في أبريل/ نيسان 2023، تحوّلت شوارع ومدن السودان فجأة إلى ساحة حرب بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع. ومع احتدام المعارك، تدهور الوضع سريعًا: شُرّد الآلاف، وتعرّضت البنية التحتية الهشّة أصلًا لدمار واسع، وامتدّت تداعيات الأزمة إلى معظم الولايات الثماني عشرة.
وكانت المستشفيات والمرافق الطبية في قلب الاستهداف؛ إذ اقتحمتها أطراف القتال، واستولت على الأدوية، وحوّلت بعضَها إلى ثكنات عسكرية. وهكذا وجد النظام الصحي نفسه على حافة الانهيار الكامل، فيما احتاج أكثر من 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بينهم ما يزيد على 20 مليونًا افتقروا بشدّة إلى خدمات الرعاية الصحية، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.
هكذا، قضت الحرب القاسية على معظم مظاهر الحياة، وأصابت قطاع الرعاية الطبية في الصميم. وفي الفراغ الذي خلّفه انهيار الخدمات العامة، ازدهر نشاط وسطاء يتكفّلون بإنهاء الأوراق للمرضى الراغبين في السفر للعلاج خارج البلاد، مقابل مبالغ كبيرة، ومن دون مسوّغات طبية حقيقية في أحيان كثيرة.
الحرب تنعش سوق "سماسرة العلاج"
أنعشت الحرب سوق "سماسرة العلاج" الذين كانوا ينشطون قبلها على نطاق محدود؛ فوسّعوا عملهم وطاردوا معدومي الحيلة، واصطادوا ضحاياهم بين النازحين المتكدّسين قرب الحدود.
وفي مكالمة مع فريق برنامج "مهمة صحفية" من التلفزيون العربي، يوضح أحد هؤلاء السماسرة، أنّ "المطلوب لإنهاء أوراق السفر للعلاج: جواز السفر، وصورة الرقم الوطني، وبطاقة الحمى الصفراء، والمبلغ المُتَّفق عليه فقط"، من دون اشتراط تقرير طبي. وقد كشفت هذه المكالمة مدى قدرة تلك الشبكات على العمل داخل السودان رغم الحرب الدائرة.
وتتبّع فريق "مهمة صحفية" خيوط شبكةٍ تتاجر بآلام آلاف المرضى الذين لم يعد أمامهم سوى الخارج للعثور على رعاية طبية طارئة. ويقول الصحفي السوداني شوقي عبد العظيم إنّ "القطاع الصحي في السودان حتى قبل الحرب كان في أسوأ أحواله؛ إذ أُهملت الخدمات الصحية إهمالًا كبيرًا، واستشرى الفساد بما فيه مافيا العلاج. وقد زاد تضارب المصالح الطين بلّة، خصوصًا حين كان وزير صحة الخرطوم آنذاك مستثمرًا في القطاع نفسه".
من هم "سماسرة العلاج"؟
مع تراجع دور الدولة ونقص الموارد والكوادر، برز ما يُعرف بـ"سماسرة العلاج" الذين استغلّوا حاجة السودانيين للسفر من أجل العلاج، خصوصًا إلى مصر، لاستيفاء مبالغ طائلة مقابل "تسهيل" استصدار التأشيرات. وقد تفاقمت الظاهرة بعد اندلاع الحرب، وتحدّثت مصادر عن حملات اعتقال طالت بعض الشبكات من دون أن تحدّ من تمدّدها.
وبرزت أسئلة مُلحّة: كيف تعمل هذه الشبكات؟ ولماذا يقع الضحايا في شباكها؟ وأيّ أساليب تتّبع لاستدراج المحتاجين؟
في إطار عملنا على هذه القضية، تعقّبنا خيوطًا كثيرة للتعرّف على هذه الشبكة من السماسرة، الذين يتجوّلون بين الناس، ويستهدفون الفئات الأشد احتياجًا للرعاية الصحية. فيأخذون أموالهم ثمّ يختفون بلا أثر.
في هذا السياق، تواصل أحد أفراد فريق العمل هاتفيًا مع سمسار بعدما ادّعى حاجته إلى تأشيرة علاجية لقريب له. وما إن طرح طلبه حتى أحاله السمسار مباشرة إلى شخص آخر، وبدا وكأنّه الحلقة التالية في شبكة أكبر.
يقول السمسار في التسجيل:
"تواصل مع الأستاذ وليد؛ فهو الشخص الذي يُمكنه أن يُقدّم هذه الخدمة في مقابل 2000 دولار أميركي، ويُمكنه أن يُصدر التأشيرة في يوم واحد".
وسعى الفريق للوصول إلى "وليد" الذي تكرر اسمه في روايات السماسرة والضحايا، مستعينًا بوسيط لترتيب طريقة للتواصل معه.
