في لحظة واحدة، تحوّلت أداة تواصل يومية إلى سلاح.
في الحالة الإسرائيلية، لا يبدو هذا النوع من العمليات استثناءً، إذ يندرج ضمن ممارسة متواصلة تعود جذورها إلى ما قبل قيام إسرائيل.
فعلى مدى عقود، طوّرت إسرائيل منظومة اغتيالات متكاملة، من العبوات المخفية إلى الضربات الجوية الدقيقة، تستهدف أفرادًا تصنّفهم تهديدات أمنية، خارج أي إطار قضائي، ومن دون تبنٍّ رسمي مباشر.
ورغم تقديم هذه العمليات بوصفها أدوات "دقيقة"، لم تخلُ يومًا من كلفة بشرية أوسع، إذ غالبًا ما أدّت إلى سقوط ضحايا مدنيين، سواء بشكل مباشر أو ضمن ما يُعرَف بـ"الأضرار الجانبية"
وضمن هذه المنظومة، يبرز "الموساد"، جهاز الاستخبارات الخارجية الرئيسي الذي تأسس عام 1949، والمسؤول عن جمع المعلومات وتنفيذ العمليات السرية خارج حدود إسرائيل.
وعلى غرار أجهزة استخباراتية أخرى، يقدّم "الموساد" نفسه بوصفه جهازًا معنيًا بإنتاج المعلومات ومنع التهديدات، إلا أن سمعته ارتبطت، منذ تأسيسه، بعمليات اغتيال نُفذت في بلدان متعددة، غالبًا في ظل سياسة "الغموض" التي تتبعها إسرائيل، حيث تمتنع عن تأكيد مسؤوليتها عن هذه العمليات أو نفيها (1).
ورغم أن الاغتيال ليس الوظيفة المعلنة للجهاز، فإن هذه العمليات ساهمت في تكريس صورته كأداة مركزية في إدارة الصراع خارج الحدود الإسرائيلية، حتى باتت تشكّل، في نظر كثيرين، أحد أبرز أوجه نشاطه، وإن بقيت رسميًا جزءًا من منظومة أوسع من العمل الاستخباراتي.
عملية خطف أدولف أيخمان
تُعدّ عملية خطف أدولف أيخمان، أحد المسؤولين عن عملية الإبادة النازية لليهود، من الأرجنتين عام 1960 من أوائل العمليات التي كرّست نمط عمل "الموساد" خارج الحدود.
كان أيخمان يعيش في بوينس آيرس بهوية مزيفة، قبل أن يتم تعقبه والتأكد من هويته عبر مراقبة ميدانية دقيقة. ثم اختُطف سرًا خلال عودته إلى منزله، واحتُجز في منزل آمن، قبل نقله خارج الأرجنتين متنكرًا بصفة موظف مريض على متن طائرة إسرائيلية ضمن غطاء دبلوماسي (2).
حملة "غضب الرب": التعاون الاستخباراتي الدولي
عقب عملية ميونيخ عام 1972، التي قُتل فيها 11 رياضيًا إسرائيليًا خلال دورة الألعاب الأولمبية على يد مجموعة "أيلول الأسود" الفلسطينية، أطلقت إسرائيل، عبر "الموساد"، حملة اغتيالات سرية عُرفت باسم "غضب الرب"، استهدفت فلسطينيين يُشتبه بارتباطهم بعمليات ضد أهداف إسرائيلية في أوروبا.
وشملت العمليات اغتيال شخصيات في عواصم أوروبية عدة، منها وائل زعيتر، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في إيطاليا، الذي أُطلق النار عليه أمام منزله في روما عام 1972، ومحمود الهمشري، أحد كوادر منظمة التحرير، الذي قُتل في باريس عام 1973 عبر تفجير عبوة زُرعت في هاتفه بعد استدراجه إلى مكالمة.
كما اغتيل محمد بودية في باريس عام 1973، وهو مناضل جزائري في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بعبوة ناسفة ثُبّتت في سيارته بعد تتبّع دقيق لتحركاته بمساعدة معلومات استخباراتية سويسرية. وامتدت العمليات لاحقًا لتشمل علي حسن سلامة، أحد أبرز قيادات حركة "فتح"، الذي اغتيل في بيروت عام 1979 بسيارة مفخخة بعد سنوات من محاولات استهدافه.
