الأربعاء 28 Sep / September 2022

سد مكحول في العراق.. تحذيرات من "كوارث" تفوق الفائدة المرجوة منه

سد مكحول في العراق.. تحذيرات من "كوارث" تفوق الفائدة المرجوة منه

Changed

"عين المكان" يتناول الجدل القائم حول تشييد سد مكحول في العراق (الصورة: تويتر)
واجه الإعلان عن إنجاز السد موجة اعتراضات صارمة محذرة مما سيحل بالمنطقة من تدمير للمعالم الأثرية وتهجير لآلاف السكان والقضاء على العديد من القرى.

أثار قرار الحكومة العراقية تشييد سد لمواجهة أزمة شح المياه التي تعاني منها بلاد الرافدين، جدلًا واسعًا لجهة موقعه الجغرافي، حيث سيقع أسفل سلسلة جبال مكحول في محافظة صلاح الدين ممتدًا على نهر دجلة. 

وواجه الإعلان عن إنجاز السد موجة اعتراضات صارمة في البلاد، إذ حذّر كثيرون مما سيحل بالمنطقة من تدمير للمعالم الأثرية وتهجير لآلاف السكان والقضاء على العديد من القرى. 

وفيما تتفاوت الآراء، يصبح السؤال مشروعًا، فهل مشروع سد مكحول الذي اتخذته الحكومة العراقية هو خطوة في الاتجاه الصحيح لمواجهة أزمة نقص المياه، أم أنه سيتسبب بكوارث بيئية وحضارية وإنسانية تفوق الفائدة المرجوّة منه؟

سد مكحول سيتسبب بتهجير 40 قرية

بحسب تقرير منظمة "ليوان للثقافة والتنمية"، سيتسبب السد في تهجير 40 قرية تقع على مساحة 15 ألف كيلومتر مربع يقدّر عدد سكانها بـ118 ألف نسمة. 

ولمعاينة الواقع على الأرض، توجه فريق "العربي" إلى قرية المسحك التابعة لقضاء بيجي في محافظة صلاح الدين، وهي إحدى القرى المهددة بالتهجير. 

هناك، استقبلنا أحد مشايخ قرية المسحك التي تسكنها العشائر، الشيخ مضحي العوض، وقال: "إن تاريخ هذه القرية يعود لـ400 سنة أو أكثر سكنها الأجداد بهدف الحصول على المياه". 

من جهته، أكد المزارع طلب حماد من قرية المسحك أن القرية تضم أراضيَ زراعية تنتج الحمضيات والمشمش والعنب والتفاح.  

كما لفت العوض إلى أن "الضرر المباشر الذي سيلحق بقرية المسحك هو تهجير لكامل سكانها وتغيير لواقعها الجغرافي، ما سيضيع تاريخ آباء وأجداد وحضارة وذكريات طفولة". وقال: "هذا كنز كبير لا يمكن التضحية به، الرحيل سيولد التشتت لهذه المنطقة". 

يواجه السد معارضة شعبية كبيرة - تويتر
يواجه السد معارضة شعبية كبيرة - تويتر

مشروع قديم جديد

طُرحت فكرة إقامة سد مكحول للمرة الأولى خلال الحكم الملكي للعراق، ووضع حجر الأساس للمشروع في عهد الرئيس الأسبق صدام حسين، إلّا أن العمل عليه توقف بسبب حرب الخليج الثانية ليصبح مشروع السد واحدًا من أكبر المشاريع الإستراتيجية في العراق بعد عام 2003.

وتم إدراجه في مايو/ أيار 2021 ضمن الخطة الاستثمارية لوزارة الموارد المائية ليتم تنفيذه على مدار 5 سنوات. وبلغت ميزانية المشروع 3 مليارات دولار وسيبلغ طول السد قرابة 3,6 كيلومترات بطاقة تخزينية تقدّر بـ3,3 مليارات متر مكعب من المياه. 

من جهته، عبّر وزير الموارد المائية العراقية الأسبق حسن الجنابي، في حديث إلى "العربي"، عن تفاجئه بأن مشروع سد مكحول أصبح أحد مشاريع الوزارة، موضحًا أنه لم يكن من أولوياتها، وقد تم إلغاؤه أكثر من مرة في فترات سابقة ولم يكن مدرجًا في إستراتيجية المياه والأراضي حتى عام 2035. 

وفيما نفى معرفته بموعد اكتمال هذا المشروع، أشار إلى أن تصاميم المشروع السابقة تعود للتسعينيات. 

