بينما ترتبط صورة السجون في الأذهان بالقسوة والعزلة والأسوار الشائكة، يقدّم سجن باستوي (Bastøy) في النرويج نموذجًا مغايرًا تمامًا، حتى غدا يُوصف بأنه "أكثر سجون العالم رفاهيةً".
فهذا السجن الواقع على جزيرة طبيعية يطرح مقاربة مغايرة: إعادة التأهيل بوصفها أكثر فاعلية من العقاب القاسي، وفق ما تذكره مواقع وتقارير تناولت التجربة، بينها "All That’s Interesting".
وفي باستوي، لا يُعامل النزيل كمجرم يجب عزله بقدر ما يُنظر إليه كإنسان ينبغي مساعدته على إعادة بناء حياته.
باستوي: سجن بمواصفات منتجع
يقع السجن على جزيرة "باستوي" في خليج أوسلو، وتمتد مساحته على ميل مربعٍ واحدٍ.
وتضمّ الجزيرة غابات وشواطئ ومزارع، ما يجعلها أقرب إلى محمية طبيعية.
لا توجد هنا زنازين ضيقة، بل يضم السجن نحو 115 نزيلاً يعيشون مع طاقمٍ من 69 موظفاً.
ومن المثير للدهشة أنه بحلول عام 2023، لم يكن يبقى ليلاً على الجزيرة سوى خمسة موظفين فقط للإشراف على الجميع.
ظروف المعيشة في سجن باستوي
في "باستوي"، لا يُعامل السجين كمجرمٍ منبوذٍ، بل كإنسانٍ يحتاج إلى إصلاح مساره.
وتتجلى مظاهر هذه الفلسفة في تفاصيل الحياة اليومية:
المعيشة:
يسكن النزلاء في منازل خشبيةٍ جماعيةٍ، ويحظى كل منهم بغرفته الخاصة.
لا توجد قضبان أو أسوار شائكة، والحراس القلائل على الجزيرة غير مسلحين. ويُسمح للنزلاء بمغادرة الأكواخ الصغيرة التي تُستخدم كـ"زنازين" في أي وقت، بحسب موقع "Prison Fellowship".
الاكتفاء الذاتي:
يحصل كل سجينٍ على بدلٍ شهريٍ قدره 90 دولاراً لشراء الطعام وإعداده بنفسه، في خطوةٍ تهدف لتعزيز حس المسؤولية.
العمل والتدريب:
يمارس السجناء مهنًا متنوعةً كالزراعة، والنجارة، وصيانة الدراجات، ورعاية الخيول، مقابل أجرٍ يوميٍ يبلغ 8 دولاراتٍ.
الترفيه:
تتوافر مرافق للرياضة والاستجمام مثل ملاعب تنس وساونا وشاطئ للاستمتاع بأشعة الشمس صيفًا.
لا يُفرض ارتداء الزي الرسمي على النزلاء أو الحراس.
يصل الزوار إلى الجزيرة عبر العبّارة من مدينة هورتن ثلاث مرات في الأسبوع. ويُسمح لبعضهم بالبقاء في شقق مخصصة للزوار خلال عطلة نهاية الأسبوع، بحسب موقع "الحياة في النرويج".
فلسفة الإصلاح في سجن باستوي
يرى آرنه كفيرنفيك نيلسن، الذي تولى إدارة السجن لمدة خمس سنوات حتى عام 2013، أن سر النجاح لا يكمن في جمال الجزيرة فحسب، بل في الدور الإنساني للموظفين الذين يعملون كمرشدين اجتماعيين.
وبحسب نيلسن، يضم سجن باستوي مرتكبي جرائم خطيرة مثل القتل والاغتصاب، ومع ذلك يُسجّل أحد أدنى معدلات العودة إلى الجريمة في أوروبا، إذ يبلغ 16% مقارنة بمتوسط أوروبي يُقدَّر بنحو 70%.
يقول نيلسن مدافعاً عن هذه السياسة:
"بالنسبة للضحايا، لن يكون هناك سجنٌ قاسٍ بما يكفي. لكن العقاب التقليدي لا يساعد في شفاء الجروح ولا يضمن عدم تكرار الجريمة.
يجب أن يكون السياسيون شجعاناً بما يكفي للاعتراف بأن الإصلاح هو الحل الحقيقي".
ويُعتبر باستوي أيضًا من أقل السجون تكلفة في النرويج، وفق نيلسن.
من القسوة إلى التمرد.. تاريخٌ مظلم
لم تكن الجزيرة دائمًا بهذا اللطف؛ فقبل أن تصبح سجنًا، كانت مقراً لمركز احتجازٍ قسريٍ للأحداث.
وفي عام 1915، شهدت الجزيرة تمردًا عنيفًا شارك فيه نحو 40 صبيًا ضد القسوة التي كانوا يعانون منها، مما استدعى تدخل الجيش لقمعهم.
وتولت الحكومة النرويجية إدارة المركز عام 1953، ثم أغلقته عام 1970.
وفي عام 1982، أُعيد افتتاح الجزيرة كسجن تجريبي تطور لاحقًا إلى نموذج "باستوي" الحالي.