غير أن هذه الحملة لم تخلُ من أخطاء فادحة، أبرزها حادثة ليلهامر في النروج عام 1973، حين قُتل نادل مغربي بالخطأ، ما أدى إلى توقيف عملاء إسرائيليين واندلاع فضيحة دولية كبيرة (3).
وفي الفترة نفسها، سبقت هذه الحملة عمليات أخرى استهدفت قيادات فلسطينية، أبرزها اغتيال الكاتب والناطق باسم الجبهة الشعبية غسان كنفاني في بيروت عام 1972 عبر تفجير سيارته (4)،في عملية حملت بعدًا سياسيًا يتجاوز الهدف الأمني المباشر، إذ استهدفت شخصية ثقافية بارزة إلى جانب دورها التنظيمي.
وقد تشكّلت عملية "غضب الرب" ضمن منظومة تعاون استخباراتي عابر للحدود جرت خارج أي رقابة سياسية أو مساءلة ديمقراطية. وكشفت وثائق أرشيفية حديثة أن "الموساد" اعتمد بشكل أساسي على شبكة أوروبية لتبادل المعلومات ضمّت 18 جهازًا أمنيًا من دول بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وسويسرا، وعُرفت باسم "نادي برن"، فيما كانت قناتها التشغيلية تحمل اسم "كيلوواط". وقد وفّرت هذه الشبكة تدفّقًا يوميًا من المعطيات الدقيقة عن تحركات المشتبه بهم واتصالاتهم وأماكن إقامتهم.
وشمل ذلك تفاصيل دقيقة، من أرقام الهواتف إلى مسارات السفر، شكّلت الأساس الذي بُنيت عليه قرارات الاستهداف. وضمن هذه الآلية، لم يكن اختيار الأهداف عشوائيًا، وإنما نتيجة عملية تراكمية من الربط والتحليل بين معطيات قدّمتها أجهزة متعددة.
في حالة وائل زعيتر، مثلًا، ساهمت معلومات نقلتها الاستخبارات الألمانية عن صلاته بالمشاركين في عملية ميونيخ في ترسيخ قناعة لدى القيادة الإسرائيلية بضرورة اغتياله، رغم الجدل اللاحق حول مدى دقة هذه المعطيات. وهكذا تحوّلت شبكات التعاون الاستخباراتي إلى ما يشبه غرفة قرار غير معلنة، تنتج لوائح القتل استنادًا إلى معلومات قد لا تكون خاضعة لأي تدقيق قضائي مستقل (5).
من الاغتيالات الكلاسيكية إلى الحديثة
منذ حملة "غضب الرب" عقب عملية ميونيخ، لم تعد عمليات الاغتيال التي تنفّذها إسرائيل مجرد تكتيك أمني ظرفي، إذ أصبحت سياسة مستمرة تتكيّف مع تطوّر الأدوات والسياقات. وتطوّرت الوسائل من الرسائل المفخخة والعبوات المزروعة إلى أجهزة اتصال يمكن تحويلها إلى أدوات تفجير، وصولًا إلى الضربات الدقيقة عبر طائرات مسيّرة أو أنظمة إطلاق عن بُعد.
ويعكس اغتيال وديع حداد، أحد القادة المؤسسين للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عام 1978، هذا التحوّل نحو ما يُعرَف بـ"الاغتيال منخفض البصمة". فبدل استخدام وسائل مباشرة، جرى، بحسب روايات لاحقة، تسميمه تدريجيًا عبر مادة يُعتقَد أنها أُدخلت إلى معجون أسنانه، ما أدى إلى تدهور صحته على مدى أسابيع قبل وفاته، من دون أن يتمكن الأطباء من تحديد السبب بدقة.
ومن أبرز العمليات اغتيال العالم المصري يحيى المشد في باريس عام 1980، في سياق استهداف البرنامج النووي العراقي الذي كان المشد جزءًا منه. وبحسب بعض التقارير الفرنسية، عُثر على العالم النووي مقتولًا في ظروف عنيفة وغامضة.
ورغم عدم توافر أدلة قضائية حاسمة، أشار محققون فرنسيون إلى شبهات قوية تربط "الموساد" باغتياله. في المقابل، تحدّثت إسرائيل عن توجيه ضربة قاسية إلى البرنامج النووي العراقي وتأخيره، من دون أن تعلن رسميًا مسؤوليتها عن العملية (8)، في ما يعكس سياسة "الغموض المتعمّد" التي وسمت عددًا من عملياتها في الخارج.