شهادات من ضحايا "سماسرة العلاج"
التقى فريق برنامج "مهمة صحفية" بسيدتين من ذوي مرضى سعوا للعلاج خارج السودان فوقعتا ضحية لعمليات نصب. وقد روت السيدتان قصتهما وطلبتا إخفاء هويتيهما لأسباب أمنيّة.
تقول الأولى: "أخي يعاني مشاكل قلب منذ الصغر. كان لديه تأمين خاص، لكن معظم الأدوية التي يحتاجها لم تكن متوفرة، فكنا نحصل عليها من الخارج عبر الأصدقاء والمعارف". وتشير إلى أنّ شقيقها في بورتسودان لم يستطع استصدار تأشيرة سفر من القنصلية السودانية، فلجأ إلى سمسار طلب 1000 دولار كدفعة أولى ومثلها بعد إصدار التأشيرة". وتضيف:
"اضطر أخي إلى الاستدانة ودفع المبلغ، لكننا تعرّضنا للنصب. وحتى الشكوى للجهات الأمنية لم تكن ممكنة لأنّ العملية برمّتها كانت خارج القانون".
من جهتها، تكشف السيدة الثانية أنّ "قريبة لها لجأت إلى سمسار للحصول على تأشيرة السفر في وقت قياسي، إلا أنّه لم يستطع استصدار تأشيرة لها على الإطلاق".
وفي هذا الإطار، تقول الباحثة السودانية رانيا العوني للتلفزيون العربي إنّ "بعض السماسرة في السودان يعملون مقابل مبالغ باهظة جدًا، والبعض الآخر يحتال على المريض، فيأخذ نصف المبلغ ثم يختفي".
من جهته، يؤكد شوقي عبد العظيم أنّ "السماسرة لا يعملون في فراغ؛ فغالبًا ما يسهّل لهم موظفون نافذون تمرير الأوراق الرسمية والأختام مقابل رشى".
كيف يختار "سماسرة العلاج" ضحاياهم؟
وفقًا لشهادات من التقيناهم، لا يترك السماسرة شيئًا للصدفة، فهم يختارون ضحاياهم بعناية من بين الحالات الأكثر إلحاحًا للسفر الطبي.
كان السمسار يلتقي الضحية، ويتسلّم نصف المبلغ المتّفق عليه، وجواز سفرها، على وعد بتسليمه مع التأشيرة خلال أيام، وهو أمر لم يحدث بالمطلق في كثير من الحالات.
في هذا السياق، تشير العوني إلى أنّها "تؤمّن أدوية والدها من الخارج"، وتحذّر من سماسرة الدواء الذين "يجلبون أحيانًا أدوية فاسدة أو منتهية الصلاحية".
من جهته، يقول رئيس تجمّع الإعلاميين السودانيين في مصر صلاح غريبة في حديث إلى "مهمة صحفية"، إنّ "نشاط سماسرة الأدوية ازداد مؤخرًا"، ويلفت إلى أن "بعض القادمين من مصر يلجأون إلى سماسرة لتنسيق مواعيد الأطباء والمستشفيات مقابل مبالغ مادية".
تُعَدّ هذه الشبكات امتدادًا لمَن تاجروا بالأدوية والمعدات الطبية سابقًا ضمن شبكات فساد أضعفت القطاع الحكومي في السودان. ومع اندلاع الحرب، فتحت لنفسها سوقًا جديدة في مناطق النزوح، حيث توافرت بيئة مناسبة لاستغلال حاجة الناس والاستيلاء على أموالهم.
وتقول إحدى قريبات الضحايا إنّ "بعض السماسرة يأخذون الأموال من المرضى ويرمون جوازات سفرهم في البحر".
"لا يستطيع الضحايا التقدّم بشكاوى لأنّ بعض سماسرة العلاج كانوا يتبعون جهات حكومية، ومنهم رجال شرطة بزي رسمي".
وتشير إلى "أزمة دبلوماسية حدثت بين السفارة المصرية والحكومة السودانية بسبب هذه الملفات".
نفوذ "سماسرة العلاج" داخل السلطة
وفقًا للشهادات أيضًا، فإنّ "أوراقًا كثيرة استُعملت في مصر من قبل السودانيين كانت مزوّرة، خصوصًا الملفات الطبية، ما أثّر على فرص دخول المرضى الفعليين للعلاج، وقد فارق بعضهم الحياة على المعابر".
ويوضح الحقوقي السوداني أسامة أبو بكر في حديث للتلفزيون العربي، أنّ "سماسرة العلاج يتمتعون بنفوذ في أوساط السلطة السياسية، لتسهيل أعمالهم وتأمين الحماية لهم، مقابل مبالغ مالية يدفعونها".
