الخميس 5 أغسطس / August 2021

"أخوة السلاح".. سرديّة مؤلمة توثّق تجربة الرقة بين آل الأسد و"داعش"

"أخوة السلاح".. سرديّة مؤلمة توثّق تجربة الرقة بين آل الأسد و"داعش"
الخميس 1 يوليو 2021

على مدى نصف قرن من الزمان، لم يرَ الشعب السوري سوى وجوه آل الأسد، في فترة عصيبة عاشتها البلاد محكومة بالحديد والنار، حيث طُوّع مجتمع بأكمله وقُهِر عبر حكم قمعيّ لم يتورّع عن ارتكاب المجازر والمذابح بلا رحمة.

وحين قامت الثورة في ربيع عام 2011، لم يكن لدى النظام الحاكم سوى شعار واحد: "الأسد أو نحرق البلد". هكذا، استبيح الشعب السوري بلا تردّد، ودُكّت القرى والمدن الثائرة بلا هوادة، لتعيش البلاد واحدة من أكثر الحروب تدميرًا وعنفًا، ولتشهد واحدة من أكبر موجات اللجوء إلى الخارج منذ الحرب العالمية الثانية.

في وسط أتون تلك الحرب المروّعة على السوريين، شبّ جيل جديد لم يرَ سوى الحرب والدمار، وسرعان ما بدأوا سرد شهاداتهم على وقائع ما جرى، مُبرِزين حجم الفاجعة التي ألمّت ببلادهم، وتروي سيرة نهر الدم الذي جرى في طول سوريا وعرضها بلا توقّف.

كيف كان ابن مدينة الرقة يخاطر بحياته؟

من تلك الشهادات ما دوّنه الصحافي الشاب مروان هشام، ابن مدينة الرقة في مذكراته التي حملت عنوان "أخوة السلاح"، والتي روى فيها سرديّة مؤلمة أثارت الأوساط الغربية والعالمية.

فقد وجد مروان الشاب اليافع وقت اندلاع الثورة نفسه يسجّل يوميّاته طوال ستّ سنوات متتبّعًا حال المدينة عند استهداف قوات النظام لها، ثمّ حين سقطت في يد "تنظيم الدولة" الذي أعلنها إمارة إسلامية.

وقد بدأ مروان مشاركة يوميّاته على موقع "تويتر" باللغة الإنكليزية، لتلتقطها الرسامة الأميركية الشهيرة مولي كراب آبل فتقرّر تحويل تلك الشهادة إلى رسومات، كما فعلت من قبل حين نقلت بريشتها للعالم مأساة غزة بعد الحرب مع الكيان الإسرائيلي وأهوال معتقل غوانتانامو.

وتقول: "كان مروان يكتب التقارير خفية تحت سطوة تنظيم الدولة، وهو ابن مدينة الرقة الذي اختار البقاء فيها لحماية عائلته، وكان يخاطر بحياته في كلّ مرّة يوثّق فيها جرائم وشرور احتلال الدولة الإسلامية في موقعه على تويتر".

"جريمة فنية"

بدأ مروان يكتب ويدوّن ومولي ترسم مشاهد الحرب وتنشر القصص والرسومات بمجلة "فانيتي فير" الأميركية الشهيرة، وسرعان ما قرّرا تحويل تلك اليوميّات إلى كتاب صدر باللغة الإنكليزية عام 2018 وأحدث صدى بين الجمهور الغربي الذي وجد بين يديه شهادة إنسانية مؤلمة، تنقل رحلة شاب مع رفاقه الذين انضووا تحت لواء الثورة ثمّ تفرّقت بهم السبل، فانضمّ أحدهم إلى تنظيم إسلامي مسلّح، وسقط آخر شهيدًا على يد جيش الأسد، وأكمل الثالث رحلته صحافيًا وشاهدًا على ما أصاب مدينته من خراب، ثمّ وقوعها بيد تنظيم الدولة الإرهابي.

يقول مروان في مذكراته: "مشروعنا اتخذ اسم (جريمة فنية). لم يكن الوضع آمنًا، بل كان التصوير الفوتوغرافي من أخطر ما يكون، ويتجاوز كل الخطوط الحمراء. لم يكن لديّ هاتف محمول. استعنت بهاتف صديق لي بالمقهى أجّره مقابل 50 دولارًا مدّة ساعة في اليوم. أذكر أنني في مرّة من المرّات قمت بإخفاء الهاتف داخل سندوتش فلافل لتصوير المشفى الذي عالجت فيه داعش مقاتليها".

كيف تغيّرت الأمور بعد مقتل الشاب علي البابنسي؟

يفرد مروان في مذكراته مساحة للحديث عن بدايات الثورة السورية وكيف انتقلت المظاهرات سريعًا إلى مدينته التي سرعان ما وقعت في قبضة تنظيم "داعش".

فبعد عامين من اندلاع الثورة، أسقط مئات المتظاهرين تمثال الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد من وسط مدينة الرقة بشمالي سوريا، معلنين سقوط المدينة في يد المعارضة المسلحة.

جاء سقوط الرقة مباغتًا، وسرعان ما اكتظّت بالنازحين من نيران طيران قوات النظام بعدما استقرّت الأوضاع فيها، وتشكّلت مجموعات مدنية تولّت شؤون المدينة بدل النظام.

