الأحد 8 شباط / فبراير 2026
Close

ست حروب نظامية خاضتها إسرائيل: من النكبة إلى الصدام مع إيران

ست حروب نظامية خاضتها إسرائيل: من النكبة إلى الصدام مع إيران محدث 06 تموز 2025

شارك القصة

تُعَدّ نكبة 1948 الحرب النظامية الأولى التي خاضتها إسرائيل في تاريخها - غيتي
تُعَدّ نكبة 1948 الحرب النظامية الأولى التي خاضتها إسرائيل في تاريخها - غيتي
الخط
من حرب النكبة عام 1948 إلى المواجهة مع إيران عام 2025، خاضت إسرائيل ست حروب نظامية شكّلت تحوّلات في الصراع الإقليمي.

منذ إعلان الحركة الصهيونية قيام ما سُمّيت بدولة إسرائيل عام 1948، انخرطت في سلسلة من المواجهات العسكرية، تارةً ضد جيوش نظامية، وتارةً ضد فصائل مسلّحة غير نظامية.

ومع ذلك، يُمكن تصنيف ست معارك كبرى على أنها "حروب نظامية" خاضتها إسرائيل ضد دول أو تحالفات دول، وشاركت فيها جيوش كاملة التشكيل، بحسب التعريفات المعتمدة لدى الخبراء العسكريين.

ووفق ما يقول الخبير العسكري اللبناني جورج نادر لموقع "التلفزيون العربي"، فإنّ الحرب النظامية هي معركة تُخاض بين دولتين وجيشين، أو بين جيش وتحالف من الجيوش، أو بين تحالف دول ضد تحالف آخر، أو بين تحالف دولي ودولة واحدة، وتُستخدم خلالها الوسائل العسكرية التقليدية في البرّ والبحر والجو.

بحسب نادر، فإن إسرائيل خاضت ست حروب نظامية في السنوات الآتية: 1948، و1956، و1967، و1973، و1982، و2025. فما أبرز وقائع هذه الحروب؟ وكيف يرويها التاريخ؟

الحرب الأولى: 1948 – النكبة

يمثّل عام 1948 محطة مفصلية في التاريخ العربي، بعدما أعلنت الحركة الصهيونية قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين عقب تهجير نحو 750 ألف فلسطيني من أرضهم، وتدمير أكثر من 400 قرية، فيما قُتل ما يزيد عن 13 ألف فلسطيني. وبموجب ذلك، باتت إسرائيل تسيطر على نحو 77% من أراضي فلسطين، بحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية. (1)

جرت عملية التهجير على أربع مراحل:

  • المرحلة الأولى: بدأت إثر صدور قرار تقسيم فلسطين عن الأمم المتحدة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947، وكان من المتوقع أن يبلغ عدد سكان الدولة اليهودية نحو مليون نسمة. غير أن القيادة الصهيونية سعت إلى تهجير قسم كبير من الفلسطينيين لتأمين مساكن وأراضٍ للمستوطنين، فبدأت عمليات التهجير العشوائية التي نفذتها تشكيلات من "الهاغاناه" و"الإرغون".

  • المرحلة الثانية: بدأت في 10 مارس/ آذار 1948 ضمن خطة تطهير عرقي عُرفت باسم "الخطة دالت"، وشملت عمليات عسكرية واسعة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية قبيل انتهاء الانتداب البريطاني.

  • المرحلة الثالثة: في 14 مايو/ أيار 1948، غادر البريطانيون فلسطين، وفي اليوم ذاته أعلن ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل.

  • المرحلة الرابعة: امتدّت بين أكتوبر/ تشرين الأول 1948 ومطلع 1949، حيث واصل الجيش الإسرائيلي احتلاله لمناطق واسعة من فلسطين، منها بئر السبع، وأشدود، والمجدل، والنقب، مع تنفيذ عمليات تهجير إضافية.

في 15 مايو/ أيار 1948، دخلت جيوش مصر، والسعودية، وسوريا، والأردن، ولبنان، والعراق إلى فلسطين لمواجهة إسرائيل، بدعم من جامعة الدول العربية. دارت معارك متفرقة دون تنسيق فعّال بين الجيوش. أعلنت الأمم المتحدة هدنة أولى في 11 يونيو/ حزيران، استؤنفت بعدها المعارك في 8 يوليو/ تموز، وتوقفت ثانية في 18 منه.

