تستعد شبكات الجيل السادس "6G" لإحداث تحول كبير في عالم الاتصالات، إذ لن تقتصر وظيفتها على نقل البيانات، بل قد تمتد إلى استشعار الأجسام والحركة داخل نطاق التغطية.
وتتسابق الدول وشركات الاتصالات نحو تطوير الجيل السادس من شبكات الهاتف المحمول "6G"، الذي قد يمثل قفزة تقنية لا ترتبط بسرعة الإنترنت فقط، إذ يمكن أن تتحول الشبكات المستقبلية من مجرد وسيلة لنقل المكالمات والبيانات إلى بنية قادرة على استشعار ما يحيط بها من أشخاص وأجسام وحركة، عبر الإشارات الصادرة من أبراج الاتصالات والهواتف وأجهزة الراوتر.
"الاتصال والاستشعار المتكامل"
وتحمل هذه التقنية اسم "الاتصال والاستشعار المتكامل"، المعروفة اختصارًا بـ"ISAC"، حيث تجعل إشارات أبراج الاتصالات والأجهزة المتصلة بالشبكة تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه: نقل البيانات واستشعار البيئة المحيطة.
وتنتشر موجات الشبكة داخل نطاق تغطية برج الاتصالات، وتتأثر بما تصطدم به من أجسام وعوائق، ثم تعود إلى الأبراج، حيث تعمل أنظمة متطورة على تحليل الفروق بين الإشارة المرسلة والعائدة، مثل التأخير والضعف وتغير الاتجاه وشكل الارتداد.
ومن خلال هذه الفروق، يمكن استنتاج وجود أشخاص أو أجسام داخل نطاق الشبكة، ومعرفة ما إذا كانت ثابتة أو متحركة، وتحديد اتجاه حركتها.
ومع تطور دقة الإشارات وقدرات المعالجة الحاسوبية، لا يقتصر الأمر على رصد أجسام كبيرة مثل السيارات أو الطائرات المسيرة، بل قد يمتد إلى أنماط حركة أكثر دقة داخل الأماكن المغلقة، بما في ذلك رصد حركة الصدر أثناء التنفس.
ولهذا تبرز مخاوف من أن أي مساحة تصل إليها تغطية الشبكة قد تصبح قابلة للاستشعار بدرجات متفاوتة من قبل الجهات التي تدير هذه الشبكات.
من البحث إلى الاستخدامات الرسمية
لم يعد دمج تقنيات الاتصالات والاستشعار مجرد تجارب بحثية، ففي 17 مارس/ آذار الماضي، أدرج الاتحاد الدولي للاتصالات "ITU" تقنية "الاتصال والاستشعار المتكامل" ضمن سيناريوهات الاستخدام الرسمية لإطار الجيل السادس.
ومن المتوقع استخدام تقنية "ISAC" في مجالات متعددة، إذ استعرض تقرير للمعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات "ETSI" نحو 18 حالة استخدام محتملة، بينها الإنقاذ، والرعاية الصحية، وإدارة المرور، والروبوتات الصناعية، والطائرات المسيرة، والمركبات الآلية داخل المطارات، وتخطيط مسارات مركبات الطوارئ.
ويمكن لهذه التقنية المساعدة في تحديد موقع شخص تحت الأنقاض من خلال رصد حركة دقيقة أو نمط تنفس، أو متابعة حركة السيارات والمشاة في ظروف مثل المطر والضباب، أو مساعدة الروبوتات داخل المصانع على اكتشاف وجود عامل قريب منها، فتبطئ حركتها أو تتوقف قبل وقوع اصطدام.
مخاوف تتعلق بالخصوصية
في المقابل، خصص المعهد دراسة كاملة لمخاطر الأمن والخصوصية والاستدامة المرتبطة بتقنية "ISAC"، نشرها في مارس/ آذار الماضي، وحدد فيها 19 قضية، من بينها الاستشعار غير المصرح به، وتسريب بيانات الحركة والموقع، وخداع النظام بإشارات مزيفة، ورصد أشخاص غير متصلين بالشبكة من الأساس.
كما حذر مؤتمر سلطات حماية البيانات الألمانية من أن "ISAC" قد يجعل الاستشعار جزءًا من تقنيات الاتصال المنتشرة حول العالم، بحيث لا تقتصر هذه القدرة على أبراج الاتصالات فقط، بل قد تمتد إلى الهواتف وأجهزة "واي فاي" وغيرها من الأجهزة القادرة على الاتصال اللاسلكي.
وبذلك، قد يصبح جهاز موجود في المنزل أو المستشفى أو المكتب قادرًا على استخدام الإشارات المحيطة به لاستنتاج وجود شخص في المكان أو حركته أو سقوطه أو توقفه عن الحركة، وربما رصد أنماط أكثر دقة مثل التنفس، حتى لو لم يكن الشخص يستخدم الجهاز أو يعلم أنه داخل نطاق الاستشعار.
وتقابل هذه التحذيرات أبحاث تسعى إلى التحكم بوظيفة الاستشعار وجعلها أكثر شفافية، إذ كشف معهد "باركهاوزن" الألماني في دريسدن أن باحثيه يعملون منذ سنوات على مفاهيم تقنية تتيح تشغيل "ISAC" بطريقة آمنة وموثوقة ومتوافقة مع حماية البيانات، بدل إضافة الضمانات بعد انتشار التقنية.
وتشمل هذه المحاولات تطوير مفتاح يمكن دمجه في الهواتف المستقبلية لتعطيل وظيفة الاستشعار مع استمرار الاتصال العادي، ونموذج تطبيق يخبر المستخدم إذا كان الاستشعار يحدث في موقعه الحالي، إلى جانب توصيات لتصميم الشبكات بحيث لا تعالج إلا البيانات الضرورية فعليًا، ولا يصل إليها سوى الأشخاص والجهات المصرح لهم.