وفي سياق تطوّر العمليات، يُعدّ اغتيال القيادي في "حزب الله" عماد مغنية في دمشق عام 2008 من أبرز نماذج العمليات المعقّدة التي جمعت بين التخطيط الاستخباراتي والتنفيذ التقني الدقيق. فبعد سنوات من الغموض، أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت بمسؤولية إسرائيل عن العملية، موضحًا أن العبوة الناسفة زُرعت داخل جزء من السيارة، وجرت مراقبة الهدف إلى حين وصوله قبل تفجيرها عن بُعد (9).
أما اغتيال القيادي في "حماس" محمود المبحوح في دبي عام 2010، فيُعدّ من أبرز العمليات التي جمعت بين الدقة الاستخباراتية والانكشاف العلني. فقد تمكّن فريق الاغتيال من تعقّب المبحوح واستدراجه إلى غرفته، حيث جرى قتله، قبل ترتيب المشهد ليبدو كوفاة طبيعية.
إلا أن العملية انكشفت سريعًا، إذ أعادت شرطة دبي بناء تحركات الفريق عبر كاميرات المراقبة وتحليل الاتصالات، ونشرت صور المشتبه بهم، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية مع دول أوروبية بسبب استخدام جوازات سفر أوروبية مزوّرة (10).
وفي حالات أخرى، لم تُكشَف العمليات بشكل مباشر، وإنما بقيت ضمن ما يُعرَف بسياسة "الغموض المتعمّد". ففي حالة المهندس الفلسطيني فادي البطش الذي قُتل بإطلاق نار في ماليزيا عام 2018، نُسبت العملية على نطاق واسع إلى "الموساد"، خصوصًا بعد إعلان "حماس" أنه كان من كوادرها المرتبطة بتطوير قدراتها العسكرية.
ورغم نفي إسرائيل الرسمي لأي ضلوع في العملية، فإن تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي آنذاك أفيغدور ليبرمان، التي أشار فيها إلى دور البطش في تطوير الصواريخ (11)، عكست نمطًا متكررًا عبر النفي المباشر الذي يترافق مع تلميحات غير مباشرة إلى طبيعة الهدف. في هذا السياق، يتيح الغموض لإسرائيل تنفيذ عمليات خارج حدودها دون تحمّل مسؤولية قانونية أو سياسية واضحة.
وفي تطوّر أكثر تقدمًا، يُعدّ اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده عام 2020 نموذجًا لانتقال الاغتيالات إلى مستوى جديد من التنفيذ عن بُعد. فقد جرى استهدافه باستخدام سلاح آلي مُتحكَّم به عن بُعد ومدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، من دون وجود منفّذين في موقع العملية.
وتميّزت العملية بدقة عالية، إذ استهدفت الشخص المعني من دون إصابة مرافقيه أو زوجته التي كانت إلى جانبه، في مؤشر إلى تحوّل الاغتيال من عمل ميداني إلى عملية تُدار تقنيًا من مسافة، حيث يصبح "الحضور" البشري في موقع التنفيذ غير ضروري (12).
غير أن تاريخ جهاز "الموساد" الإسرائيلي شهد عددًا من الإخفاقات كذلك، لعل أبرزها محاولة اغتيال القيادي في "حماس" خالد مشعل في عمّان عام 1997.
فقد نفّذ العملية عملاء لـ"الموساد" تنكّروا بهويات كندية، واستخدموا مادة سامة تُحقَن بسرعة قرب الأذن. غير أن العملية انهارت خلال لحظات بعدما انتبه أحد مرافقي مشعل للهجوم، ما أدى إلى ملاحقة المنفذين والقبض عليهم قبل تمكنهم من الفرار.
وأثارت العملية أزمة دبلوماسية حادة مع الأردن، إلى أن اضطرت إسرائيل إلى إرسال الترياق لإنقاذ حياة مشعل، كما انتهت الأزمة بإفراج إسرائيل عن الشيخ أحمد ياسين وعدد من المعتقلين الفلسطينيين، مقابل إطلاق سراح عملاء "الموساد" (13).
وتشكّل هذه الحادثة واحدة من أكثر العمليات التي كشفت حدود هذا النوع من الاغتيالات وكلفتها السياسية.
