الإثنين 14 سبتمبر / سبتمبر 2026

زكريا أحمد.. الشيخ الذي فتح في صوت أم كلثوم باب الطرب الشعبي

زكريا أحمد.. الشيخ الذي فتح في صوت أم كلثوم باب الطرب الشعبي محدث 26 أغسطس 2026

شارك القصة

زكريا أحمد "شيخ الملحنين"، عرف صوت أم كلثوم قبل استقرارها في القاهرة، ثم صنع معها منذ الثلاثينيات واحدًا من أغنى فصول الطرب المصري - المصري اليوم
دخل زكريا أحمد مبكرًا إلى عالم أم كلثوم، قبل أن يبدأ التلحين لها بسنوات طويلة - المصري اليوم
دخل زكريا أحمد مبكرًا إلى عالم أم كلثوم، قبل أن يبدأ التلحين لها بسنوات طويلة - غيتي
الخط
من اللقاء المبكر قبل القاهرة إلى روائع بيرم ثم خصومة المحكمة والمصالحة، كيف أعاد زكريا أحمد وصل صوت أم كلثوم بجذر الطرب المصري؟
 قبل أن يلحن لها أغنية واحدة، كان زكريا أحمد قد سمع صوت أم كلثوم. تعود إحدى أشهر روايات اللقاء الأول إلى عام 1919، حين كان الشيخ الشاب يتنقل بين مدن الدلتا، وسمع بفتاة من طماي الزهايرة تغني مع والدها وشقيقها. استمع إليها ورأى في الصوت شيئًا أكبر من حدود القرية.
 احتاج الأمر إلى أكثر من عقد قبل أن تتحول المعرفة الأولى إلى شراكة فنية. خلال تلك السنوات، انتقلت أم كلثوم إلى القاهرة، وتعلمت من أبي العلا محمد، وعرفت أحمد رامي، ودخل محمد القصبجي مشروعها، وتغير شكل فرقتها وغنائها وصورتها العامة. 

قبل أن تستقر أم كلثوم في القاهرة في أوائل العشرينيات، كانت قد خرجت من بيئة الريف ومعها صوت قوي وتجربة في الإنشاد والقصيدة. لكنها لم تكن قد تعرّفت بعد إلى طبيعة الوسط الفني في العاصمة.

في تلك السنوات، كان على المطرب الجديد أن يجد من يعرف خريطة هذا العالم، ويستطيع أن يفتح له أبواب المسارح والمنتديات.

في هذا السياق يظهر اسم زكريا أحمد، الذي عرف صوت أم كلثوم قبل استقرارها النهائي في القاهرة، وكان قد بدأ يثبت حضوره في الحياة الموسيقية ويعرف جيدًا طبيعة الجمهور القاهري وكيف تتحول الموهبة إلى حضور دائم.

تختلف الروايات في تحديد سنة اللقاء الأول بدقة، لكن شهادة منقولة عن زكريا أحمد نفسه تضعه عام 1919 في السنبلاوين، حين استمع إلى الفتاة الصغيرة بصحبة والدها وشقيقها، وتنبأ لها بمستقبل كبير.

وتورد الرواية التي نقلها مصراوي عن كتاب صبري أبو المجد "زكريا أحمد"، أنه دعاها لاحقًا إلى حفل في القاهرة، في واحدة من المحطات التي ساعدت على فتح أبواب الوسط الفني أمامها.


في هذه الحلقة من "رجال في فلك الكوكب"، نعود إلى الرجل الذي رافق انتقال الصوت من الريف إلى القاهرة، ثم أعاد لقاءه به في الثلاثينيات ليمنحه واحدًا من أكثر وجوهه اتصالًا بالمقام والموال والعامية والطرب المصري.
زكريا أحمد في خمس محطات

 


من التلاوة إلى الطرب


ولد زكريا أحمد عام 1896 ونشأ في بيئة قريبة من عالم التلاوة والإنشاد. بدأ حياته قارئًا للقرآن، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في إحساسه بالمقام وفي طريقته في صياغة الجملة الموسيقية.

انتقل لاحقًا إلى التلحين والغناء، لكنه احتفظ دائمًا بروح الشيخ المنشِد الذي يعرف كيف يمزج بين وقار المدرسة الدينية والطرب الشعبي.