يحكي مروان في مذكراته كيف انضمّ هو ورفيقاه في الدراسة إلى الاحتجاجات الشعبية ضدّ بشار الأسد في بداياتها، ردًا على مجزرة وقعت في مدينتهم الرقة.

ويقول إنّ الأمور في المدينة تغيّرت بعد مقتل الشاب علي البابنسي، الشاب الصغير، الذي لم يكن علي تجاوز السادسة عشرة من العمر حين أصابته رصاصة من أحد "الشبيحة" استقرّت في القلب لتزهق روحه على الفور.

"استطاعوا طرد جنود بشار"

في مذكّراته، يتوقّف مروان عند "انقلاب" الأمور وسيطرة "تنظيم الدولة" على الرقة، حيث يكشف كيف استيقظ ذات صباح على صوت رصاص مختلف، مغاير لذلك الذي اعتادته أذناه، وعندما نظر من شرفة بيته، أبصر ثلاثة أعمدة من الدخان تندلع حول نقاط تفتيش الشرطة في مدينة الرقة.

لقد انقلبت الأمور رأسًا على عقب. انحسرت قوة النظام وباتت المدينة ملكًا للفاتحين وغنيمة لذوي الأوشحة السوداء، وهوت الرقة في أحضان تنظيم الدولة.

يقول عن تلك المحطة التاريخية: "استطاعوا طرد جنود بشار بعدما قتلوا نصف رجال الأمن وأرسلوا الآخرين إلى بؤرة استيطانية خلف حدود المدينة. لكن هل يجعلهم ذلك أصدقاءنا؟ اضطررنا حينها لابتلاع الألم رغم الغصّة، ورؤية الصمت والابتسام في وجوههم، ومن خلف باب منزلي كنت أراقب الوضع محدّقًا وغير مصدّق".

كيف طُمِست شعارات الثورة في الرقة؟

بعد استيلاء تنظيم الدولة على مدينة الرقة، تجوّل مروان في الشوارع الفارغة من المدينة التي عاش فيها عمره كلّه.

يشير مروان إلى شوارع المدينة التي تغصّ جدرانها بالغرافيتي وكيف طُمِست شعارات الثورة، وأزيلت الشعارات المنادية بالديمقراطية والانتخابات لتحلّ محلّها آيات قرآنية تحثّ على الجهاد وتحكيم الشريعة.

يحكي مروان في مذكّراته كيف تأثّرت أشكال الحياة كافة داخل مدينة الرقة باحتلال داعش لها، ويقول إنّ التنظيم كان يغري المراهقين بالمال للانضمام إليه، وإنّه توسّع في عمليات الاعتقال والاختطاف والإعدامات الغامضة، وفرض مزيدًا من التضييق على الحريات، وإنّ النساء كان لهنّ النصيب الأكبر من التضييق.

كيف تحوّل "الحماس" إلى "رعب"؟

في مذكراته، يروي مروان شهادة أخرى عن الخراب والدمار الذي خلفته غارات التحالف الدولي في المدينة أثناء معركة التحرير، فيقول إنّ الجميع كان متحمّسًا للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، لكنه راقب كيف تحوّل حرص جيرانه على التخلّص من داعش إلى رعب.

فمع مرور الأشهر حوّلت القنابل الأميركية التي كانت تُسقِطها طائرات التحالف الدوليّ مباني الرقة إلى حطام، وأدّت إلى خسائر فادحة في أرواح المدنيين وتدمير البنى التحتية الضرورية، وفق ما يقول مروان.

في خضمّ كل ذلك، لم يجد مروان بدًا من مغادرة المدينة نحو تركيا لاجئًا. يقول عن ذلك: "شعرت أن المغادرة ضرورية. أعددت نفسي للرحيل، وجلست في حافلة صغيرة بجانب 19 شخصًا آخرين لنعبر سويًا نقطة التفتيش الأخيرة مغادرين الحدود كالبضائع المهرَّبة".

تدهور بلا توقّف

بقي مروان في منفاه الإجباري يراقب ما يجري في مدينته، إلا أنّ الأوضاع بقيت في تدهور بلا توقف. نجا السكّان من تنظيم الدولة، لكنّ أتون الحرب بقي مستمرًّا، وبقي أهل المدينة هم الضحايا الوحيدون، يدفعون ثمن سعيهم المشروع إلى الحرية والعدالة.

عاد مروان لاحقًا إلى الرقة وبقي فيها إلى الآن، يرقب ما ستؤول إليه الأوضاع وما يحمله المستقبل لمدينته التي صار معظمها ركامًا.

المصادر:
العربي

شارك القصة

سياسة - أميركا
منذ 2 ساعات
البيت الأبيض
أكد مسؤول كبير في الإدارة الأميركية أن السياسة الجديدة المتعلقة بتصدير الأسلحة قيد الإعداد (غيتي)
شارك
Share

في تحول عن السياسة التي أرساها ترمب، أفادت مصادر مطلعة بأن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تعد لتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة لزيادة التأكيد على حقوق الإنسان.

سياسة - العالم
منذ 2 ساعات
المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس
واشنطن ترجح فرضية خطف السفينة أسفلت برينسيس لبعض الوقت (غيتي)
شارك
Share

كانت وكالة الأمن البحري البريطانية قد أعلنت اليوم الأربعاء أن الحادث على متن سفينة قبالة شواطئ الإمارات العربية المتحدة انتهى من دون أضرار.

Close