هجمات الأجهزة المفخخة والاغتيالات في سياق حرب 2023
شكّل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 منعطفًا حادًا في طريقة إسرائيل في إدارة صراعها، إذ لم تقتصر ردود الفعل على العمليات العسكرية التقليدية، بل رافقتها موجة واسعة من الاغتيالات المستهدفة طالت قيادات بارزة في "حماس" و"حزب الله" وفصائل أخرى، في عمليات توزّعت بين الجيش الإسرائيلي والموساد وأجهزة أمنية أخرى.
من أبرز هذه الاغتيالات التي نُسبت تحديدًا إلى "الموساد"، اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية في طهران في يوليو/ تموز 2024. نُفّذت العملية داخل مقر إقامته في دار ضيافة حكومية إيرانية، عبر عبوة ناسفة يُرجَّح أنها زُرعت مسبقًا في الغرفة قبل أسابيع من وصوله (14).
شكّل الاغتيال صدمة إستراتيجية وسياسية واسعة، لا لأهمية الهدف فحسب، بل لأنه نُفّذ في قلب العاصمة الإيرانية، في رسالة مزدوجة وجّهتها إسرائيل لكل من "حماس" وطهران في آن واحد.
ثم جاءت هجمات الأجهزة المفخخة في سبتمبر/ أيلول 2024 لتمثّل تحوّلًا نوعيًا غير مسبوق.
فبحسب تقارير إعلامية، جرى إدخال متفجرات داخل أجهزة "بيجر" وأجهزة لاسلكية بيعت عبر شركات وهمية لـ"حزب الله"، قبل أن تُفجَّر عن بُعد بشكل متزامن في لبنان، ما أدى إلى سقوط قتلى وآلاف الجرحى، بينهم مدنيون.
واختلفت العملية عن سابقاتها لأنها استهدفت شبكة كاملة، لا شخصًا بعينه، عبر تحويل أداة تواصل يومية إلى وسيلة قتل كامنة. كما أظهرت مستوى متقدمًا من الاختراق، إذ لم يقتصر التنفيذ على لحظة التفجير، وإنما بدأ قبل سنوات عبر التلاعب بسلاسل التوريد وإنشاء واجهات تجارية مزيفة. (15)
الإطار المؤسسي والقرار السياسي
في هذا السياق، يظهر أن عملية الاغتيال لا تبدأ لحظة التنفيذ، وإنما تمرّ بسلسلة من المراحل المؤسسية داخل المنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية. وغالبًا ما يُحدَّد الهدف عبر جمع معلومات من وحدات مختلفة تشمل مراقبة الاتصالات وشبكات التجسس وتحليل العلاقات التنظيمية.
بعد ذلك، يُبنى ملف استخباراتي متكامل يقيّم دور الشخص المستهدف وجدوى اغتياله والوسيلة الأنسب لتنفيذ العملية. ويُعرَض هذا الملف على هيئة تنسيق تضم رؤساء الأجهزة الأمنية، قبل أن يُحال القرار النهائي إلى رئيس الحكومة، الذي يمتلك صلاحية الموافقة (16).
وعند إقرار العملية، تتولى وحدات متخصصة التنفيذ، أبرزها "قيصرية" المسؤولة عن تشغيل العملاء وجمع المعلومات، و"كيدون" التي تضم عناصر مدرّبة على تنفيذ الاغتيالات والتخريب. وتعتمد هذه العمليات على مزيج من المراقبة التكنولوجية والعمل الميداني، حيث تؤدّي متابعة الاتصالات وتحليلها دورًا أساسيًا في تحديد موقع الهدف وتوقيت استهدافه (17).
غير أن ذلك لا يعني أن الاغتيال أداة سهلة أو مضمونة النتائج. فتنفيذ هذه العمليات يبقى مرتبطًا باعتبارات سياسية وجغرافية معقّدة تحدّد أين يمكن لإسرائيل أن تتحرّك. كما أن سجل هذه العمليات يكشف إخفاقات بارزة، من استهداف أشخاص بالخطأ إلى انكشاف شبكات كاملة من العملاء، ما يذكّر بأن دقة التكنولوجيا لا تلغي هامش الخطأ.
والأهم أن أثر هذه الاغتيالات يبقى موضع جدل، باعتبار أن استهداف القيادات لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف التنظيمات، إذ غالبًا ما تُستبدَل هذه القيادات بسرعة، ما يطرح تساؤلات عمّا إذا كانت هذه السياسة تنتج ردعًا فعليًا، أو أنها تندرج أساسًا ضمن منطق توجيه الرسائل واستعراض القدرة أكثر من كونها حلًا حاسمًا للصراع (18).
