سليمان منصور.. تنوّع مدهش غيّبته اللوحة- الأيقونة "جمل المحامل"
في مارس /آذار 2015، تلقى الفنان الفلسطيني سليمان منصور ودارسو أعماله مفاجأة كبيرة من دبي: النسخة الأولى من لوحته الأكثر شهرة في تاريخ التشكيل الفلسطيني برمّته، "جمل المحامل"، لم تعد مفقودة، بل موجودة لدى أحد مقتني الأعمال الفنية في العاصمة البريطانية لندن.
وأوضحت دار كريستيز، التي عرضت نسخة عام 2005 من اللوحة للبيع في مزادها في دبي عام 2015، أن المقتني تواصل معها من لندن وأكد امتلاكه العمل الأصلي الذي يحمل الاسم نفسه. وأرسلت الدار إلى هناك فريقًا مختصًا لفحص اللوحة وتقييمها، ليخلص إلى أنها فعلاً النسخة الأصلية التي رسمها منصور عام 1973، والتي كان يُعتقد أنها تاهت بعد رسمها.
يروي منصور أنه رسم النسخة الأولى من "جمل المحامل" بعد مشاهدته أحد العتّالين (الحمّالين) وهو يحمل خزانة ثقيلة وأشياء أخرى على ظهره في مدينة القدس، فخطر له أن هذا المشهد يُجسّد حال الفلسطينيين، فحوّل الحمّال إلى من يحمل القدس نفسها.
لم يتوقّع منصور، حينها، أن تصبح لوحته هذه إحدى أيقونات التشكيل الفلسطيني. ويقول إنه بعد الانتهاء من رسمها، سلّمها إلى مكتب طباعة ونشر تابع للحزب الشيوعي الإسرائيلي في شارع صلاح الدين بالقدس، لثقته به، حيث كان يتردد إليه كبار الأدباء الفلسطينيين في مناطق الـ48، ومنهم إميل توما والروائي الكبير إميل حبيبي، الذي أطلق على اللوحة اسم "جمل المحامل".
كيف اختفت اللوحة- الأيقونة؟
لم تلبث اللوحة أن اختفت بعد ذلك ولم يُعثر عليها. وما منح صاحبها العزاء أن طباعتها على شكل بوسترات ساهم في انتشارها، فصارت تُعلَّق في المنازل والمؤسسات الوطنية والخاصة في فلسطين وخارجها، وتحولت إلى أيقونة من أشهر الأعمال التشكيلية الفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي.
وُلد سليمان منصور في بلدة بيرزيت قرب رام الله، وتوفي والده حين كان في الرابعة من عمره، فالتحق بمدارس داخلية في بيت لحم وبيت جالا خلال طفولته ومراهقته، قبل أن يلتحق بوالدته التي كانت قد استقرّت في إحدى ضواحي القدس قبل حرب 1967.
درس المرحلة الابتدائية في المدرسة الإنجيلية اللوثرية في بيت جالا، حيث اكتشف موهبته التشكيلية التي تولاها برعايته مدرس ألماني كان يعمل في المدرسة. وبفضل موهبته المبكرة، فاز بالجائزة الأولى في مسابقة فنية للأطفال في العالم نظمتها إحدى وكالات الأمم المتحدة بقيمة 200 دولار، ما حفّزه على مواصلة تطوير موهبته.
فيما بعد التحق منصور بكلية الفنون "بتسلئيل" الإسرائيلية في القدس، وكان من أوائل الفلسطينيين الذين يدرسون فيها، في سبعينيات القرن الماضي.
ويشرح منصور في أحد الحوارات خلفيات التحاقه بكلية "بتسلئيل"، موضحًا أن القرار لم يكن من اختياره الشخصي؛ فبعد إنهائه المرحلة الثانوية، تقدّم بطلب للحصول على منحة لدراسة الفنون يقدّمها الاتحاد اللوثري، وكان قانون هذه المنحة يقضي بإرسال المقبولين إلى الكلية الأقرب جغرافيًا إلى مكان إقامتهم. وبحسب هذا النظام، كان من المفترض أن يدرس الفنون في بيروت، لكن اندلاع حرب عام 1967 حال دون ذلك، فتم ابتعاثه إلى كلية "بتسلئيل" بدلًا من ذلك.
فلسطيني في كلية فنون إسرائيلية
يرى منصور أن قبوله في الكلية لم يكن بسبب تميّزه أو إبداعه، بل لأن القائمين على الكلية أرادوا استثمار وجوده "لتبييض صورتهم، والقول إن لدينا طالبًا فلسطينيًا في الكلية".