انتهت المعارك فعليًا في 21 يوليو 1948 بعد تهديد مجلس الأمن بفرض عقوبات، فوافق العرب على هدنة ثانية، عُدّت بمثابة اعتراف بالهزيمة. وبحسب كتاب "معجم المعارك التاريخية"، فإن القوات العربية حققت تقدمًا في بعض المحاور، لكن التزامها بقرارات الهدنة مقابل مواصلة إسرائيل الهجوم، غيّر الموازين لصالح الأخيرة. (2)

لاحقًا، في أكتوبر/ تشرين الأول، وسّعت إسرائيل سيطرتها في الجليل والنقب. وخلال الحرب، تلقت دعمًا عسكريًا كبيرًا من تشيكوسلوفاكيا، شمل شحنات سلاح وطائرات، في حين يُقال إن بعضها وصل بطرق غير رسمية من الولايات المتحدة. (3)

عائلات فلسطينية تُجبر على مغادرة قراها خلال نكبة عام 1948 - غيتي
عائلات فلسطينية تُجبر على مغادرة قراها خلال نكبة عام 1948 - غيتي

الحرب الثانية: 1956 – العدوان الثلاثي

في أكتوبر/ تشرين الأول 1956، تعرّضت مصر لما عُرف بـ"العدوان الثلاثي"، إذ شنت كل من إسرائيل، وبريطانيا وفرنسا في إطار "تحالف واحد"، هجومًا عسكريًا على مصر التي كان يرأسها آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر.

جاءت هذه الحرب ردًا على تأميم عبد الناصر قناة السويس في 26 يوليو/ تموز 1956، وإغلاقها أمام الملاحة الإسرائيلية، إضافة إلى دعمه الفدائيين الفلسطينيين الذين كانوا ينفذون عمليات ضد إسرائيل انطلاقًا من سيناء وغزة. (4)

أيضًا، دعمت مصر حرب الاستقلال الجزائرية، المناهضة للوجود الفرنسي في البلاد عام 1954، ما أثار حفيظة فرنسا، ودفعها إلى تعزيز علاقتها بإسرائيل، بينما رأت بريطانيا في عبد الناصر تهديدًا لمصالحها بعد فقدان سيطرتها على مصر عام 1952.

وقد حاولت الدول الغربية ربط اتفاقية الجلاء البريطاني عن مصر عام 1954 بإقامة سلام بين القاهرة وتل أبيب، والسماح للملاحة الإسرائيلية بالمرور عبر قناة السويس، لكن ذلك لم يتحقق. ورفض عبد الناصر الانضمام إلى "حلف بغداد" الموالي للغرب، كما وقّع اتفاقًا لشراء الأسلحة من الاتحاد السوفييتي في سبتمبر/ أيلول 1955.

ثمة قواسم مشتركة تجمع بين الحروب النظامية الستّ التي خاضتها إسرائيل: كلها اندلعت على خلفيات استراتيجية تتعلق بالحدود، والممرات المائية، أو التوازنات الإقليمية، وشهدت دعمًا دوليًا متفاوتًا لإسرائيل، لا سيما من الولايات المتحدة.

عُقد اجتماع في فرنسا في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 1956، ضمّ ديفيد بن غوريون، ووزيري خارجية فرنسا وبريطانيا، وقادة عسكريين، وتم الاتفاق على خطة العدوان. وبالفعل، بدأ الهجوم الإسرائيلي مساء 29 أكتوبر، بمشاركة كثيفة لقوات إسرائيلية، وبريطانية، وفرنسية.

لكنّ الضغوط الدولية أنهت الحرب. ففي 5 نوفمبر، وجّه الاتحاد السوفيتي إنذارًا لبريطانيا وفرنسا، يطلب فيه وقف الحرب والانسحاب، كما وجّه إنذارًا لإسرائيل قائلاً إنها تعبث بمصير العالم بشكل غير مسؤول. (5)

وفي 6 نوفمبر، أعلنت الحكومة البريطانية وقف إطلاق النار، وبحلول نهاية ديسمبر، انسحبت القوات البريطانية والفرنسية، وحلت محلها وحدات من قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة. أما إسرائيل فانسحبت من سيناء وغزة في مارس/ آذار 1957 نتيجة الضغط الدولي.

الحرب الثالثة: 1967 – النكسة

في 5 يونيو/ حزيران 1967، شنّت إسرائيل حربًا ضد مصر، وسوريا، والأردن، واستمرت 6 أيام، وأسفرت عن احتلال سيناء، والجولان، والضفة الغربية، وقطاع غزة.

اندلعت حرب 1967 نتيجة توترات متراكمة، منها النزاع على مياه نهر الأردن بين الدول العربية وإسرائيل، وتصاعد عمليات الفدائيين الفلسطينيين ضد إسرائيل انطلاقًا من سوريا رغم توقيع اتفاق دفاع مشترك بين مصر وسوريا في 1966، والغارات الإسرائيلية على سوريا في أبريل/ نيسان 1967، وإسقاط عدد من طائرات الجيش السوري إثر مواجهة محتدمة.

وبعد ذلك، برز احتمال شن إسرائيل لهجوم كبير على سوريا. ففي يوم 13 مايو/ أيار عام 1967، وردت معلومات من الاتحاد السوفييتي تفيد بأن إسرائيل تحشد قواتها على طول الحدود مع سوريا. إثر ذلك، أعلنت مصر الاستنفار ووضعت جيشها في حالة تأهب، كما طالبت يوم 16 مايو قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة التي تم إنشاؤها إبان حرب 1956، بالانسحاب من شرم الشيخ وغزة. أيضًا، عمدت مصر يوم 22 مايو إلى إغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية.

وفي 30 مايو، انضمّ الأردن إلى معاهدة الدفاع المشترك بين سوريا ومصر، لكن الهجوم الإسرائيلي المفاجئ حصل يوم 5 يونيو، حينما ضربت إسرائيل بشكل كامل سلاح الجو المصري ودمرته بشكل كامل. كذلك، شهدت كل من الضفة وغزة حركة نزوح كثيفة، لاسيما من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في وادي الأردن. أما في سوريا، فأدت الهجمات الإسرائيلية إلى تهجير السكان العرب، وفق ما تقول مؤسسة الدراسات الفلسطينية في تقرير لها عن حرب العام 1967.

جنود احتياط من جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب يونيو/ حزيران 1967 - غيتي
جنود احتياط من جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب يونيو/ حزيران 1967 - غيتي

ما حصل كان بمثابة هزيمة كبرى، الأمر الذي دفع الرئيس المصري جمال عبد الناصر يوم 9 يونيو 1967 إلى إعلان استقالته من منصبه، لكن التظاهرات المصرية الحاشدة دفعته للتراجع عن قراره بالتنحي عن الرئاسة.

وبحسب "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، صدر يوم 1 سبتمبر/ أيلول 1967، بيان عن القمة العربية التي عقدت في الخرطوم، أكد سعي الدول العربية للتحرك بصورة جماعية من أجل تأمين انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية التي احتلتها بعد الخامس من يونيو 1967، وذلك "على قاعدة المبادئ المعترف بها من الدول العربية كافة، وهي: لا سلام مع إسرائيل ولا اعتراف بإسرائيل ولا تفاوض مع إسرائيل، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه".

أما في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، فصدر القرار رقم 242 عن مجلس الأمن الدولي، الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلّتها خلال الحرب، مقابل إنهاء حالة العداء والاعتراف بحق جميع دول المنطقة في العيش بسلام ضمن حدود آمنة، وبحرّية الملاحة في قناة السويس وخليج العقبة، وتحقيق حل عادل لمشكلة اللاجئين.

ويشير تقرير "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" إلى أن حرب يونيو منحت إسرائيل فرصة للتوسع، كما أنها أدت إلى تراجع الهجرة اليهودية وتكثيف عمليات الاستيطان لاسيما في الجولان. في المقابل، أدت أحداث العام 1967 إلى تصاعد ظاهرة "العمل الفدائي الفلسطيني" ضد إسرائيل.

الحرب الرابعة: 1973 – حرب أكتوبر

في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وقعت هذه الحرب، التي كان العرب هم الذين بادروا بها وخاضوها ضدّ إسرائيل على غير العادة، وقد جاءت هذه المعركة لتعديل المسار بعد الهزيمة التي مُنيَت بها الجيوش العربية عام 1967. ولعلّ ما ميّز هذه الحرب هو أنها جاءت بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970، ما أفسح المجال أمام قيادة جديدة بقيادة أنور السادات، حملت رؤية مغايرة لإدارة الصراع.

وفي التفاصيل، شنت مصر وسوريا حربًا مفاجئة على إسرائيل، لتحرير سيناء والجولان المحتلّين. اخترقت القوات المصرية خط بارليف وعبرت قناة السويس، فيما حققت القوات السورية تقدمًا في الجولان. وقد عملت القوات السورية والمصرية آنذاك على الاشتراك في الحرب، وكان هدفها المُعلن "تحرير الأرض العربية من الاحتلال الإسرائيلي".

حينها، اتفقت مصر وسوريا على شن العمليات الحربية ضد إسرائيل في توقيت واحد، لكن في الوقت نفسه كانت إدارة كل جبهة منفصلة عن الأخرى، علمًا أن ما جمع دمشق والقاهرة في هذه المعركة هو اتفاقية الدفاع المُشترك الموقعة بينهما عام 1966. وبالفعل، أدار البلدان المعركة بتنسيق زمني، دون توحيد القيادة. كما شاركت قوات عربية من العراق، والجزائر، والمغرب، وليبيا، والكويت، إلى جانب دعم من كوريا الشمالية. (6)

ما هي مقدمات الحرب؟ يشير تقرير المؤسسة المذكورة إلى أن الرئيس المصري أنور السادات زار الاتحاد السوفييتي في فبراير/ شباط 1972 وأبلغ القادة هناك أن الموقف في المنطقة لم يعد يحتمل أي تأجيل للعمل العسكري، لاسيما أنه قال سابقًا وتحديدًا في نوفمبر 1971 إنه "لا يمكن البقاء إلى الأبد بين حالة اللاسلم واللاحرب". وفي تلك الزيارة، طلب السادات من القادة السوفييت الإسراع في تنفيذ العقود العسكرية الموقعة مع بلاده، لكن رد القيادة السوفياتية جاء متأخرًا، ما أثار حفيظة السادات الذي أمر بإنهاء التعاون مع آلاف المستشارين العسكريين السوفييت في مصر.

خطوة السادات فسرتها إسرائيل بأنها تنازل عن الخيار العسكري، لكن هذا الأمر لم يكن كذلك، إذ إن الرئيس المصري لمس أن هناك حاجة للقيام بعمل عسكري "محدود" بهدف كسر الجمود القائم. ولذلك، قامت مصر وبشكل سري، بتنسيق عملياتها وخططها العسكرية مع سوريا، وجرى تحديد "ساعة الصفر" عند الساعة الـ2 بعد ظهر السبت يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973.

حينها، قامت دبابات مصرية مدعومة بطائرات، باختراق خط بارليف المحصّن على جبهة قناة السويس. ومن خلال العمليات العسكرية، تمكنت القوات المصرية من التقدم داخل الخطوط الإسرائيلية في عمق صحراء سيناء، فيما استطاعت القوات السورية أيضًا من جهتها، اختراق الخطوط الإسرائيلية شمالاً وبالتالي التقدم مسافة 5 كيلومترات في عمق مرتفعات الجولان المُحتلة.

منظومة صواريخ دفاع جوي مصرية من طراز SAM-2 سوفيتية الصنع، شكّلت جزءًا من "حائط الصواريخ" الذي أنشأه الجيش المصري لحماية قواته خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973
منظومة صواريخ دفاع جوي مصرية من طراز SAM-2 سوفيتية الصنع، شكّلت جزءًا من "حائط الصواريخ" الذي أنشأه الجيش المصري لحماية قواته خلال حرب أكتوبر 1973 - غيتي

وعلى الرغم من صدمة إسرائيل جراء الهجوم العربي عليها، شنّت في 16 أكتوبر/ تشرين الأول، هجومًا مضادًا بدعم أميركي عبر جسر جوي، فتمكنت من عبور قناة السويس في منطقة الدفرسوار والوصول إلى السويس، وفرضت حصارًا على الجيش الثالث المصري. كذلك، أوقفت التقدم السوري على جبهة الجولان، وتوغلت داخل الأراضي السورية، خلف خطوط الهدنة.

