في وقت هرعت فيه عواصم غربية إلى تبرير التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، اختار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن يسلك طريقًا مختلفًا تمامًا.
فبينما تصاعدت طبول الحرب عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، خرج سانشيز ليعلن موقفًا صريحًا: "إسبانيا لن تدعم حربًا خارج إطار الشرعية الدولية".
هذا الموقف غير المألوف داخل المعسكر الغربي أثار غضبًا في واشنطن، ووضع مدريد في قلب مواجهة سياسية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
لماذا تحدّى سانشيز ترمب ورفض الحرب على إيران؟
بدأت القصة في أواخر فبراير/ شباط ومطلع مارس/ آذار، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا عسكريًا واسع النطاق على إيران. وردّت هذه الأخيرة بسلسلة ضربات انتقامية طالت أهدافًا في تسع دول، إضافة إلى قاعدة عسكرية بريطانية.
وسط هذا التصعيد، تشكلت اصطفافات حادة داخل المعسكر الغربي، لكن إسبانيا اختارت الابتعاد عن هذا الإجماع. فقد أعلنت مدريد تمسكها الصارم بالقانون الدولي، مؤكدة رفضها لأي عمل عسكري يتم خارج مظلة الأمم المتحدة أو دون تفويض واضح من مجلس الأمن.
وخلال تجمع انتخابي في مدينة بلد الوليد تحت قبة "الألفية"، شرح سانشيز خلفيات موقفه. واستعاد الذاكرة الإسبانية المؤلمة المرتبطة بغزو العراق عام 2003.
وقال إن إسبانيا لا تدعم الأنظمة التي تنتهك حقوق مواطنيها أو تقمع النساء، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن رفض الاستبداد لا يبرر خرق الشرعية الدولية أو اللجوء إلى تدخل عسكري خارجي.
وحذر سانشيز القوى الكبرى من "اللعب بالروليت الروسي بمصير ملايين البشر"، منتقدًا اقتصاد الحروب وتأثير المجمع الصناعي العسكري في تأجيج النزاعات.
وفي رسالته السياسية، شدد قائلًا إن الإجراء الذي ينقذ أكبر عدد من الأرواح هو ببساطة: قول لا للحرب حتى تنتهي في أسرع وقت ممكن.
لم يقتصر موقف مدريد على التصريحات السياسية. فقد اتخذت الحكومة الإسبانية خطوة عملية تمثلت في رفض السماح باستخدام القاعدتين العسكريتين الأميركيتين في روتا ومورون لتنفيذ عمليات ضد إيران أو تقديم دعم لوجستي للهجوم.
وبسبب هذا القرار، اضطرت 15 طائرة عسكرية أميركية إلى مغادرة إسبانيا وتغيير مسارها نحو قواعد أخرى، بينها قاعدة رامشتاين في ألمانيا.
مواجهة علنية مع البيت الأبيض
في واشنطن، حاولت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت الإيحاء بأن إسبانيا وافقت في اللحظات الأخيرة على التعاون.
لكن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ردّ بشكل مباشر، نافيًا هذه الرواية بشكل قاطع، ومؤكدًا أن موقف مدريد لم يتغير قيد أنملة وأن القواعد الإسبانية لن تستخدم في أي عمليات عسكرية ضد إيران.
وأثار الموقف الإسباني غضب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وصف إسبانيا بأنها "حليف فظيع"، ولوّح بقطع العلاقات التجارية معها.
لكن سانشيز ردّ بتحدٍ واضح، مؤكدًا أن القادة الحقيقيين لا يمارسون "الطاعة العمياء والخانعة" خوفا من انتقام شخص ما.
من الناحية العملية، يرى مراقبون أن تهديدات ترمب تواجه عقبة كبيرة، إذ إن إسبانيا جزء من السوق الأوروبية الموحدة. وأي إجراءات اقتصادية أميركية ضد مدريد قد تتحول تلقائيًا إلى أزمة مع الاتحاد الأوروبي بأكمله.
موقف إسبانيا من إسرائيل
ولا تنفصل سياسة إسبانيا تجاه الحرب على إيران عن موقفها الشامل من قضايا الشرق الأوسط، وتحديدًا موقفها التاريخي والمتقدم في انتقاد السلوك الإسرائيلي.
ففي خطوة تصعيدية لافتة، سحبت مدريد سفيرتها من إسرائيل وأبقت فقط على قائم بالأعمال في تل أبيب، كرسالة احتجاج سياسي مزدوجة: الأولى ضد المشاركة الإسرائيلية في الهجوم على إيران، والثانية تنديدًا بحرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة.
وقد سبقت هذه الخطوة إجراءات رادعة أخرى، تمثلت في إقرار البرلمان الإسباني تشريعًا يفرض حظرًا كاملًا ودائمًا على تصدير الأسلحة، والمعدات العسكرية، والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج إلى إسرائيل.
ويحظى موقف الحكومة الإسبانية بدعم داخلي ملحوظ. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن أكثر من 68% من الإسبان يعارضون التدخل العسكري في الحرب الدائرة.
ويمنح هذا التأييد الشعبي حكومة سانشيز الائتلافية درعًا حصينة تمكنها من الصمود في مواجهة أي ابتزاز سياسي أو اقتصادي من واشنطن، ويهمش أي ضغط داخلي يحاول اليمين الإسباني ممارسته.
انقسام على مواقع التواصل
أثارت تصريحات سانشيز موجة واسعة من النقاش على منصات التواصل الاجتماعي، إذ قال أكرم: "سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يحذو حذو رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني من أجل سلام العالم؛ وإلا فإن ترمب الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته ورئيس الوزراء الإسرائيلي المجنون نتنياهو عازمان على إلقاء العالم في نيران الحرب العالمية الثالثة".
من جهته، كتب Elpapi: "إنه الوحيد الذي يظهر رقيًا حقيقيًا في كل هذه الأحداث. الإسبان محظوظون بوجود قائد مثله، شخص لا يسعى إلى كسب رضا أحد على حساب شعبه. إن هذا النوع من الصلابة في القيادة نادر في أيامنا هذه".
أما Tom Hingley فقال: "سانشيز أحسن صنعًا. هاتان الدولتان قامتا بقصف ما لا يقل عن عشر دول أخرى خلال الأشهر الستة الماضية. إنهم مدمنو حروب لا يحصلون على نشوتهم إلا بالقتل وإنفاق مليارات الجنيهات من الأسلحة في حروبهم المستمرة".
لكن دانيال تشيرنينكوف يبدو أن له رأيا آخر وقال، "الشجاعة معدومة لديه. يعلم جيدًا عدد المهاجرين الذين يسيطرون على بلاده الآن. لا رؤية، ولا قدرة على القتال (قد يستبعد من حلف الناتو)".