هذا التكوين جعل ألحانه قريبة من الوجدان المصري، ومتمسكة بالروح الشرقية والمقام، حتى حين كان يجدد داخلها.

درس الموسيقى على أيدي عدد من شيوخ عصره، والتحق ببطانة الشيخ علي محمود، ثم اتجه إلى المسرح الغنائي ولحّن لفرق علي الكسار ونجيب الريحاني ومنيرة المهدية وغيرها. ويلخص مشروع "عاش هنا" التابع للجهاز القومي للتنسيق الحضاري انتقاله من الإنشاد الديني إلى التلحين والمسرح قبل أن تبدأ مرحلته الكبرى مع أم كلثوم.

ولعل هذا هو المقصود بـ"الشعبي" في تجربة زكريا: ليس الغناء الشعبي بالمفهوم المعاصر، وإنما صلة اللحن بالعامية المصرية والموال والطقطوقة والمقام والجملة التي يستطيع الجمهور التقاطها والتفاعل معها، فيما يمنحها المطرب مساحة واسعة للتطريب.

كان زكريا يجدد من داخل البيت الشرقي نفسه.


دخل زكريا أحمد مبكرًا إلى عالم أم كلثوم، قبل أن يبدأ التلحين لها بسنوات طويلة
عرف زكريا أحمد صوت أم كلثوم قبل استقرارها في القاهرة، ثم بدأ التلحين لها بعد سنوات، لتتحول المعرفة المبكرة إلى واحدة من أهم الشراكات في تاريخ الطرب المصري - غيتي

دور مبكر في تثبيت أم كلثوم في القاهرة


في السنوات الأولى لوجود أم كلثوم في العاصمة، كانت لا تزال في مرحلة تثبيت اسمها. تشير روايات عديدة إلى أن زكريا أحمد كان من الذين شجعوا استمرارها في القاهرة وعدم العودة إلى الأقاليم بعد الحفلات الموسمية.

كان يرى أن هذا الصوت يمتلك قدرة استثنائية على الوصول إلى الجمهور، وأن القاهرة هي المكان الذي يمكن أن يتحول فيه إلى ظاهرة.

هذا التشجيع، إلى جانب شبكة العلاقات التي كان يمتلكها داخل الوسط الفني، ساهم في تسهيل دخولها إلى الحياة الغنائية في العاصمة.

لم يكن دوره في تلك المرحلة تلحينيًا فقط، وإنما كان جزءًا من عملية إدماجها داخل المشهد الموسيقي القاهري.

يتقاطع هذا الدور مع المرحلة التي سبقت استقرارها الفني، حين كان أبو العلا محمد يفتح أمامها باب القصيدة، فيما كانت القاهرة نفسها توسع دائرة الرجال والموسيقيين الذين ستبني معهم مشروعها.


[ماذا حمل الشيخ إلى اللحن؟]

1931.. حين تحوّل التشجيع إلى ألحان


المفارقة أن زكريا أحمد، رغم معرفته المبكرة بأم كلثوم وتشجيعه لها، لم يبدأ التلحين لها فورًا.

بحسب مشروع "عاش هنا"، بدأت المرحلة التلحينية بينهما عام 1931، حين كانت أم كلثوم قد قطعت شوطًا كبيرًا في القاهرة وتغيرت فرقتها وصورتها الفنية.

لحّن لها زكريا تسعة أدوار خلال الثلاثينيات، بدءًا من "هو ده يخلص من الله" عام 1931 وصولًا إلى "عادت ليالي الهنا" عام 1939، قبل انتقال التعاون في الأربعينيات إلى الأغنيات الطويلة التي ستصبح أكثر التصاقًا باسمهما، بحسب ما تذكر بوابة الأهرام.

هنا أصبح الدور مختلفًا.

لم يعد زكريا الرجل الذي يشجع صوتًا ناشئًا على البقاء في القاهرة. أصبح ملحنًا يقف أمام مطربة ناضجة، ويعرف أن عليه أن يقدم لها شيئًا يختلف عما قدّمه محمد القصبجي من تجريب وحداثة.

وجد مساحته في الجذر الشرقي نفسه: مقام واضح، وجملة تعرف طريقها إلى الأذن، ومساحات واسعة تستطيع أم كلثوم أن تعيد فيها العبارة وتلونها أمام الجمهور.


كيف اتسع التعاون

الثلاثي مع بيرم التونسي


بلغ التعاون بين زكريا أحمد وأم كلثوم ذروته مع دخول صديقه الشاعر بيرم التونسي إلى المعادلة.

مع بيرم، وجد زكريا أحمد الكلمات التي تعبّر عن المزاج الشعبي المصري، ومع أم كلثوم وجد الصوت القادر على حمل هذه الكلمات إلى الجمهور.

من هذا الثلاثي خرجت مجموعة من الأغنيات التي أصبحت علامات في تاريخ الطرب، مثل "الأولة في الغرام" و"أنا في انتظارك" و"حبيبي يسعد أوقاته"، إلى جانب "الآهات" و"أهل الهوى" وغيرها من الأعمال التي ارتبطت بمرحلة الأربعينيات.

في هذه الأغنيات، بدا صوت أم كلثوم أكثر قربًا من الجمهور المصري، وأكثر قدرة على الجمع بين الطرب العميق والبساطة في التعبير.

لغة بيرم لم تكن فصحى القصيدة التي عرفتها أم كلثوم في مدرسة أبي العلا، ولم تكن لغته مجرد كلام يومي سهل. كانت عامية قادرة على بناء صورة وحالة ومشهد، فيما يعرف زكريا كيف يسمع إيقاعها الداخلي ويحولها إلى مقام وطرب.

أما أم كلثوم، فكانت الطرف الذي أخذ هذا المزاج المصري شديد المحلية وأعطاه مدى عربيًا أوسع.


المثلث الذي صنع المرحلة.png

تجربة السينما


في الثلاثينيات والأربعينيات، دخلت أم كلثوم عالم السينما، وكان زكريا أحمد أحد الملحنين الذين شاركوا بقوة في هذه المرحلة. ظهرت ألحانه في أفلامها، التي حاولت من خلالها توسيع حضورها الفني خارج الحفلات.

قدم لها في هذه التجربة أعمالًا مثل "الورد جميل" و"غني لي شوي شوي" و"ساجعات الطيور" و"قولي لطيفك"، وهي أغانٍ تكشف وجهًا مختلفًا قليلًا عن الأغنيات الطويلة التي ارتبطت بحفلاتها. وتورد بوابة الأهرام هذه الأعمال ضمن أبرز ألحانه لها.

فرضت السينما زمنًا أقصر ووظيفة أكثر اتصالًا بالمشهد الدرامي، لكنها منحت زكريا مساحة أخرى لإظهار قدرة لغته الموسيقية على الوصول إلى الجمهور سريعًا.



لم تصبح السينما المجال الرئيسي لنجاح أم كلثوم، إذ ظل المسرح الغنائي والحفلات المباشرة المساحة التي يتجلى فيها صوتها بأكبر قوة.

مع ذلك، تبقى تلك المرحلة جزءًا أساسيًا من التجربة الفنية التي جمعت بينها وبين زكريا أحمد وغيره من الملحنين.


شكل الثنائي زكريا وبيرم حالة استثنائية في عالم الموسيقى المصري
شكّل زكريا أحمد وبيرم التونسي ثنائيًا استثنائيًا في مشروع أم كلثوم، فالتقت العامية المصرية بالمقام والطرب في عدد من أشهر أغنياتها 

أهم الألحان


قدم زكريا أحمد لأم كلثوم عددًا من الألحان التي أصبحت جزءًا من تاريخ الطرب العربي، ومن بينها:

  • أنا في انتظارك

  • الأولة في الغرام

  • حبيبي يسعد أوقاته

  • الآهات

  • اللي حبك يا هناه

  • أهل الهوى

  • الأمل

هذه الأعمال كرست حضور الطرب المصري في صوت أم كلثوم، وساهمت في توسيع صلته بجمهور واسع في مصر والعالم العربي.

لم تكن كلها تنتمي إلى صيغة واحدة. ففي الثلاثينيات ظهرت الأدوار، وفي السينما جاءت أغانٍ أكثر اختصارًا، ثم حملت الأربعينيات الأغنيات الطويلة التي أصبح فيها التطريب نفسه جزءًا من دراما الانتظار والحب والشكوى.