وردًا على الدعم الأميركي، قررت الدول النفطية العربية خلال اجتماع عقد في الكويت يوم 17 أكتوبر 1973، رفع سعر برميل النفط بنسبة 75% ومنع تصديره إلى الدول الداعمة لإسرائيل وعلى رأسها أميركا، ما أدى إلى اندلاع أزمة طاقة عالمية.

وقد أدّى ذلك إلى زيادة الضغوط الدولية لوقف الحرب، وبالفعل صدر قرار مجلس الأمن 338 بوقف إطلاق النار والشروع في مفاوضات برعاية دولية للتوصل إلى سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط في 22 أكتوبر/ تشرين الأول. وافقت مصر وسوريا على القرار، لكنّ إسرائيل لم تلتزم به إلا يوم 27 أكتوبر، وذلك بعد تهديد سوفييتي بالتدخل.

فعليًا، فإن الجيوش العربية المشاركة في الحرب استطاعت تحقيق "انتصار" في الأسبوع الأول من المعركة، لكن الدعم الأميركي لإسرائيل قلب الموازين لاحقًا لصالح الأخيرة.

وبحسب تقرير لمؤسسة "الدراسات الفلسطينية"، فإن حرب 1973 مثلت ذروة التضامن العربي في مواجهة إسرائيل، كما أنها أثبتت مركزية الصراع العربي – الإسرائيلي في مواجهات الحرب الباردة في المنطقة.

وتقول المؤسسة أيضًا إن هذه الحرب جاءت ردًا على "المهانة" التي لحقت بالجيوش العربية خلال حروب 1948 و1956 و1967، مشيرة إلى أن سلاح النفط العربي برز للمرة الأولى خلال حرب 1973. لكن في المقابل، فإنه كان لهذه الحرب نتائج سلبية تمثلت بخروج مصر من الواجهة العربية وذهابها نحو تسوية مع إسرائيل تمثلت بعقد اتفاقية كامب ديفيد للسلام عام 1978 ناهيك عن إضعاف نفوذ الاتحاد السوفييتي في المنطقة.

الحرب الخامسة: 1982 - حرب لبنان

في 6 يونيو/ حزيران 1982، شنّت إسرائيل عملية عسكرية ضخمة ضد لبنان تحت مسمى "سلامة الجليل"، بحجة ضرب منظمة التحرير الفلسطينية التي اتخذت من لبنان قاعدة لها.

بدأت هذه الحرب بقيام قوات إسرائيلية مؤلفة من 40 ألف جندي مدعومة بقوات بحرية وجوية، باجتياح حدود لبنان، لكنها سرعان ما تقدمت حتى بيروت خلال 4 أيام، وحاصرتها.

وجاء الدخول الإسرائيلي المُشار إليه بـ"اجتياح 1982"، توسيعًا للغزو الإسرائيلي الذي بدأ للبنان عام 1978 وأقيم على إثره ما يُعرف بـ"شريط حدودي في جنوب لبنان" تحكمه إسرائيل، وبذلك فإنّ هذه الحرب كانت بمثابة توسيع للوجود الإسرائيلي داخل لبنان.

وفي ظلّ هذه الحرب، واجهت منظمة التحرير الفلسطينية ضغوطًا كبيرة أدت إلى خروج رئيسها ياسر عرفات وقيادة المنظمة من لبنان، وذلك بموجب اتفاقية بواسطة أميركية دخلت حيز التنفيذ يوم 19 أغسطس/ آب 1983. وعليه، غادر عرفات لبنان مع 14 ألف مسلح فلسطيني باتجاه تونس وبلدان أخرى. (8)

قوات إسرائيلية داخل مركبات مدرّعة خلال اجتياح لبنان عام 1982
قوات إسرائيلية داخل مركبات مدرّعة خلال اجتياح لبنان عام 1982 - غيتي

رغم خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، استمر الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وخلال تلك الفترة، تشكلت "المقاومة الوطنية اللبنانية" لمقارعة إسرائيل، وقد ضمت قوى لبنانية مختلفة، بينما برز حزب الله بوصفه أبرز فصيل مقاوم للاحتلال.