مبررات تشييد السد

أمّا الرأي الحكومي الرسمي في المشروع فقد عرضه مدير عام المركز الوطني لإدارة الموارد المائية حاتم حسين. ولفت إلى الموقع الإستراتيجي للسد حيث تلتقي فيه مياه نهر دجلة الرئيسي ونهر الزاب الأعلى ونهر الزاب الأسفل، ويقوم بدرء الفيضان كإجراء احترازي ويختزن المياه التي تأتي من سقوط الأمطار بعد سدي دوكان والموصل. 

وأشار في حديثه لـ"العربي"، إلى أن نهر الزاب الأعلى هو نهر غير مسيطر عليه حيث يحول جزء من مياهه إلى سد سامراء وبحيرة الثرثار.

وأوضح حسين أن السد سيولد الكهرباء بمعدل 160 ميغاواط يوميًا وباحتساب الجدوى الاقتصادية، سيتم استرداد الأموال الذي صرفت على السد من خلال توليد الكهرباء في 20 عامًا. 

لكن الجنابي نفى أن يكون السد سيساعد على حماية بغداد من الفيضانات، معتبرًا أن مبررات إقامة السد غير منطقية. 

تهديد 200 موقع أثري

من جهتهم، أطلق خبراء الآثار تحذيرات عديدة حول ما سيخلفه إنشاء السد من إغراق مساحات واسعة تضم ما يتجاوز 200 موقع أثري، بعضها مسجّل كموقع للتراث الإنساني لدى "اليونيسكو". 

وقد حاول فريق "العربي" الوصول لمعاينة بعض المواقع الأثرية المهددة بالغرق لكنه مُنع من الوصول إليها قبل الجهات الأمنية.إلا أنه رغم ذلك، تمكن من الوصول لبعض المواقع الأخرى، والتي تقع ضمن دائرة التهديد.

وبحسب أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة تكريت خليل الجبوري، تعود بعض هذه المواقع إلى حقبة فجر السلالات وإلى الحقبة الآكادية والآشورية وإلى 4500 عام.

وقال لـ"العربي": "إن هذه المواقع تعد ثروة مهمة في تاريخ حضارة العراق القديم". وتحتوي قلعة آشور "الشرقاط" على زقورة كانت معبدا رئيسيا لآلهة آشور. كما يعود موقع الفرس المتميز بعبارته الدائرية إلى حقبة فجر السلالات. 

لكن حسين أشار إلى أن الوزارة شخّصت بعض المواقع الأثرية التي تعاني من إهمال. ولفت إلى أن الشركتين الصربية والبريطانية تعد تصاميم للمشروع بما يحمي قلعة آشور. وقال: "نحن قادرون على إنشاء سدود حول الآثار وحمايتها وتأمين استدامتها". 

واعتبر  الجنابي أن تصريح حسين لا يكفي حيث إن العراقيين يريدون تفاصيل الدراسات لمحاسبة المسؤولين. 

تلوث المياه

كما شرح أستاذ الجيولوجيا المتخصص بالصخور والمعادن عبد السلام صالح أن من المتوقع أن تكون هناك الكثير من المشاكل في هذا السد على صعيد جيولوجي، لافتًا إلى أن مياه نهر دجلة قد تذيب الصخور الكبريتية التي تشكل قاعدة السد، ما يؤثر على نوعية المياه وقد يتسبب أيضًا بتسربها إلى جوف الأرض وبالتالي يلوث المياه الجوفية". 

لكن مدير عام المركز الوطني لإدارة الموارد المائية حاتم حسين نفى احتمال حدوث ذلك، مؤكدًا أن السد سيضم جدارا عازلا.

وأشار صالح إلى أن الدولة لم تقدّم مبررات حقيقية تقنع الجيولوجيين وعلماء الآثار والمجتمع الذي سيتضرر من إنشاء السد. 

تعويض الأهالي

وقال الشيح مضحي العوض وهو أحد سكان قرية المسحك إن الدولة غير جادة في مسألة تعويض المنطقة معنويًا وتراثيًا وماديا. 

وفي هذا السياق، لفت حسين إلى تشكيل لجنة ستقوم باستقبال طلبات الأهالي الذين سيهجرون من أماكن سكنهم وسيتم تعويضهم بمبلغ مادي، كما ستؤمن لهم المحافظة أراضي مجاورة للبحيرة لغرض السكن وسيستفيدون من البحيرة من حيث الثروة السمكية والسياحة ونشاطات أخرى. 

ورغم الجدل الدائر حول إنشاء سد مكحول، إلّا أن الحكومة العراقية ما زالت مصرّة على استكمال ما بدأت به حيث تم الانتهاء من العمل على المرحلة التحضيرية للمشروع، ليبقى العراق حائرًا بين حاجات متزايدة للمياه ومخاوف من تهديدات قد تؤثر على حضارته ومستقبل العديد من أبنائه. 

المصادر:
العربي

شارك القصة

تابع القراءة
Close