في السابع عشر من يوليو/ تموز 2019، وبعد ساعات من مداخلة تلفزيونية انتقدت فيها الحرب على طرابلس ودعت إلى وقف القتال، اقتحم مسلحون منزل سرقيوة في مدينة بنغازي شرق ليبيا.
خلال العملية، أُصيب زوجها بالرصاص، واعتُدي بالضرب على أحد أبنائها، قبل أن تُقتاد النائبة الليبية إلى جهة مجهولة.
ومنذ تلك الليلة، لم تعلن أي جهة رسمية معلومات حاسمة عن مكانها أو مصيرها.
تنحدر سهام سرقيوة من عائلة معروفة في مدينة درنة، وتعود جذورها إلى الأندلس، بحسب روايات مقرّبين منها. ومنذ طفولتها، تميزت بتفوقها الدراسي، فكانت من أوائل طلبة الثانوية العامة، ثم درست علم النفس، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى بريطانيا، حيث حصلت على الدكتوراه في علم النفس السريري من جامعة لندن، وفق ما تذكر سيرتها المتداولة وشهادات عائلتها.
عادت سرقيوة إلى ليبيا بعد سنوات من العمل الأكاديمي والمهني، وتدرجت في مسارها العلمي حتى نالت درجة الأستاذية. ويقول زوجها علي ربيع إنها أسهمت في تأسيس أول جمعية تُعنى بمرض التوحد في بنغازي، وكان لها دور في تشخيص عدد من الحالات لدى الأطفال، إلى جانب عملها الأكاديمي ومؤلفاتها ودراساتها في مجال علم النفس.
بروز اسم سهام سرقيوة وفوزها بالمقعد النيابي
برز اسم سهام سرقيوة خلال أحداث ثورة 17 فبراير وفق صديقها المحلل السياسي فرج دردور، إذ شاركت في المظاهرات المناهضة لنظام معمر القذافي، وكانت من الداعمين لمشاركة المرأة في الحياة العامة والسياسية.
ويروي وكيل وزارة الدفاع سابقًا خالد شريف أن سرقيوة ترشحت عام 2014 لانتخابات مجلس النواب، وحصلت على نحو 5800 صوت، في نتيجة عُدت مرتفعة آنذاك، لتصبح عضوًا في البرلمان عن بنغازي.
وعُرفت سرقيوة بمواقفها الداعية إلى توحيد المؤسسات ووقف العنف، كما انتقدت صراحة بعض سياسات القيادة العامة التابعة لقائد قوات الشرق الليبي خليفة حفتر، وفق ما يؤكد زوجها علي ربيع.
ويقول المحلل السياسي فرج دردور إن الحالة السياسية في ليبيا عند اختطاف سهام سرقيوة كانت شديدة التوتر، في ظل الحرب التي كانت تشنها قوات حفتر على العاصمة طرابلس، وسط دعم إقليمي ودولي متفاوت للعملية العسكرية.
ويشير إلى أن معارضة الحرب، أو انتقاد ما تقوم به قوات حفتر، كانا من المحرمات السياسية في بنغازي خلال تلك المرحلة.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2018، طالبت سهام سرقيوة بمساءلة حفتر أمام مجلس النواب، باعتباره قائدًا عامًا للجيش عيّنه البرلمان، مؤكدة ضرورة خضوع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية. كما دعت إلى منع العسكريين ورجال الأمن من الترشح للانتخابات الرئاسية، التزامًا بمبدأ الفصل بين العمل العسكري والسياسي.
ومع اندلاع الهجوم على طرابلس في أبريل/ نيسان 2019، أعلنت سرقيوة من القاهرة، خلال مؤتمر برلماني، رفضها الحرب، ودعت إلى وقف القتال والعودة إلى الحل السياسي، وهو موقف وضعها في مواجهة مباشرة مع مؤيدي العملية العسكرية.

ليلة اختطاف سهام سرقيوة
بعد عودتها من مصر بأيام، وفي مساء السادس عشر من يوليو 2019، شاركت سرقيوة في مداخلة عبر قناة "ليبيا الحدث"، وانتقدت المتشددين من جانبي النزاع، داعية إلى وقف حمام الدم والبحث عن تسوية سياسية.
بعد ساعات قليلة، وقع ما كانت تخشاه. فقد اقتحم مسلحون منزلها في بنغازي، وأطلقوا النار على زوجها، واعتدوا على أحد أبنائها، ثم اختطفوها واقتادوها إلى جهة مجهولة.
رغم تمتع سرقيوة بحصانة برلمانية، لم تُعلن نتائج تحقيق رسمي شفاف في حادثة اختطافها، ولم تُكشف تسجيلات كاميرات المراقبة، كما لم تُحدد هوية السيارات أو العناصر التي نفذت العملية، بحسب عائلتها ومنظمات حقوقية.
وأفاد شهود ومنظمات حقوقية بأن بعض السيارات التي استُخدمت في محاصرة المنزل ارتبطت باللواء 106، التابع للقوات المسيطرة على بنغازي آنذاك، غير أن هذه الاتهامات لم تُحسم قضائيًا.
وقبل مغادرة الخاطفين منزل سرقيوة، كُتبت على جدرانه عبارات من بينها: "الجيش خط أحمر" و"أولياء الدم"، وهي العبارة التي ربطتها منظمة العفو الدولية بجماعة مسلحة موالية لقوات شرق ليبيا.
وأثار اختطاف سرقيوة قلقًا واسعًا داخل ليبيا وخارجها. فقد أصدرت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، إلى جانب سفارات 12 دولة أوروبية، بيانًا مشتركًا عبّرت فيه عن قلقها العميق حيال استمرار اختفائها، ودعت إلى الإفراج الفوري عنها وفتح تحقيق عاجل.
كما طالبت منظمة العفو الدولية بالكشف عن مصيرها والإفراج عنها من دون قيد أو شرط، فيما ذكّرت المستشارة الأممية ستيفاني ويليامز، خلال جلسة لمجلس النواب، بأن مقعد سهام سرقيوة لا يزال شاغرًا.
ورغم هذه الدعوات، لم يُعلن حتى اليوم عن نتائج رسمية أو معلومات مؤكدة بشأن مصيرها.
تسريب صوتي وروايات متضاربة
تعددت الروايات حول ما جرى بعد اختطاف سرقيوة. فبينما رجّح البعض أنها بقيت محتجزة لفترة، ذهب آخرون إلى احتمال قتلها بعد وقت قصير من اختطافها. لكنّ أيًا من هذه الروايات لم يتحول إلى حقيقة موثقة يمكن الاعتماد عليها نهائيًا.
ويعتبر المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا صلاح البكوش أن السبب الرئيسي لاختطاف سهام سرقيوة كان معارضتها العملية العسكرية التي قادها خليفة حفتر ضد طرابلس، لافتًا إلى أنها شددت على أن مجلس النواب لم يوافق على تلك العملية ولم يُستشر قبل إطلاقها، وطالبت بوقف "حمام الدم".
وفي يوليو 2020، قال عضو مجلس النواب الليبي في طبرق عيسى العريبي، في تسريب صوتي نشرته قناة "فبراير" المحلية، إن المجموعة التي اختطفت النائبة سهام سرقيوة وقتلتها تابعة لقوات حفتر. كما اتهم وزير الداخلية السابق إبراهيم بوشناف بالكذب بشأن الحادثة. غير أن مضمون التسريب بقي ضمن إطار الروايات السياسية والإعلامية، من دون أن يصدر حكم قضائي أو تحقيق رسمي يحسم القضية.
وفي عام 2025، عادت قضية سهام سرقيوة إلى الواجهة بعد تداول صورة مزعومة قيل إنها تظهرها بعد سنوات من اختفائها. لكن منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش، أكدت أنها لم تتمكن من التحقق من صحة الصورة أو مكانها أو توقيتها، ودعت السلطات في شرق ليبيا والسلطات القضائية إلى تحقيق شفاف يكشف حقيقة ما جرى.
أسرتها لا تزال تبحث عن الحقيقة، ومنظمات حقوقية تواصل المطالبة بالكشف عن مكانها ومحاسبة المسؤولين عن اختفائها، فيما تحوّلت قصتها إلى واحد من أبرز رموز الاختفاء القسري في ليبيا، وإلى شاهد على الثمن الذي قد يدفعه أصحاب الأصوات المعارضة في بلد مزقته الانقسامات والحروب.