لم تكن علاقة رياض السنباطي بأم كلثوم تعاونًا عابرًا بين ملحن ومطربة. فمع هذا الملحن تحديدًا امتدت واحدة من أطول شراكاتها الفنية، وبلغت القصيدة العربية في غنائها مرحلة مختلفة من البناء الموسيقي، حتى أصبح اسم السنباطي واحدًا من أكثر الأسماء التصاقًا بهذه المساحة من مشروعها.
ولعل أهم ما يميز هذه العلاقة أن السنباطي كان أكثر الملحنين الذين قدّموا ألحانًا لأم كلثوم. وتشير مصادر مصرية إلى نحو 90 لحنًا جمعهما، وهو الرقم الأعلى بين الملحنين الذين تعاونوا معها.
لكن أهمية الشراكة لا تقاس بالعدد وحده. فداخلها تبلورت مجموعة من أشهر قصائد أم كلثوم وأغنياتها الطويلة، فيما وجد السنباطي في صوتها المجال الأوسع لتطوير مدرسته في تلحين القصيدة.
اللقاء الأول: تعارف مبكر قبل الشهرة
تعود معرفة السنباطي بأم كلثوم إلى سنوات مبكرة، قبل أن يصبح أي منهما الاسم الذي عرفه الجمهور لاحقًا.
وتتقاطع الروايات التي نقلتها الصحافة المصرية حول التفاصيل الدقيقة للقاء الأول، لكنها تجمع على أنه وقع في دلتا مصر حين كان كل منهما يرافق والده في حفلات الغناء والإنشاد. ويروي السنباطي أن طريق الأسرتين تقاطع في إحدى محطات القطار الريفية بعد حفلتين في قريتين متجاورتين.
كانت أم كلثوم آنذاك تغني إلى جانب والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي، بينما كان رياض يرافق والده محمد السنباطي. وبعد سنوات، التقى المساران مجددًا في القاهرة، بعدما كانت أم كلثوم قد أصبحت مطربة معروفة وبدأ السنباطي يشق طريقه في الإذاعة والتلحين.
خلفية السنباطي: ابن الطرب في الدلتا
ولد رياض السنباطي عام 1906 في مدينة فارسكور بمحافظة دمياط. كان والده منشداً ومغنيًا يعزف على العود ويحيي الموالد والأعياد والمناسبات في القرى، فنشأ الطفل في بيئة امتلأت بالمقامات والتواشيح والغناء.
تعلّم العزف على العود مبكرًا، ورافق والده في الحفلات، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ويواصل مسيرته الموسيقية. ورغم انتقاله إلى العاصمة وانفتاحه على التحولات التي كانت تعرفها الموسيقى المصرية، ظل مرتبطًا بالصياغة الشرقية وبناء المقام وعلاقته بالكلمة.
هذه الخلفية ستصبح لاحقًا أساس مدرسته في تلحين القصيدة، المجال الذي ارتبط باسمه أكثر من أي قالب آخر، حتى وصفه محمد عبد الوهاب بـ"ملك القصيدة".
(الصورة أرشيفية من سبعينيات القرن العشرين - غيتي)
بداية الشراكة الفنية
بدأ التعاون الفعلي بين السنباطي وأم كلثوم في منتصف الثلاثينيات، وكان "على بلد المحبوب وديني" من أوائل الأعمال التي ارتبطت ببداية هذه المرحلة. وتضع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية بداية التعاون حول هذا العمل سنة 1935، مع وجود اختلافات في المصادر بشأن مسار الأغنية الأول وتسجيلها.
ومنذ تلك المرحلة، بدأ حضور السنباطي يتسع داخل مشروع أم كلثوم، إلى جانب محمد القصبجي وزكريا أحمد، حتى أصبح لاحقًا الملحن الأكثر حضورًا في مسيرتها من حيث عدد الأعمال.
لكن الفرق لم يكن عدديًا فقط.
فالسنباطي دخل مشروع أم كلثوم من باب كانت تعرفه منذ بداياتها مع أبي العلا محمد: القصيدة. غير أن القصيدة معه ستصبح أطول نفسًا، وأكثر اعتمادًا على البناء الموسيقي والمقدمات واللوازم والتحولات المقامية.
مدرسة السنباطي: القصيدة تتحول إلى دراما موسيقية
مع السنباطي، لم تعد القصيدة العربية مجرد نص يوضع فوق لحن. كان يبحث في الكلمات عن حركة داخلية يستطيع أن يبني عليها الجملة الموسيقية، وأن يجعل انتقال المعنى جزءًا من انتقال اللحن نفسه.
وفي كثير من أعماله الطويلة، تبدأ الموسيقى بتمهيد يحدد المزاج العام، ثم تتحرك الجملة تدريجيًا مع النص، فتترك للصوت مساحة للصعود والهدوء وإعادة العبارة قبل الوصول إلى الذروة.
احتاج هذا الأسلوب إلى صوت يملك القدرة على التحكم في النفس، والانتقال بين المقامات، وإعادة الجملة الواحدة بأكثر من لون تعبيري. وهنا وجد السنباطي في أم كلثوم الصوت الذي يستطيع أن يحمل هذا البناء.
وفي المقابل، وجدت هي في ألحانه مساحة لاختبار قدرتها على التعامل مع القصيدة الطويلة من دون أن تفقد وضوح الكلمة أو طاقة الطرب.
أعمال صنعت الذاكرة
قدّم السنباطي لأم كلثوم عددًا كبيرًا من الأعمال التي أصبحت من علامات التراث الغنائي العربي، ومن بينها "على بلد المحبوب وديني"، و"يا ظالمني"، و"سلوا كؤوس الطلا"، و"حديث الروح"، و"نهج البردة"، و"رباعيات الخيام"، و"الأطلال".
هذه الأعمال ليست سوى جزء من سلسلة طويلة تنقلت بين القصيدة الدينية والعاطفية والوطنية والأغنية الطويلة، وجعلت اسم السنباطي مرتبطًا بمرحلة واسعة من مشروع أم كلثوم الفني.
"الأطلال".. حين بلغ المشروع ذروته
تبقى "الأطلال" واحدة من أكثر اللحظات اكتمالًا في التعاون بين رياض السنباطي وأم كلثوم.
حين قدّمتها أم كلثوم عام 1966، كان النص المغنى قد تشكل من أبيات لإبراهيم ناجي، مع الاستعانة بأبيات من قصيدة أخرى له هي "الوداع". ثم جاء لحن السنباطي ليبني على النص عملًا طويلًا تتحرك فيه الجملة الموسيقية تدريجيًا من التأمل إلى الانفعال.
في "الأطلال"، بدا واضحًا ما صنعته سنوات التعاون بين الاثنين. كان السنباطي يعرف مساحات صوت أم كلثوم، فيما كانت هي تعرف كيف تمنح جمله وقتها، وكيف تعيد العبارة وتلوّنها من دون أن ينكسر البناء العام للأغنية.
ولهذا لم تكن "الأطلال" مجرد محطة ناجحة في علاقة طويلة، بل أصبحت من أكثر الأعمال التصاقًا باسميهما معًا، وتصفها مصادر أرشيفية بأنها محطة مفصلية في مسيرتي السنباطي وأم كلثوم.
علاقة فنية طويلة
استمرت الشراكة بين السنباطي وأم كلثوم لعقود، عبر مراحل تغير فيها شكل الأغنية المصرية نفسها.
ولم تكن العلاقة خالية من الخلافات. فقد عرفت فترات انقطاع وعتاب، واختلفت الروايات في أسباب بعضها بين المادي والفني، لكنها عادت في كل مرة تقريبًا إلى التعاون. وهذا أيضًا جزء من طبيعة الشراكة الطويلة: لم يكن أي من الطرفين مجرد منفذ لرؤية الآخر، بل كان لكل منهما تصوره وحدوده وشروطه.
كان السنباطي معروفًا بالدقة في بناء ألحانه والاعتداد بخياراته الموسيقية، فيما كانت أم كلثوم شديدة الحضور في اختيار النصوص ومراجعة ما ستغنيه وتفاصيل الأداء.
ومن داخل هذه العلاقة الطويلة، لم يبقَ السنباطي الملحن نفسه الذي دخل عالمها في الثلاثينيات، كما لم تبقَ أم كلثوم المطربة نفسها.
تطورت لغته الموسيقية مع اتساع تجربتها، فيما أخذت هي من ألحانه واحدة من أهم الأدوات التي حافظت بها على حضور القصيدة داخل مشروعها في مراحل متعاقبة من مسيرتها.
أثر السنباطي في مسيرتها
إذا كان أبو العلا محمد قد ثبّت علاقة أم كلثوم بالقصيدة والكلمة، ومحمد القصبجي دفع صوتها إلى التجريب، وزكريا أحمد أعاد وصله بالمقام والعامية والطرب المصري، فإن رياض السنباطي جمع عناصر من هذه المراحل داخل مشروع طويل أصبحت فيه القصيدة أحد أكثر وجوه أم كلثوم اكتمالًا.
لكنه لم يكن تأثيرًا في اتجاه واحد.
فصوت أم كلثوم منح السنباطي بدوره المساحة التي احتاج إليها لتطوير تجربته في القصيدة والأغنية الطويلة، وجعل أعماله تصل إلى جمهور عربي واسع وتصبح جزءًا من الذاكرة الموسيقية المشتركة.
وهنا تحديدًا يظهر موقع السنباطي داخل سلسلة "رجال في فلك الكوكب". لم يصنع أم كلثوم، كما لم تصنع أم كلثوم السنباطي وحدها، لكن لقاءهما الطويل أتاح لكل منهما أن يذهب أبعد في المساحة التي يجيدها: هو في بناء القصيدة، وهي في تحويل هذا البناء إلى صوت حي أمام الجمهور.
وبعد أن تعلم الصوت، وجرّب، وطرب، واتسعت مدارسه، جاء السنباطي ليجعل القصيدة نفسها واحدة من المساحات الكبرى التي استقر فيها مشروع أم كلثوم، من دون أن يتوقف عن التطور.
المصادر الخارجية المعتمدة
- الهيئة العامة للاستعلامات المصرية | رياض السنباطي — السيرة، بداية التعاون مع أم كلثوم، ونحو 90 لحنًا.
- الأهرام العربي | ماذا قالت أم كلثوم عن رياض السنباطي؟ — اللقاء المبكر، حجم التعاون، وموقع السنباطي في التجربة الكلثومية.
- بوابة الأهرام | رياض السنباطي في ذكرى الرحيل — اللقاء الأول وبداية "على بلد المحبوب".
- الأهرام | رياض السنباطي.. عبقرية الإبداع وكبرياء الفنان — تجربة القصيدة والعلاقة بأم كلثوم.
- اليوم السابع | تقديم "الأطلال" عام 1966 — تاريخ التقديم وتركيب النص من شعر إبراهيم ناجي.