السبت 12 سبتمبر / سبتمبر 2026

سيكولوجية الأداء العلني.. كيف يغير حضور الآخرين ما نفعله؟

سيكولوجية الأداء العلني.. كيف يغير حضور الآخرين ما نفعله؟

شارك القصة

قد يتعطل أداء شخص متمرس  أمام الجمهور لأنه يريد أن يؤدي بطريقة مثالية
قد يتعطل أداء شخص متمرس أمام الجمهور لأنه يريد أن يؤدي بطريقة مثالية- غيتي
قد يتعطل أداء شخص متمرس أمام الجمهور لأنه يريد أن يؤدي بطريقة مثالية- غيتي
الخط
يسبب حضور الجمهور تباين في الأداء البشري بين التيسير الاجتماعي في المهام المألوفة والاختناق تحت الضغط في المهارات الجديدة.

وحيدًا، تشرح فكرتك بطلاقة وانسياب، لكن ما إن تقف أمام مجموعة صغيرة حتى تتبخر الكلمات وتنساك أول جملة.

وفي المقابل، يدخل ممثل أو مغنٍّ إلى خشبة المسرح متوترًا، لتتحول عيون الجمهور فور صعوده إلى وقود يمنحه طاقة وحيوية لم تكن موجودة في غرف التدريب. إنه ذات الجمهور الذي قد يجعل اليد ترتجف خوفًا، أو يمنح الأداء دفعة أسطورية؛ فما الذي يتغير تمامًا في دواخلنا لحظة دخول عيون أخرى إلى الغرفة؟

"التيسير الاجتماعي"

يدرس علم النفس منذ عقود ما يعرف بـ"التيسير الاجتماعي"، وهو تأثير وجود الآخرين في طريقة أدائنا للمهمات. ولا يعني الاسم أن الجمهور يجعلنا أفضل دائمًا؛ فالنتيجة قد تسير في الاتجاهين.

وفي مراجعة واسعة شملت 241 دراسة ونحو 24 ألف مشارك، ظهر أن وجود الآخرين يرتبط عمومًا بأداء أسرع في المهمات البسيطة، وبأداء أبطأ وأقل دقة عندما تصبح المهمة أكثر تعقيدًا. وكان حجم التأثير في المجمل محدودًا، لكنه يكشف مفارقة مألوفة: ما نعرفه جيدًا قد يصبح أسهل أمام الناس، بينما يزداد ارتباكنا فيما لم نتقنه بعد.

ولهذا يمكن أن يؤدي عدّاء حركة معتادة بطاقة أكبر في السباق، فيما يجد شخص يتعلم مهارة جديدة أن وجود المشاهدين يضيف طبقة من الصعوبة إلى مهمة تحتاج أصلًا إلى تركيز كبير.

المألوف يتحمل الجمهور أكثر

عندما نكرر مهارة طويلًا، لا نحتاج إلى التفكير الواعي في كل خطوة منها. فالعازف المتمرّس لا يسأل نفسه عند كل نغمة أين يضع إصبعه، والمتحدث الذي يعرف موضوعه لا يسترجع كل جملة كما لو كان يحفظها للمرة الأولى.

قد يجعل الجمهور نفسه أداء البعض أفضل، بينما يجعل أداء آخرين أسوأ - غيتي
"قد يجعل الجمهور نفسه أداء البعض أفضل، بينما يجعل أداء آخرين أسوأ - غيتي

وفي هذه الحالات، قد يدفع وجود الآخرين الاستجابات الأكثر رسوخًا إلى الظهور بقوة أكبر. وهذا ما أظهرته تجارب كلاسيكية على "التيسير الاجتماعي". قد تتحسن الجوانب المألوفة من المهمة أمام الآخرين، بينما تتضرر الجوانب الجديدة أو الصعبة.

ويشبه الأمر رفع مستوى الصوت لما هو موجود أصلًا. وإذا كانت الحركة مستقرة ومتمرَّنًا عليها، قد يخدمها الحضور. وإذا كان التردد هو الاستجابة الأقرب، فقد يصبح هو أيضًا أكثر وضوحًا.

أحجية المهمة الجديدة 

تختلف الصورة عندما نحاول تذكّر نص جديد، أو تقديم عرض لم نتدرب عليه جيدًا، أو تنفيذ حركة دقيقة لم تصبح تلقائية بعد.