"شبكة سماسرة العلاج أصبحت مترامية الأطراف تضمّ نافذين وموظفين حكوميين وعناصر في الأجهزة الأمنية، وهو ما يجعل القضاء عليها أمرًا شبه مستحيل حتى لو توفّرت النية الصادقة للحكومة"
وخلال التحقيق، تظاهر أحد أفراد الفريق بأنه يبحث عن تأشيرة علاجية، وتواصل مع سمسار عبر "واتساب". وبحسب الرسائل، بلغ سعر التأشيرة 1600 دولار، على أن تُستخرج خلال 24 ساعة فقط.
وتكشف إحدى قريبات الضحايا أنّ الوصول إلى السمسار كان يحصل من خلال تداول المعلومات حولهم بين الناس، أو عبر مكتب من مكاتب السفر.
بدورها، تشير العوني إلى قصة والدة احدى صديقاتها التي تُعاني من فشل كلوي، إذ لجأت إلى السفارة من أجل الحصول على تأشيرة سفر لها من أجل إجراء عملية زرع كلى، لكنّها صُدمت بالمبلغ المالي الخيالي الذي طُلب منها، فضلًا عن اضطرارها إلى الانتظار لوقت طويل نظرًا لوجود آلاف المرضى الذين ينتظرون دورهم.
وتضيف أنّه بعد خروجهم من السفارة، قدّمت لهم موظفة مسؤولة رقم هاتف أحد السماسرة لتسريع عملية الحصول على التأشيرة وبمبلغ مالي أقلّ من الذي طلبته السفارة.
"بعد التواصل مع السمسار، توجّهوا إلى قهوة يتواجد فيها تضمّ آلاف الأشخاص الذين يعرضون خدماتهم، لكنّنا خرجنا لأنّ العملية برمّتها لم تكن إنسانية. وبالتالي توفيت المريضة".
من يوفّر لهم الحماية؟
وفي مسار موازٍ، تمكّن فريق "مهمّة صحفية" من الوصول إلى مريض تواصل مع أحد أكبر سماسرة العلاج في وادي حلفا، ليتبيّن أنه الشخص نفسه الذي يُعرف باسم "وليد" والذي أحال إليه سماسرة آخرون، وهو أيضًا من كنا نسعى، عبر وسيطنا، لترتيب لقاء معه.
وفي اتصال هاتفي مع أحد أفراد الفريق، قال "وليد" إنّ "استبدال موظفي القنصلية جعل استخراج التأشيرات أصعب"، واشتكى من "تعقيد الإجراءات"، لكنه واصل التعهّد بإصدار التأشيرة وإن استغرق الأمر وقتًا أطول، "من دون اشتراط أن يكون الطالب مريضًا فعلًا".
"إجراءات السلطات المصرية أصبحت أكثر تعقيدًا في استخراج التأشيرات مقارنة بالسابق".
كما لمح إلى "ارتباطه بأشخاص يعملون داخل القنصلية المصرية في وادي حلفا"، وأشار في رسائل مكتوبة إلى "شخص آخر يحصل على النسبة الأكبر من المبالغ التي يدفعها الضحايا".
لم يتمكّن فريق التحقيق من التيقّن مما إذا كان عاملون في السفارة المصرية مرتبطين بشبكة السماسرة السودانيين في الخارج، ولا ما إذا كان الميسّرون سودانيين أم مصريين. لكن شهودًا تحدثوا عن "صلة بين تلك الشبكة وشخصيات نافذة في مؤسسات أمنية سودانية". فالسماسرة لا يعملون بمفردهم، بل هناك من يُوفّر لهم الحماية.
حق الرد
حرصًا على حقّ الرد، وجّه فريق التحقيق خطابات رسمية إلى القنصلية المصرية في وادي حلفا للاستفسار عن مزاعم تعاون داخلي مع سماسرة التأشيرات، وإلى وزارة الصحة السودانية لسؤالها حول الثغرات التي يستغلّها السماسرة في منظومة الرقابة، وإلى وزارة الداخلية السودانية لمواجهتها باتهامات تتعلّق بالحماية الأمنية المحتملة لتلك الشبكات.
وتضمنت الخطابات أسئلة محددة تستند إلى ما ورد في التحقيق من شهادات ووثائق، مع مهلة كافية للرد. لكن حتى لحظة بثّ التحقيق، لم يصل أيّ جواب رسمي.
ويقول أسامة أبو بكر إنّ "سماسرة العلاج أو سماسرة الموت ساهموا في مضاعفة معاناة المرضى عبر ممارسات التزوير التي ارتكبوها".
من جهته، يؤكد شوقي عبد العظيم أنّ "نشاط هؤلاء السماسرة أضرّ بالمرضى السودانيين وأجبر السفارات على تشديد الإجراءات".