هذا الحضور يطرح سؤالًا:
لماذا احتلت القطط تحديدًا مكانة استثنائية في الثقافة الرقمية، وتحولت إلى لغة مشتركة للتعبير عن المزاج والسخرية والتواصل؟
القطط سبقت الإنترنت إلى عالم الميمات
لم يبدأ افتتان البشر بصور القطط مع ظهور شبكات التواصل، حيث تشير دراسة تناولت تاريخ "ميمات" القطط إلى جذور تعود إلى القرن الثامن عشر، معتبرة أن انتشار صور القطط على الإنترنت منذ منتصف العقد الأول من الألفية امتداد لتقليد بصري وثقافي أقدم، والجديد أن الإنترنت أتاح لأي شخص نشر الصورة وإعادة استخدامها وإضافة معنى إليها خلال دقائق.
وتملك القطط ملامح تجذب الانتباه سريعًا، مثل العيون الواسعة والأنف الصغير والوجه المستدير، وهي سمات ترتبط بما يعرف بـ"مخطط الطفولة"، الذي يجعل الوجه يبدو أكثر لطفًا ويحفز الميل إلى الاهتمام به.
لكن الجاذبية البصرية وحدها لا تفسر نجاح القطط، فما يميزها أيضًا هو الغموض، إذ يمكن لنظرة واحدة أن تبدو غاضبة أو ساخرة أو متشككة أو متعالية، وهنا يتدخل الإنسان ليمنح الحيوان شخصية ونوايا وحوارًا داخليًا.
فتتحول نظرة قطة إلى تعليق على اجتماع عمل ممل، أو فاتورة مرتفعة، أو موقف محرج.
لماذا تناسب القطط إيقاع الإنترنت؟
تنسجم مقاطع القطط مع طبيعة المحتوى الرقمي، فهي لا تحتاج إلى مقدمة أو معرفة سابقة بالشخصيات، وغالبًا ما يكون الموقف مفهومًا خلال ثوانٍ.
كما أن القطط تظهر في أماكن مألوفة، على الطاولات والأسرة ولوحات المفاتيح وحواف النوافذ، وعندما تتصرف بطريقة غير متوقعة داخل هذه البيئة اليومية، تتولد المفارقة سريعًا.
ويمنح سلوكها المستقل مساحة واسعة لصناعة النكات، فقد تتجاهل لعبة اشتراها صاحبها، أو ترفض الابتعاد عن الحاسوب، أو تختار صندوقًا صغيرًا بدل مكان مخصص للنوم.
من قطة إلى شخصية يتحدث باسمها الملايين
مع انتشار "ميمات" القطط، لم تعد الصورة مجرد لقطة طريفة، بل أصبحت وسيلة يمنح من خلالها المستخدمون الحيوان صوتًا وشخصية، وبرز ذلك خصوصًا في صور "لول كاتس"، التي استخدمت عبارات مكتوبة بلغة متعمدة الأخطاء لتقديم القطط وكأنها تتحدث.
وهكذا تحولت القطة إلى قناع رقمي يمكن للإنسان التعبير من خلاله عن الجوع والكسل والغيرة والرغبة في ترك العمل وغيرها من المشاعر اليومية.
وتشير دراسة نوعية لجمهور هذا النوع من المحتوى إلى أن "ميمات" القطط أصبحت أيضًا وسيلة للتعبير عن الهوية وبناء الانتماء داخل مجموعات تشترك في فهم أسلوب النكتة وقواعدها.
استراحة نفسية قابلة للمشاركة
لا يقتصر انتشار مقاطع القطط على الطرافة، فقد وجدت دراسة شملت 6795 مستخدمًا أن مشاهدة محتوى القطط ارتبطت لدى المشاركين بزيادة المشاعر الإيجابية والطاقة، وانخفاض مشاعر القلق والانزعاج والحزن.
ولا تعني هذه النتائج أن مقاطع القطط علاج نفسي، لكنها تساعد في تفسير الإقبال عليها بوصفها استراحة قصيرة وسط تدفق الأخبار والضغوط اليومية.
كما أن إرسال مقطع لقطة إلى صديق قد يكون طريقة بسيطة لفتح حديث أو التعبير عن الاهتمام، وكأن الرسالة الضمنية هي: "رأيت هذا وفكرت فيك".
الخوارزميات وجدت فيها محتوى مثاليًا
لم تصنع الخوارزميات شعبية القطط، لكنها وجدت في محتواها خصائص تناسب آليات الانتشار الرقمي: سرعة الفهم، وقصر المقاطع، وسهولة المشاهدة دون صوت، وإمكانية إعادة الاستخدام والتعليق والمشاركة.
ومع تزايد التفاعل، تظهر قطط مشهورة وحسابات متخصصة وشخصيات يتابعها الجمهور باستمرار، وعندها لا يعود الحيوان مجرد بطل مقطع عابر، بل يتحول إلى شخصية لها هوية ونكات متكررة.
ومع ذلك، يحمل هذا الانتشار جانبًا سلبيًا، إذ قد يلجأ بعض الأشخاص إلى تخويف الحيوانات أو إزعاجها للحصول على مشاهدات.
وتحذر منظمات الرفق بالحيوان من هذا النوع من المحتوى، داعية إلى عدم دعمه بالتفاعل والمشاركة.
في المحصلة، تبدو القطط مثالية لعالم الإنترنت، فهي تجمع تناقضات تجعلها شديدة الجاذبية: لطيفة وغامضة، مألوفة ومستقلة، صامتة وقابلة بسهولة لإضفاء الأصوات والملامح والشخصيات عليها.
ولهذا لم تكن شهرتها الرقمية مجرد مصادفة، بل نتيجة التقاء طبيعتها مع حاجة الإنترنت إلى محتوى سريع، قابل للتأويل والمشاركة، وقادر على تحويل لحظة يومية صغيرة إلى لغة يفهمها الملايين.