الخلاف الشهير


رغم النجاح الكبير، شهدت العلاقة بين أم كلثوم وزكريا أحمد أزمة حادة عام 1947. كان الخلاف مرتبطًا بالحقوق المالية لألحانه، ولا سيما ما يتعلق ببثها واستغلالها، وتحول سريعًا من خلاف داخل الوسط الفني إلى نزاع قضائي.

وصل الأمر إلى القضاء، وتوقف التعاون بينهما لسنوات. كانت تلك واحدة من أشهر الأزمات في تاريخ الموسيقى العربية، لأنها جمعت بين مطربة أصبحت ظاهرة وبين ملحن يمثل أحد أعمدة الطرب المصري.

امتد النزاع نحو ثلاثة عشر عامًا، وتوثق بوابة الأهرام في ملف يستند إلى مستندات القضية مساره وصولًا إلى جلسة 25 يناير/ كانون الثاني 1960، حين سعى القاضي إلى المصالحة بينهما داخل قاعة المحكمة.

انتهت الخصومة باتفاق يعود بموجبه زكريا إلى التلحين لأم كلثوم عبر ثلاث أغانٍ جديدة، مقابل 700 جنيه عن كل لحن، وفق ما نشرته الأهرام عن وثائق المصالحة. 

كان يمكن أن تنتهي الحكاية هنا، عند أوراق المحكمة والمبالغ والحقوق.

لكن الثلاثي القديم عاد مرة أخرى: أم كلثوم، وزكريا أحمد، وبيرم التونسي.


من المحكمة إلى الأغنية

"هو صحيح الهوى غلاب".. حين عادت الأغنية


بعد المصالحة، اجتمع زكريا أحمد وأم كلثوم وبيرم التونسي مجددًا، وخرجت من اللقاء أغنية تحمل عنوانًا يكاد يبدو تعليقًا على القصة كلها: "هو صحيح الهوى غلاب".

كانت الأغنية أول ما تحقق من اتفاق الأعمال الثلاثة، ولم يسمح الزمن بإكمال البقية. رحل بيرم التونسي في يناير/ كانون الثاني 1961، ثم رحل زكريا أحمد في فبراير/ شباط من العام نفسه.

بقيت الأغنية بذلك خاتمة ذات معنى خاص لعلاقة امتدت عقودًا: بدأت حين سمع الشيخ صوت فتاة صغيرة في الدلتا، ثم مرت بالشراكة والنجاح والمحاكم، وانتهت بلحن يتحدث عن هوى يغلب صاحبه.


لم يمح الخلاف أثر التجربة التي جمعتهما.
ربما جعل نهايتها أكثر رسوخًا.

أثر زكريا أحمد في مسيرتها


إذا كان محمد القصبجي قد فتح باب الحداثة الموسيقية أمام أم كلثوم، فإن زكريا أحمد عمّق اتصال صوتها بالجذر الشعبي المصري.

هذا التوازن بين التجديد والطرب الشرقي كان أحد أسرار قدرة مشروعها على التحرك بين مدارس مختلفة من دون أن يفقد شخصيته.

من خلال ألحانه، استطاعت أم كلثوم أن تحافظ على قربها من الجمهور الواسع، وأن تبقى في الوقت نفسه واحدة من أهم الأصوات في تاريخ الغناء العربي.

لكن الأثر لم يكن في اتجاه واحد.

وجد زكريا في أم كلثوم الصوت الذي يستطيع أن يحمل الجملة الشعبية والمقام والموال من البيئة المصرية إلى فضاء عربي أوسع، فيما أخذت هي من تجربته طريقة أخرى في استخدام صوتها: تطريب طويل، وإعادة العبارة، ومنح الكلمة اليومية وزنًا فنيًا كبيرًا.

لهذا يبدو موقع زكريا مختلفًا عن موقع الرجال الذين سبقوه في السلسلة.

أعطاها إبراهيم البلتاجي الجذر والانضباط الأول، ومنحها أبو العلا محمد ثقافة القصيدة، ودفعها القصبجي إلى المغامرة الموسيقية.


أما زكريا أحمد، فذكّر هذا المشروع كلما اتسع بأن أحد أقوى أبوابه ما يزال مفتوحًا على مصر التي خرج منها الصوت: المقام، والعامية، والموال، والطرب الذي يستطيع الجمهور أن يدخل إليه من الكلمة الأولى.


في الحلقة المقبلة

المصادر الخارجية المعتمدة


تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي