سيرًا على الأقدام.. القصف الإسرائيلي وضيق الحال يجبران غزيين على النزوح
باتت مدينة غزة في عين الحرب، دماء تسيل في كل شارع ومنازل تُنسف وأصوات الانفجارات لا تهدأ.
لكن وسط الدمار والخراب، يسجّل أهالي هذه المدينة قصة مختلفة عما يسعى الاحتلال لتصويره. يزعم الاحتلال بأن المدينة أخلي معظم سكانها، لكن الحقيقة هي أن أكثر من 900 ألف فلسطيني ما زالوا صامدين في بيوتهم ويرفضون ترك أرضهم، متحدّين الموت في كل زاوية وكل شارع.
ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن أعداد النازحين تتزايد تحت وطأة القصف الإسرائيلي، فنحو 270 ألف فلسطيني اضطروا إلى التوجه جنوبًا، لكن كثيرين عادوا أدراجهم بعدما وجدوا الحياة هناك شبه مستحيلة، بلا ماء أو كهرباء وبلا مأوى.
النزوح إلى المجهول
وتعكس مشاهد النزوح يأسًا جماعيًا من واقع يضيق الخناق على الجميع، حيث لا مفر من القصف أملًا في الوصول الى ما تسميه إسرائيل ممرات إنسانية. فحتى منطقة المواصي في خانيونس التي يروّج الاحتلال بأنها "مناطق آمنة" تحولت إلى مقبرة جماعية.
ففي طرقات مظلمة، تسير عائلات بأكملها على الأقدام بعد أن عجزت عن العثور على أي وسيله نقل فيما تكتظ سيارات أخرى بالنازحين إلى أقصى طاقتها.
وتروي إحدى النازحات لمراسل التلفزيون العربي أنها تنزح للمرة العاشرة ونزحت هذه المرة سيرًا على الأقدام لأنها لا تملك تكلفة النزوح.
ويجلس النازح محمد فلفل محاطًا بـ45 فردًا من عائلته الممتدة في أمتار مثقلة بالانقاض ورائحه البارود لنصب خيمة ممزقة قرب مخيم النصيرات، لا يملكون شيئًا سوى أجسادهم المتعبة وذكريات بيت رحلوا عنه قصرًا في حي الزيتون بمدينه غزة.
"أسوأ مستوى من الموت"
ويقول الأمين العام للأمم المتحده أنطونيو غوتيريش في وصف ما يجري في غزه: "إن ما نشهده في غزه هو أمر مروع إنه أسوأ مستوى من الموت والدمار شاهدته منذ أن أصبحت أمينًا عامًا وربما في حياتي كلها".
وتقول منظمات الإغاثه الدوليه التي تحذّر من أن هذه المناطق بالكاد تصلح للعيش في ظل نقص لأبسط مقاومات النظافه: "إن معاناة تتشكل وسط مجاعة وافتقار تام للرعاية الصحية ومناطق ذات اكتظاظ هائل تفتقر لأبسط مقاومات الحياة".
أمّا وكاله الأونروا فكشفت أن المساحات المخصصة لإيواء النازحين باتت مقتظة للغاية، في وقت تقدر فيه تكلفة النزوح من مدينة غزة إلى الجنوب بأكثر من 3000 دولار أميركي للعائله الواحدة.
غزيون لا يستطيعون تحمل كلفة النزوح
وفي ظل هذا الواقع، يختار بعض الغزيين البقاء في مدينة غزة. وبحسب وكالة "فرانس برس" نزح محمد تصّار قبل شهر تقريبًا من حي الصبرة في جنوب مدينة غزة إلى تل الهوى إلى الغرب منه.
وأضاف للوكالة: "أن الاحتلال يريد تهجير كل الناس حتى يدمّر مدينة غزة وتصبح مثل بيت حانون (شمال) ورفح (جنوب)، لا تصلح للحياة لمئة عام، لا أمل لدينا بوقف الحرب".
ويوضح أن اثنين من أبنائه نزحا مشيًا على الأقدام من غزة إلى منطقة المواصي في خانيونس جنوبًا "لكنهما لم يجدا مكانًا ولا خيمة".
أمّا هو وزوجته وثلاثة من بناتهما فلا يمكنهم تحمّل كلفة النزوح، وفق قوله. وتابع: "لا يوجد معي مال للنزوح، ولا أستطيع المشي 30 كيلومترًا.. الموت أرحم".
وقالت ديما الأشقر لوكالة "فرانس برس": "أفقنا على المناشير. أين نذهب؟ أين ننزح؟ الناس ليس معهم مال. وضعنا تحت الصفر. يكفي. نحن تعبنا. هذا ظلم، هذا حرام".
أمّا رائدة العمارين البالغة 32 عامًا، والتي تقيم مع زوجها وأطفالها ووالدتها في خيمة في غرب غزة، فتقول: "نريد النزوح، لكن لا يوجد معنا مال. النقل بالتوك توك بسعر 4000 شيكل (قرابة 1196 دولارًا)، وفي شاحنة صغيرة يصل السعر إلى 7000 شيكل".
وتضيف العمارين التي تعيش مع والدتها المقعدة، وقد نزحت قبل أيام فقط من منطقة الشيخ رضوان في شمال غرب مدينة غزة: "لا نملك 10 شيكل لنشتري خبز. ماذا نفعل؟ سنبقى. إما نموت وإما يجدون لنا حلًا".