سياسة عقاب جماعي.. كيف عملت إسرائيل على هندسة التجويع في غزة؟
المشهد الإنساني المؤلم الذي نشهده اليوم من أجساد منهكة، وعيون مثقلة بالوجع، وأطفال أصبحت جلودها مرآة لعظامها من فرط الجوع، ليس حالة طارئة ولا وليدة اللحظة، بل هو نتاج سنوات من الحصار الإسرائيلي.
ورغم التحذيرات الدولية والأممية والفلسطينية من تداعيات المجاعة بغزة، تواصل إسرائيل إغلاق معابر القطاع بشكل كامل أمام المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية منذ 2 مارس/ آذار الماضي، في تصعيد لسياسة التجويع التي ترتكبها منذ بدئها حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة منذ 7 أكتوبر 2023، خلفت أكثر من 200 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 9 آلاف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين.
سلاح التجويع الإسرائيلي في غزة
سلاح الجوع أشهرته إسرائيل على مراحل، ففي 21 من أكتوبر 2023، وبعد 12 يومًا من الحصار الكامل، سمح بدخول أول قافلة مساعدات من مصر.
في 24 من نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، لاح أمل في الحياة والغذاء مع التوصل إلى هدنة مؤقتة بين إسرائيل وحماس استمرت أسبوعًا، لم تسمح خلالها إسرائيل سوى بدخول مساعدات محدودة إلى غزة، ثم استأنفت القصف والقتل والحصار.
وفي 29 فبراير/ شباط 2024، ارتكبت "مجزرة الطحين"، حيث أسفرت عن مئة شهيد سقطوا وهم ينتظرون الطعام في طابور بلا حياة.
وفي الأول من أبريل/ نيسان 2024، شنت إسرائيل غارة متعمدة على قافلة مساعدات تابعة لمنظمة "المطبخ المركزي العالمي" (WCK)، بينما كان العاملون يوزعون الوجبات.
ومع اكتمال عام على اندلاع الحرب، أعلنت إسرائيل حصارًا كاملًا على شمال غزة، في 6 أكتوبر، وأصدرت أوامر بالإخلاء القسري، تزامنًا مع برد الشتاء القاتل.
في 19 يناير/ كانون الثاني 2025، أعلن وقف لإطلاق النار أعاد شيئًا من الأمل، وبعض المساعدات، لكنها لم تكن كافية.
وفي مطلع مارس/ آذار الماضي، عادت الحرب، وأغلقت إسرائيل جميع المعابر، وتنامت معها فصول المجاعة.
هندسة التجويع… ليست وليدة هذه الحرب
وعام 2007، كشفت إسرائيل عن خطة حكومية لحساب عدد السعرات الحرارية التي يجب إدخالها إلى غزة، ليس لإطعام السكان، بل لإبقائهم على قيد الحياة، دون أن يموتوا جوعًا.
وفي أبريل عام 2024، كشفت منظمة "أوكسفام" أن سكان شمال غزة يعيشون على 245 سعرة حرارية فقط يوميًا، أي أقل مما تحتويه علبة فاصوليا صغيرة.
من جهتها، قالت منظمة العفو الدولية إن إسرائيل تستخدم الجوع كسلاح حرب.
إلى ذلك، تمنع إسرائيل الأمم المتحدة من توزيع المساعدات، وتستهدف العاملين في الإغاثة، وتطلق الرصاص على الجائعين في طوابير الطحين.
فما يجري في غزة ليس مجرد نقص في الطعام، ولا فشلًا لوجستيًا في إيصال المساعدات، إنه نظام إسرائيل دقيق، اسمه: "هندسة الجوع".
كيف عملت إسرائيل على هندسة الجوع في غزة؟
في هذا الإطار، أفاد مراسل التلفزيون العربي من القدس أحمد جرادات، بأن إسرائيل بدأت بفرض حصار شديد على قطاع غزة منذ عام 2007، يتصاعد كلما اندلعت حرب إسرائيلية ضد القطاع.
وأشار إلى أنه منذ 2023، وبعد مرور يومين فقط على أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول، صرّح وزير الأمن الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، بأن إسرائيل تقاتل ما أسماه "حيوانات بشرية"، في محاولة لإلغاء الطابع الإنساني عن سكان غزة، معلنًا منع دخول المياه والكهرباء والوقود والطعام إلى القطاع.
ومنذ ذلك الحين، بدأت إسرائيل بفرض قيود مشددة على إدخال المواد الغذائية، مستخدمة التجويع كوسيلة ضمن أدوات الحرب، وفقًا لما ذكره المراسل.
وأضاف أن إسرائيل بدأت أولًا بتقليص المساعدات الإنسانية، ونزع الشرعية عن مؤسسات دولية، أبرزها وكالة "الأونروا"، متذرّعة بوصول تلك المساعدات إلى حركة حماس.
كما قامت لاحقًا بإغلاق المعابر، وامتنعت عن إدخال الطعام لأكثر من شهرين، ابتداءً من شهر آذار/مارس الماضي، ما أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني داخل غزة.
وأكد المراسل أن المجتمع الدولي لم يمارس حتى الآن ضغوطًا جدية على إسرائيل، رغم بعض التصريحات المتفرقة بشأن فرض عقوبات أو اتخاذ إجراءات عملية.
وأشار أيضًا إلى أن إسرائيل ربما تشعر بالحرج من الصور المنتشرة في الإعلام الإسرائيلي، ليس بدافع أخلاقي، بل خشية أن تُكسب الفلسطينيين تعاطفًا أكبر عالميًا.
وأضاف أن إسرائيل لا تواجه حتى اللحظة أي ضغط دولي جاد لوقف استخدام التجويع كوسيلة لقتل الفلسطينيين داخل القطاع.
كما لفت المراسل إلى الدعم الأميركي الواسع الذي استمر حتى في عهد الرئيس بايدن، حيث لم يُمارس أي ضغط لإدخال المساعدات، بل تم تأسيس مشروع "الميناء العائم" الذي لم يعمل سوى أيام قليلة وانزلق لاحقًا نحو منطقة أسدود، ما اعتبره فشلًا ذريعًا.
كما أشار إلى مشروع مشترك أميركي–إسرائيلي، ضمن ما يُعرف بـ"مؤسسة غزة الإنسانية"، لإقامة نقاط لتوزيع المساعدات داخل القطاع، والتي تحولت، بحسب منظمات حقوقية، إلى "مصائد موت"، من خلال قتل الفلسطينيين المجوعين.
مراسلنا لفت إلى أن إسرائيل تسعى من خلال "هندسة الجوع" إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين، من أجل خطة التهجير القسري من القطاع.