تحتاج هذه المهمة أصلًا إلى جزء كبير من انتباهنا. ثم يظهر جمهور، فتدخل معه أسئلة صغيرة لا علاقة مباشرة لها بما نحاول فعله: هل فهموا؟ هل لاحظوا الخطأ؟ هل أتحدث بسرعة؟ لماذا ينظر إليّ ذلك الشخص؟ ماذا سأفعل إذا نسيت الجملة التالية؟

وفجأة، لا يصبح المطلوب أداء المهمة فقط، وإنما أداؤها بالتزامن مع إدراك أننا نؤديها أمام الآخرين. ولهذا قد يبدو الشيء الذي كان سهلًا في غرفة فارغة أكثر تعقيدًا بمجرد أن يصبح علنيًا.

عندما نفكر كثيرًا في شيء نجيده

ولا يؤثر الضغط في المبتدئين وحدهم، فقد يتعطل أداء شخص متمرس تحديدًا لأنه يريد أن يؤدي بطريقة مثالية. تسمى هذه الظاهرة أحيانًا "الاختناق تحت الضغط". وتحصل عندما يتراجع الأداء في اللحظة التي تزداد فيها أهمية النجاح.

تطرح الأبحاث تفسيرين بارزين لذلك. الأول أن الضغط يشتت الانتباه بعيدًا عن المهمة. والثاني أننا نركز أكثر مما ينبغي على تفاصيل مهارة أصبحت تعمل بصورة تلقائية.

قد يبدأ لاعب، مثلًا، بالتفكير فجأة في حركة ذراعه التي نفذها آلاف المرات من دون أن يفكر فيها. وقد يصبح العازف واعيًا بكل حركة لأصابعه، أو يستمع المتحدث إلى صوته وهو يتكلم بدل أن يتابع الفكرة التي يريد إيصالها. في محاولة ألا نخطئ، قد نتدخل في مهارة كان أفضل ما فيها أنها لم تعد تحتاج إلى كل هذا التدخل.

ليس كل جمهور متشابهًا

تتباين ردود أفعال الأفراد تبعًا لطبيعة الجمهور وحجمه، إذ يختلف الوقوف أمام حشد كبير مجهول عن محاولة إقناع فرد واحد، كما تختلف مواجهة لجنة تقييم عن التحدث أمام أصدقاء مقربين.

وعلاوة على ذلك، قد يُشكل الجمهور الداعم عبئًا نفسيًا إضافيًا يرفع سقف التوقعات في ذهن المؤدي، خشية خذلان من يثقون به.

تقلل الخبرة عدد الأشياء التي يحتاج الإنسان إلى إدارتها في اللحظة نفسها- غيتي
تقلل الخبرة عدد الأشياء التي يحتاج الإنسان إلى إدارتها في اللحظة نفسها- غيتي

لهذا لا يتعلق الأثر بعدد العيون وحده، وإنما بما تعنيه لنا هذه العيون. هل نشعر بأن الجمهور يشاركنا اللحظة، أم بأنه يفحص أخطاءنا؟ هل المهمة تجربة عادية، أم اختبار لا نريد أن نفشل فيه؟ هل نعرف ما نفعله جيدًا، أم ما زلنا نحاول العثور على الخطوة التالية؟

ويمكن لهذه التفاصيل أن تجعل الجمهور مصدر طاقة في موقف، ومصدر ضغط في موقف آخر.

كيف تؤثر الخبرة؟

لا تلغي الخبرة شعور الإنسان بوجود الجمهور كليًا، بل تُسهم في تقليص عدد العوامل التي يتوجب عليه إدارتها في آنٍ واحد.

ومع ترسخ المهارات وزيادة الاعتياد على مواجهة الآخرين، يتراجع الانتباه اللازم لتنفيذ الأساسيات ويخفت شعور الغربة تجاه المراقبة؛ وهو ما يفسر تعامل المؤدي مع تسارع دقات قلبه قُبيل العرض كجزء مألوف وطبيعي من طاقة الأداء لا كنذير خطر.

لا يملك الجمهور قدرة سحرية على إضافة المهارة أو سحبها. يغيّر وجوده الظروف التي نستخدم فيها ما نعرفه: يرفع الانتباه، ويضيف شيئًا من الضغط، ويجعل النتيجة أكثر حضورًا في أذهاننا.

ولهذا يمكن للعيون التي تراقبنا أن تجعلنا أفضل مما كنا ونحن وحدنا، أو أن تجعل أبسط حركة تبدو أصعب. الفارق أحيانًا ليس في عدد من ينظرون إلينا، بقدر ما هو في مقدار ما أصبح مألوفًا داخلنا قبل أن يبدأوا بالنظر.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من