في "بتسلئيل"، واجه منصور توحّش العنصرية تجاه "الأغيار". ففي عامه الدراسي الثاني، احترقت مكتبة الكلية، وشعر حينها بأن أصابع الاتهام كلّها وُجّهت إليه باعتباره فلسطينيًا يدرس في كلية فنون إسرائيلية. وعندما استدعيت الشرطة للتحقيق، فوجئ بأنه كان المتهم الأول.
ورغم أن التحقيقات بيّنت لاحقًا أن سبب الحريق تماس كهربائي، إلا أن ما حدث ترك في نفسه شعورًا عميقًا بالغربة وعدم الانتماء، فقرّر ترك الدراسة، وهو ما فعله في سنته الدراسية الثالثة.
ساهم هذا الشعور، إلى جانب صعود التيار القومي في المنطقة والمدّ الناصري، في بلورة وعيه القومي وتعزيز إحساسه العميق بفلسطينيّته. "تحوّلت فلسطين لديّ من جغرافيا إلى هوية"، يقول منصور، وقد تعزّز هذا الشعور خلال عمله مدرّسًا للفنون في معهد الطيرة بمدينة رام الله، وتعرّفه إلى الفنانين نبيل عناني وفيرا تماري وتيسير بركات، الذين شكّلوا لاحقًا ظاهرة لافتة في حركتَي التشكيل الفلسطيني والعربي.
في بداياتهم، انشغل هؤلاء الفنانون بالبحث عن رموز تعكس الهوية الفلسطينية في لوحاتهم، بعضها يعود إلى الحقبة الكنعانية، وبعضها الآخر إلى الفنون الإسلامية في القرون الوسطى.
الفن مقاتلًا في الانتفاضة الأولى
عندما اندلعت انتفاضة الحجارة عام 1987، باعتبارها لحظة مفصلية في نضال الفلسطينيين، دعت القيادة الوطنية الموحّدة إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية.
استجاب منصور ورفاقه الفنانون -فيرا تماري، تيسير بركات، ونبيل عناني- بطريقتهم الخاصة. فالفنّ بالنسبة لهم يجب أن يواكب الأحداث ويتفاعل معها، لكن من دون أن يفقد استقلاليته وهواجسه. لذا، أسّسوا حركة فنية أطلقوا عليها اسم "نحو التجريب والإبداع"، وقاطعوا كل أدوات الرسم والفن التي اعتادوا شراءها من الأسواق الإسرائيلية، واستعاضوا عنها بما توفر لديهم من خامات من البيئة الفلسطينية، كالفخّار والطين والحنّة وجلود الحيوانات والقهوة والشاي والسُمّاق وسواها.
في تلك الفترة، نفّذ منصور بالطين مجموعة من الأعمال شكّلت تحوّلًا نوعيًا في مسيرته، إذ كان يصبّ الطين في إطار خشبي ويشكّله تصويريًا في لوحات بارزة.
من بين هذه الأعمال سلسلة بعنوان "أنا إسماعيل"، في إحالة إلى النبي إسماعيل، وهجرته، وعلاقته بالأرض، ما أعاده، كما قال، إلى الواقعية الرمزية بعد أن كان قد اتّجه سابقًا نحو التجريد.
مركز الواسطي.. توثيق وتأصيل
من الميثولوجيا والدين، انتقل منصور ورفاقه إلى توظيف الرموز التاريخية وربطها بالراهن، في مسعى لتأصيل الهوية والتعبير عنها. بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، أسّس الفنانون مركز الواسطي للفنون في القدس عام 1994.
والواسطي هو يحيى بن محمود، أحد أبرز مؤسّسي مدرسة بغداد في التصوير خلال العصر العباسي (القرن الثالث عشر الميلادي)، وكان رسامًا وخطاطًا معروفًا بفن المنمنمات الإسلامية، ومن أبرز أعماله تزيين نسخة من "مقامات الحريري" بمائة منمنمة من رسومه.
وجاء اختيار اسم "الواسطي" للمركز تأكيدًا على البعد الهوياتي والتأصيلي، في إطار سعي جماعة "نحو التجريب والإبداع" لتأسيس بنية تحتية لفن التشكيل في فلسطين المحتلة.
وأنجز المركز بالفعل عددًا من المشاريع، أبرزها توثيق الفن الفلسطيني حتى عام 2002.
وبعد إغلاق المركز في عام 2003، افتتحت المجموعة "غاليري الحلاج"، ثم أسّست لاحقًا "الأكاديمية الدولية للفنون" في رام الله، والتي انتقلت إلى جامعة بيرزيت وتحولت إلى كلية للفنون.
كما قام منصور، إلى جانب نبيل عناني، بتوثيق الوحدات الزخرفية في التطريز الفلسطيني، وأصدرا كتابين عن "جمعية إنعاش الأسرة للفنون الشعبية" في البيرة، هما: "الملابس الشعبية الفلسطينية" و"دليل التطريز الفلسطيني".
بين إميل حبيبي والقذافي
رغم تنوّع تجربة منصور الفنية وانشغالاته الثقافية وانتقالاته الأسلوبية وخصب الرموز التي أنتجها في أعماله، فإن لوحته "جمل المحامل" طغت على مجمل مسيرته الفنية واختزلت تجربته الثرية رغمًا عنه.
رسم منصور النسخة الأولى من اللوحة عام 1973 لكنها فُقدت، فرسم نسخة ثانية عام 1976 اقتناها السفير الليبي في لندن وأهداها إلى الرئيس الراحل معمر القذافي. وتردّد لاحقًا أن هذه النسخة دُمّرت خلال القصف الأميركي على طرابلس عام 1986.
في عام 2005، رسم منصور نسخة ثالثة من اللوحة اقتناها متحف رمزي دلول في العاصمة اللبنانية بيروت.
ويروي منصور أن رابطة الفنانين التشكيليين قرّرت بعد تأسيسها عام 1975 إقامة أول معرض مشترك للفنانين الفلسطينيين في مناطق 1948، واستضافته جمعية الشبان المسيحيين في القدس.
يقول منصور إنه شارك في المعرض بعدد قليل من اللوحات، من بينها "جمل المحامل". هناك، عرض عليه بعض زوار المعرض، وكانوا يعملون في دار نشر تابعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي، طباعة اللوحة، وكان لا بدّ من اختيار اسم لها.
في تلك اللحظة، صادف وجود الروائي الفلسطيني الكبير إميل حبيبي، فاقترح اسم "جمل المحامل"، فكان له ذلك، وهو ما كان قبل أن تُفقد اللوحة التي قالت دار كريستيز بعد نحو أربعين عامًا، إنها موجودة لدى أحد مقتني اللوحات في لندن.
اللوحة خلف السنوار
عرفت "جمل المحامل" انتشارًا واسعًا من خلال البوسترات التي طُبعت منها، ما شكّل عزاءً للفنان، الذي كان قد باع نسختها الثانية للسفير الليبي بلندن.
ويقول منصور إن السفير طلب منه أن يكتب إهداءً للقذافي على اللوحة، فرفض، إلى أن توصّلا إلى تسوية: أن يكون الإهداء على ظهر اللوحة.
أما النسخة الثالثة، فقد أضاف إليها منصور رموزًا مسيحية بجوار قبة الصخرة.
تحوّلت "جمل المحامل" إلى أيقونة كبرى، عرفت محاولات متعددة لإعادة إنتاجها وتكييف رموزها مع التطورات السياسية، كما تحوّلت إلى شخصية روائية، وانتقلت أيضًا من سطح القماش إلى فضاء النحت عام 2017، حين أعاد الفنان العراقي أحمد البحراني تجسيدها.
وظهرت اللوحة في نسخة مختلفة في مايو/ أيار 2021 خلف القيادي الراحل في حركة حماس يحيى السنوار خلال مؤتمر صحافي.
فبينما كان العتّال (الحمّال) في لوحة منصور الأصلية عجوزًا بظهر محنّي يحمل القدس على ظهره، تحوّل في اللوحة التي لم يُعرف رسّامها إلى شاب مليء بالعنفوان يحمل سلاحًا ويتطلع لتحرير شعبه وأرضه.
من رمز بصري إلى شخصية روائية
عرفت السنوات الأخيرة، خصوصًا خلال شهور العدوان الإسرائيلي على غزة، عشرات المحاولات لاستدعاء "جمل المحامل" رمزيًا ودلاليًا، وتكرّرت مقارنتها بأوضاع الفلسطينيين في أثناء النزوح، حتى بدا وكأن اللوحة الأصلية تحوّلت إلى حقل إنتاج رمزي لا ينضب، رغم تغيّر الأوضاع السياسية، بما يكرّس أيقونتها.
وكانت النقلة الإبداعية الأكثر لفتًا للانتباه عندما تحوّلت اللوحة نفسها إلى شخصية روائية. ففي عام 2019، قدّم الفنان الفلسطيني خالد الحوراني أولى تجاربه الروائية بعنوان "البحث عن جمل المحامل".
يتقصّى الحوراني في روايته، بأسلوب سردي شيّق، مصير اللوحة، ويبحر في عالم صاحبها سليمان منصور وحياته، من طفولته ودراسته في مدرسة داخلية، مرورًا بتجربته في "بتسلئيل"، وصولًا إلى مصير اللوحة الأيقونة بعد سقوط القذافي.
تتنقّل الرواية بين فلسطين والأردن وبريطانيا وفرنسا وليبيا، مسلّطة الضوء على تاريخ الحركة التشكيلية الفلسطينية من خلال تتبّع مصير اللوحة المفقودة، والتي قالت دار "كريستيز" إنها عثرت عليها.