وعام 1985، قررت إسرائيل الانسحاب جزئيًا من مختلف الأراضي اللبنانية حتى تمركزت ضمن الشريط الحدودي الذي أنشأته عام 1978، وذلك في ظل وجود ما كان يُعرف بـ"جيش لبنان الجنوبي" الذي أسسته إسرائيل لدعمها في جنوب لبنان.

الحرب السادسة: 2025 – المواجهة مع إيران

في 13 يونيو/ حزيران 2025، شنّت إسرائيل هجمات عسكرية استهدفت منشآت نووية وعسكرية في إيران، أبرزها في أصفهان، فوردو، ونطنز، ضمن عملية سُميت "الأسد الصاعد".

جاء الهجوم لمنع إيران من بلوغ العتبة النووية. وأدى إلى مقتل عدد من كبار القادة العسكريين والعلماء الإيرانيين في الساعات الأولى فقط. وردّت طهران بإطلاق رشقات من الصواريخ الباليستية في عملية "الوعد الصادق 3"، ما أدى إلى أضرار مادية وبشرية على الجانبين.

استمرّت الحرب بين إيران وإسرائيل 12 يومًا فقط، وجرى خلالها تبادل القصف بين الطرفين، ما أسفر عن خسائر مادية وبشرية في الجبهتين لاسيما في المدن الرئيسية.

أما الانعطافة الأساسية في الحرب، فسُجّلت في 22 يونيو، حينما عمدت الولايات المتحدة الأميركية إلى الانخراط في المعركة بشكل مباشر من خلال شن غارات جوية استهدفت 3 منشآت نووية إيرانية رئيسية وهي أصفهان، وفوردو ونطنز.

ورداً على هذا الهجوم، قامت إيران يوم 23 يونيو باستهداف قاعدة العديد الجوية الأميركية في دولة قطر. في المقابل، استهدف الجيش الإسرائيلي مراكز في طهران عبر هجمات جوية.

على الأثر، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار في 23-24 يونيو، لتنتهي المواجهة التي استمرت 12 يومًا، كأول حرب مباشرة بين إسرائيل وإيران، وأحدث الحروب النظامية التي خاضتها إسرائيل.

في الخلاصة..

رغم اختلاف السياقات السياسية والأهداف المعلنة لكل حرب من الحروب النظامية الست التي خاضتها إسرائيل، فإن ثمة قواسم مشتركة تجمعها: كلها اندلعت على خلفيات استراتيجية تتعلق بالحدود، والممرات المائية، أو التوازنات الإقليمية، وشهدت دعمًا دوليًا متفاوتًا لإسرائيل، لا سيما من الولايات المتحدة.

تغيّر نمط الحرب: من حروب تقليدية شاملة مع دول عربية، إلى مواجهات غير متكافئة مع تنظيمات، وصولًا إلى مواجهة مع قوة إقليمية كإيران. هذا التحول يعكس تغير موقع إسرائيل من كيان ناشئ في بيئة عدائية، إلى لاعب إقليمي رئيسي مدعوم عالميًا، ثم إلى طرف فاعل في صراعات كبرى تتجاوز حدوده.

الحروب النظامية، على دمويتها، أفضت في كثير من الأحيان إلى انقلابات سياسية داخل الدول العربية، كما أنها شكّلت محطات مركزية في مسار القضية الفلسطينية، وفي إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة. لكنّ هذه الحروب، على ما خلّفته من تحولات، لم تمسّ جوهر الصراع المتجذّر حول الأرض والهوية والحقوق، وهو ما يشعل الجبهات حتى اليوم

المراجع:

(1): مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ماهر الشريف، النكبة مراحل تهجير قسري
(2): كتاب معجم المعارك التاريخية، نجاة محاسيس، 2011
(3): حرب فلسطين والنكبة 1947–1950، مايكل فيشباخ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
(4): حرب سنة 1956 الفشل السياسي للعدوان الثلاثي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
(5): كتاب العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، طلعت أحمد مسلم، مركز دراسات الوحدة العربية، 2012
(6): كتاب حرب أكتوبر عام 1973: دراسة ودروس، محمد فوزي، دار الكرامة، 2014
(7): حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، مبادرة عربية جريئة تلتها نتائج متباينة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
(8): ذكرى تحرير "مختلفة" تحت الاحتلال.. هذه حكاية جنوب لبنان مع إسرائيل – موقع التلفزيون العربي
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي