شبح الغياب يهدد إيران في كأس العالم 2026.. ماذا يقول التاريخ؟
قبل أقل من 100 يوم على أول مباراة مقررة لمنتخب إيران في مونديال 2026، تتبدّد سريعًا فرص مشاركته في البطولة، فيما تعصف التوترات الجيوسياسية مجددًا بأكبر حدث كرويّ في العالم.
وبحسب الجدول الرسمي، يستهل منتخب إيران مشواره في كأس العالم 2026 بمواجهة نيوزيلندا يوم 15 يونيو/ حزيران في إنغلوود قرب لوس أنجلوس الأميركية، فيما تنطلق البطولة يوم 11 يونيو.
لكن، مع تصاعد الصراع العسكري في الشرق الأوسط - حيث تقصف الولايات المتحدة إيران، فيما ترد طهران بضربات تطال عددًا من البلدان، بينها ثلاث دول متأهلة أيضًا إلى المونديال - يبدو احتمال مشاركة إيران في البطولة مهددًا بجدية.
انسحابان رغم التأهل.. لماذا لا تشبه إيران حالتي 1950؟
إذا اضطرت إيران إلى الانسحاب أو جرى استبعادها، فستكون أول دولة متأهلة لكأس العالم منذ الهند وفرنسا في مونديال 1950 تغيب عن النهائيات رغم حجزها بطاقة التأهل.
لكنّ المقارنة بين الحالتين قد لا تكون في مكانها، فانسحابا 1950 لم يكونا بدوافع سياسية، وفي الواقع، فإنّ وصف ما جرى يومها بوجود انسحابين يظل مسألة تقنية إلى حدّ بعيد، لأن تلك المرحلة كانت شديدة الفوضى في ما يتعلق بعمليات التأهل.
لم تنسحب الهند - كما يشاع كثيرًا - بسبب منع لاعبيها من اللعب حفاة، بل لأن الاتحاد الهندي لم يكن قادراً على تحمل تكاليف السفر إلى البرازيل.
أما فرنسا، فقد كانت قصتها مختلفة.
فبعدما رفضت اسكتلندا الاستفادة من المقعد الذي استحقته إثر احتلالها المركز الثاني في بطولة بريطانيا المحلية، وانسحبت تركيا بعدما عُرض عليها التأهل عقب انسحاب النمسا، أصبحت فرنسا واحدة من ثلاثة منتخبات دُعيت لاستكمال عدد المشاركين.
وقد رفضت كل من البرتغال وإيرلندا الدعوة، فيما وافقت فرنسا في البداية، قبل أن تتراجع عندما أدركت حجم الرحلات الطويلة والشاقة التي سيتعين عليها خوضها بمجرد وصولها إلى البرازيل.
ولهذا، تبدو المقارنة بين نسختي 2026 و1950 سطحية إلى حدّ كبير. فالنسختان الأقرب إلى الوضع الحالي هما بطولة 1938، وربما بدرجةٍ أكبر بطولة 1974.
مونديال 1938.. حين اقتربت الحرب من كرة القدم
يُعد جول ريميه، الرئيس التاريخي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، واحدًا من أعظم من تولوا قيادة الاتحاد، سواء بمكانته الأخلاقية أو بمهاراته الدبلوماسية.
ولعل أبرز إنجازاته تمثل في نجاحه، خلال مؤتمر للفيفا عُقد في برلين أثناء دورة الألعاب الأولمبية عام 1936، في انتزاع استضافة فرنسا لكأس العالم 1938 بدلًا من ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر.
وفي فرنسا، حيث كان ريميه أيضًا رئيس اتحاد كرة القدم، نجح في الحؤول دون تحوّل البطولة إلى أداة دعائية لليمين الشعبوي. ومع ذلك، لم يكن بالإمكان تجاهل اقتراب شبح الحرب العالمية.
فقد شارك في البطولة 15 منتخبًا فقط بدلًا من 16، لأن النمسا ضُمّت إلى ألمانيا بعد عملية "الأنشلوس" التي قادها هتلر.
كذلك، رُفض طلب إسبانيا المشاركة في التصفيات بسبب الحرب الأهلية، فيما انسحبت اليابان عقب غزوها للصين.
وشهدت المباريات احتجاجات مناهضة للفاشية، في حين رد المنتخب الإيطالي على تعارض ألوان قمصانه مع فرنسا في ربع النهائي بارتداء القمصان السوداء على نحو استفزازي.
وبعد احتفاظ إيطاليا باللقب، اعتبر النظام الفاشي ذلك انتصارًا دعائيًا جديدًا. وعندما سأل الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني اللاعبين عن المكافأة التي يرغبون بها، جاء ردّهم مختلفًا هذه المرة.
ففي مونديال 1934، كان المدافع إيرالدو مونزيليو قد قال، بتملق واضح، إنه لا يريد شيئًا أكثر من صورة موقعة من "الدوتشي". أما في 1938، فقد طلب اللاعبون بطاقة سفر بالقطار مدى الحياة، لكن موسوليني أصرّ مع ذلك على منحهم صورة موقعة.
مونديال 1974.. كأس العالم في قلب الحرب الباردة
بينما كان المستشار الألماني الغربي فيلي برانت ينتهج سياسة التقارب مع الشرق، تكشّف قبل ستة أسابيع فقط من انطلاق المونديال أن أحد كبار مستشاريه، غونتر غيوم، كان جاسوسًا يعمل لصالح جهاز الاستخبارات في ألمانيا الشرقية.
وضاعفت تلك الفضيحة السياسية حساسية المواجهة المرتقبة بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية في دور المجموعات.
كما رفعت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 منسوب التوتر في الحرب الباردة، بعدما زادت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي دعمهما لحلفائهما في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، فرضت الدول العربية المصدرة للنفط بقيادة الملك فيصل حظرًا نفطيًا على الدول الغربية الداعمة لإسرائيل.
وبحلول رفع الحظر في مارس/ آذار من العام التالي، كانت أسعار النفط قد ارتفعت إلى أربعة أضعاف، لتنتهي بذلك حقبة الازدهار الاقتصادي الطويل في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أسهم هذا التراجع الاقتصادي في تصاعد التوترات السياسية.
ومع استحضار ذكرى حادثة "مقتل الرياضيين الإسرائيليين" في أولمبياد ميونيخ 1972، كانت ألمانيا الغربية تعيش حالة استنفار أمني قصوى مع اقتراب المونديال.
وفي المقابل، جرى استبعاد الاتحاد السوفيتي عمليًا من التصفيات بعدما رفض خوض مباراة الإياب الفاصلة ضد تشيلي، اعتراضًا على إقامة اللقاء في الملعب الوطني بالعاصمة سانتياغو، وهو المكان الذي استُخدم لاحتجاز وتعذيب وقتل أنصار الرئيس المنتخب ديمقراطيًا سلفادور أليندي عقب انقلاب أوغستو بينوشيه.
ورغم أن البطولة تُستعاد غالبًا في الذاكرة بفضل منتخب هولندا وابتكار "الكرة الشاملة"، فإنها شهدت أيضًا تصاعدًا في تمرّد اللاعبين للمطالبة بحقوقهم المالية.
كما أنّ لاعبي ألمانيا الغربية هددوا بالإضراب عشية البطولة، ما أدخل مدربهم هيلموت شون في حالة انهيار عصبي، إلى درجة أنه لم يعد قادرًا على تناول سوى الطعام المهروس.
وقبيل البطولة بقليل، جرى استبدال رئيس الفيفا ستانلي روس بالبرازيلي جواو هافيلانج، الذي قدّم نفسه، بمهارة سياسية، مرشحًا مناهضًا للاستعمار.
مونديال 2026.. هل يعيد التاريخ نفسه؟
تبدو كثير من تلك الظروف التاريخية مألوفة اليوم. فالولايات المتحدة منخرطة مرة أخرى في صراع في الشرق الأوسط، فيما تشهد المجتمعات الغربية تحولات سياسية عميقة مع تزايد الغضب من الأحزاب التقليدية.
وقد لا توجد اليوم منظمة إرهابية تعادل جماعات مثل الجيش الأحمر الألماني "بادر ماينهوف"، لكن عنف عصابات المخدرات في المكسيك يشكل تهديدًا أمنيًا كبيرًا، كما لا يمكن استبعاد خطر هجمات مدعومة من إيران داخل الولايات المتحدة.
ويبقى الفارق هذه المرة أن العامل الأكثر إرباكًا قد يكون زعيم الدولة المضيفة نفسه، دونالد ترمب، الذي تربطه علاقة سياسية وثيقة وغير معتادة برئيس الفيفا جياني إنفانتينو.
ولا يقتصر الأمر على تورط أربع دول متأهلة للمونديال في الصراع الدائر، بل إن الولايات المتحدة هددت أيضًا وحدة أراضي دولة مرشحة أخرى للمشاركة، هي الدنمارك، حين أبدت علنًا رغبتها في السيطرة على غرينلاند.