الاغتيال كنموذج للصراع
في كتابه "انهض واقتل أولًا: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية" (19)، يشير الصحافي الإسرائيلي رونين برغمان إلى أن إسرائيل نفّذت منذ الحرب العالمية الثانية عمليات اغتيال أكثر من أي دولة غربية أخرى، حيث تحوّل هذا الأسلوب إلى خيار متكرر لدى صانعي القرار في التعامل مع التهديدات الأمنية.
فبدل اللجوء إلى المواجهات الواسعة، جرى اعتماد الاغتيال أداةً مفضلة لحل "مشكلات معقّدة"، وحتى لمحاولة تغيير مسارات الصراع. ووفق المنطق الإسرائيلي، لا تهدف الاغتيالات إلى الإزالة الجسدية وحدها، وإنما إلى إنتاج صدمة وردع ورسالة تتجاوز الحدث نفسه، حيث يصبح التأثير النفسي جزءًا لا يتجزأ من العملية، لا نتيجة جانبية لها. وفي هذا السياق، لم تتردد القيادة الإسرائيلية، في حالات عديدة، في اعتبار تعريض المدنيين للخطر ثمنًا مقبولًا بوصفه "شرًا لا بد منه".
وتعكس الأرقام هذا التوجّه بوضوح. فبحسب برغمان، وحتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، نفّذت إسرائيل نحو 500 عملية اغتيال، قُتل فيها ما لا يقل عن ألف شخص، بينهم مدنيون ومقاتلون. وخلال الانتفاضة الثانية، نُفّذت نحو ألف عملية إضافية، تلتها مئات العمليات الأخرى في السنوات اللاحقة، وصولًا إلى ما يقارب 800 عملية إضافية حتى عام 2018، تاريخ صدور الكتاب.
ولا تقتصر هذه الأرقام على عمليات "الموساد" وحده، وهو الجهاز الأكثر ارتباطًا بالاغتيالات الخارجية في الوعي العام، وإنما تشمل مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. كما أن "الموساد" لا يتولى دائمًا تنفيذ عمليات الاستهداف بشكل مباشر، إلا أنه كثيرًا ما يؤدّي دورًا محوريًا في مراحلها الأولى، من جمع المعلومات وتعقّب الأهداف إلى بناء ملف الاستهداف، حتى عندما يُترَك التنفيذ لأجهزة أخرى.
سياسة القتل خارج القانون
لا تنبع أهمية الاغتيال من كونه أداةً أمنية فحسب، إذ يعكس أيضًا تصوّرًا إسرائيليًا أوسع للأمن والسياسة، يقوم على أن التهديد دائم، وأن مواجهته تتطلّب أدوات استباقية، حتى لو تجاوزت حدود القانون وسيادة الدول. وعلى هذا الأساس، بقي هذا النهج موضع إدانة دائمة لدى منظمات حقوق الإنسان، التي ترى فيه عمليات قتل خارجة عن أي مسار سياسي أو قضائي، وتفتقر إلى المساءلة والرقابة.
وبينما تتغير الوسائل، من السموم إلى الطائرات المسيّرة، تكشف التجربة أن هذا السلاح ليس دائمًا حاسمًا كما يُقدَّم. فكثير من النجاحات التكتيكية لم يُترجَم بالضرورة إلى مكاسب استراتيجية، وأدّى بعضها إلى تداعيات عكسية، سواء عبر انكشاف العمليات، أو تعقيد العلاقات السياسية، أو ببساطة لأن الأشخاص المستهدفين يُستبدَلون بسرعة داخل بنى تنظيمية قادرة على التكيّف.
كما ساهمت سياسة "الغموض المتعمّد" في ترسيخ إفلات إسرائيل من المساءلة والعقاب، لأنها توفّر غطاءً لتنفيذ هذه العمليات من دون تبنٍّ رسمي. وفي ظل هذا الغياب للمحاسبة، تبقى الكلفة الإنسانية للاغتيالات قائمة، إذ كثيرًا ما تتجاوز آثارها الهدف المباشر لتطال مدنيين، ما يضع حدودها الأخلاقية والقانونية موضع إدانة دائمة.
المراجع: