهداف التاريخي للمسابقة.
توقفت فرنسا أمام إسبانيا التي حرمتها من فرض سرعتها، ثم خسرت مباراة المركز الثالث المجنونة أمام إنكلترا بنتيجة 6-4. لا تلغي النهاية المضطربة جوهر القراءة السابقة: العمق والخبرة أوصلا فرنسا إلى المربع الأخير للمرة الثالثة تواليًا في كأس العالم، لكنهما لم يكونا كافيين أمام منتخب إسباني أكثر توازنًا وتنظيمًا.
بلغت فرنسا نصف النهائي للمرة الثالثة تواليًا قبل أن تتوقف أمام إسبانيا - غيتي
إنكلترا.. وصلت المواهب وبقيت الخطوة الأخيرة
كانت إنكلترا المرشح الأكثر تعقيدًا في القائمة. على الورق، امتلكت واحدة من أغنى تشكيلات البطولة، بقيادة هاري كين وجود بيلينغهام وبوكايو ساكا وديكلان رايس، إلى جانب مدرب حقق نجاحات كبيرة في المباريات الإقصائية. لكن قراءتنا لم تفصل هذه الجودة عن السؤال القديم: هل تستطيع إنكلترا تحويل ما تملكه إلى لقب؟
أثبتت البطولة أولًا أن وضعها في الصف الأول كان مستحقًا.
بلغت نصف النهائي، ثم أنهت المونديال في المركز الثالث، محققة أفضل نتيجة لها منذ تتويجها الوحيد عام 1966. كشفت مباراة فرنسا، التي سجلت خلالها ستة أهداف وتلقى فيها منافسها أربعة، حجم القوة الهجومية التي يملكها المنتخب عندما يلعب بحرية.
لكن نصف النهائي أعاد السؤال نفسه الذي رافق الترشيح. تقدمت إنكلترا أمام الأرجنتين، ثم تراجعت تدريجيًا لحماية النتيجة، حتى استقبلت هدفين متأخرين وفقدت فرصة بلوغ النهائي. لم يكن الخروج دليلًا على خطأ وضعها بين الأربعة، وإنما أكد أن مشكلتها لم تكن يومًا في الوصول إلى المنافسة، وإنما في إدارة الخطوة التي تفصل الفريق الجيد عن البطل.
بهذا المعنى، أصابت القراءة الوجهين: إنكلترا تملك ما يكفي للوصول بعيدًا، لكنها لم تثبت بعد أنها تملك الحرية والشجاعة اللازمتين لحسم أصعب مباراة.
لم نضع كل الكبار في المرتبة نفسها
لم تكن هذه النتائج محسومة مسبقًا، لكنها جاءت منسجمة مع أسباب الحذر التي منعتنا من وضع المنتخبات الثلاثة إلى جانب الأربعة الأوائل.
لم يكن التحليل معصومًا بطبيعة الحال.
انتظرنا وصول مفاجأة إلى نصف النهائي على غرار كرواتيا في 2018 والمغرب في 2022، ورشحنا هولندا لتكون من المنتخبات القادرة على الذهاب أبعد مما فعلت.
بالغنا أيضًا في وصف فرنسا بالاستقرار، واعتقدنا أن وجود توماس توخيل قد يساعد إنكلترا على تجاوز عقدتها في المباريات الحاسمة.
بقيت تلك تقديرات جزئية لم تصمد كاملة، داخل قراءة أصابت السؤال الأكبر: من يملك التشكيلة والمشروع والعمق اللازم للوصول إلى الأيام الأخيرة؟
عندما تصيب الأسباب قبل الأسماء
لا تكمن قيمة التوقع في كتابة أسماء منتخبات كبيرة وانتظار النتائج. كان من السهل إدخال البرازيل وألمانيا والبرتغال في قائمة طويلة، ثم الادعاء بعد البطولة بأن بعض المرشحين وصل وبعضهم أخفق.
ما جعل القراءة أدق هو ترتيب المرشحين وتحديد أسباب وجودهم هناك. وضعنا إسبانيا أولًا لأنها الأكثر اكتمالًا، ورأينا في الأرجنتين شخصية جماعية تعرف كيف تفوز، وفي فرنسا عمقًا وخبرة يصعب إقصاؤهما مبكرًا، وفي إنكلترا وفرة مواهب تجعلها قادرة على بلوغ المربع الأخير، حتى إن ظلت الخطوة النهائية موضع شك.