أثار سعر فطيرة البوريتو في الولايات المتحدة نقاشًا واسعًا داخل الحزب الجمهوري، بعدما اشتكى طلاب أميركيون من ارتفاع كلفة الوجبة التي لطالما ارتبطت في نظرهم بالطعام المشبع والمنخفض الكلفة، في وقت يخشى الجمهوريون أن يتحول الغلاء إلى عامل انتخابي ضدهم في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
وبدأت القصة بمنشور لأندرو كولفت، الناطق باسم الجمعية الشبابية المحافظة "تورننغ بوينت يو إس إيه"، قال فيه إن أحد طلاب الجمعية أبدى استغرابه من وصول سعر البوريتو إلى 20 دولارًا، معتبرًا أن الوجبة التي كانت تُعد خيارًا اقتصاديًا أصبحت جزءًا من أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وربط كولفت في المنشور بين ارتفاع الأسعار والتضخم الذي شهدته الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن ارتفاع كلفة الاحتياجات اليومية أصبح واقعًا يواجهه الأميركيون، وهو ما ساعد على انتشار المنشور على نطاق واسع عبر منصة "إكس".
"حرب أهلية بين الجمهوريين"
وسرعان ما انتقل النقاش من أسعار الطعام إلى سجال داخل التيار المحافظ نفسه، بعدما اعتبرت قناة "فوكس نيوز" أن القضية فجّرت ما يشبه "حربًا أهلية" بين الجمهوريين بشأن الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع شكاوى الأميركيين من غلاء المعيشة.
وانقسم المحافظون بين من رأى أن الحديث عن بوريتو بسعر 20 دولارًا مبالغ فيه، وأن المشكلة تعكس أن بعض الشباب اعتادوا الإنفاق على وجبات وخدمات أكثر كلفة، وبين آخرين حذروا من أن السخرية من هذه الشكاوى قد تكون خطأ سياسيًا في وقت يشعر فيه الناخبون بارتفاع كلفة احتياجاتهم اليومية.
وكان النائب الجمهوري عن ولاية تكساس، دان كرينشو، من أبرز المنتقدين، إذ رد على الشكوى بنبرة ساخرة، داعيًا الطلاب إلى التوقف عن التذمر والبحث عن عمل وتناول حساء "رامن" الياباني، كما كان يفعل جيله خلال سنوات الدراسة.
ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، إذ انتقد مارك تيسن، المستشار السابق للرئيس جورج دبليو بوش، ما وصفه بإنفاق الطلاب مبالغ كبيرة على خدمات توصيل الطعام، مستعيدًا تجربته الشخصية عندما كان طالبًا. وقال إنه كان يعتمد على حساء "رامن"، ولم يكن يشتكي من صعوبة الأسعار، بل عمل من أجل تحسين ظروف حياته بعد التخرج.
لكن تصريحات تيسن أثارت ردًا لافتًا من نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، الذي سخر منه في منشور على "إكس"، في تعليق استهدف بصورة واضحة دفاع تيسن عن التقشف خلال سنوات الدراسة.
السعر الفعلي للفطيرة
وفي المقابل، رأى عدد من المحافظين أن تحويل النقاش إلى انتقادات للشباب قد يضر بالحزب بدلًا من مساعدته، خصوصًا أن قضية القدرة على تحمل تكاليف المعيشة باتت من الملفات التي تحظى باهتمام واسع بين الناخبين.
وكتبت أنجيلا مورابيتو، الناطقة باسم "معهد الدفاع عن الحرية" ذي التوجه اليميني، أن اعتبار تناول طعام أسوأ حلًا لأزمة القدرة على تحمل التكاليف سيقود اليمين إلى خسارة انتخابية يستحقها، في إشارة إلى خطورة التعامل باستخفاف مع شكاوى الناخبين بشأن الأسعار.
على خلفية الحرب في الشرق الأوسط.. ارتفاع صادم لمعدل التضخم في الولايات المتحدة pic.twitter.com/tmLvsmTfrV
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) June 11, 2026
وفي العاصمة واشنطن، لا تصل أسعار البوريتو في بعض سلاسل الوجبات السريعة الكبرى إلى 20 دولارًا في الحالات العادية، إذ تتراوح أسعار الوجبات التي يحصل عليها الزبائن لأخذها خارج المطاعم بين نحو 6.50 دولارات و13.50 دولارًا، وفقًا للمكونات المختارة.
لكن الجدل لا يتعلق بالسعر الفعلي للبوريتو وحده، بل بما أصبح يمثله من رمز للضغوط الاقتصادية اليومية التي يواجهها الأميركيون. فارتفاع أسعار الطعام والطاقة والسكن والخدمات جعل كلفة الاحتياجات الأساسية قضية سياسية تتجاوز تفاصيل سعر وجبة واحدة.
التضخم وارتفاع كلفة الحياة
وتأتي هذه المناقشات في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى التأكيد على أن التضخم يتراجع، نافيًا أن تكون سياساته الجمركية قد أدت إلى زيادة الأسعار.
وبحسب البيانات الرسمية الواردة في المعطيات، بلغ التضخم 4.2% في مايو/ أيار، وهو أعلى مستوى له خلال ثلاث سنوات، قبل أن يتراجع إلى 3.5% في يونيو/ حزيران، بالتزامن مع انخفاض أسعار الطاقة.
غير أن تراجع معدل التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وهو ما يفسر استمرار شعور المستهلكين بارتفاع كلفة الحياة حتى مع انخفاض وتيرة زيادة الأسعار.
وزادت الحرب مع إيران الضغوط على الأميركيين من خلال تأثيرها في أسعار المحروقات، فيما أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة ماركيت أن كلفة المعيشة كانت القضية الأكثر إثارة لقلق المشاركين بنسبة 35%، قبل أن تتصدر الحرب مع إيران قائمة الاهتمامات.
وبذلك، تجاوزت قصة "البوريتو بـ20 دولارًا" حدود النقاش حول وجبة سريعة، لتتحول إلى اختبار لطريقة تعامل الجمهوريين مع المخاوف الاقتصادية للناخبين، ومدى قدرتهم على إقناع الأميركيين بأن تحسن المؤشرات الاقتصادية الرسمية ينعكس فعلياً على حياتهم اليومية، وذلك قبل أشهر قليلة من الانتخابات النصفية.