كانت المهمة تبدو أصغر من أن تدخل كتب التاريخ: تقليم شجرة حور حجبت الرؤية بين نقطتي مراقبة في المنطقة الأمنية المشتركة عند بانمونجوم.
ففي صباح 18 أغسطس/آب 1976، دخل فريق أميركي-كوري جنوبي إلى المكان لتنفيذ المهمة، وبعد دقائق، أصبحت الشجرة نفسها مركز واحدة من أخطر أزمات شبه الجزيرة الكورية منذ توقيع هدنة عام 1953.
قُتل ضابطان أميركيان، النقيب آرثر بونيفاس والملازم أول مارك باريت، عندما هاجمت قوات كورية شمالية فريق العمل مستخدمة الفؤوس الموجودة في الموقع.
ولم تتعامل واشنطن مع الحادث باعتباره اشتباكًا حدوديًا محدودًا، إذ رُفعت حالة التأهب، ووصلت تعزيزات جوية، وتحرّكت قاذفات وقوة بحرية، وناقش البيت الأبيض خيارات كان من بينها ضرب ثكنة كورية شمالية. وبعد 3 أيام، عاد الأميركيون إلى الشجرة، لكن هذه المرة ضمن استعراض عسكري هائل حمل اسم "عملية بول بنيان".
مهمة روتينية في مكان لا يعرف الروتين
نشأت المنطقة الأمنية المشتركة في بانمونجوم بعد اتفاق الهدنة الذي أوقف القتال في الحرب الكورية عام 1953، وكانت مساحة صغيرة يلتقي فيها ممثلو الجانبين، فيما يقف جنود كوريا الشمالية في مواجهة قوات قيادة الأمم المتحدة على مسافة تكاد تلغي معنى الحدود التقليدية. وتحولت المنطقة، مع مرور السنوات، إلى مختبر دائم لقياس النيات والإشارات والاستفزازات.
في أغسطس/آب 1976، كانت المشكلة شجرة حور كبيرة تحجب خط الرؤية بين نقاط مراقبة تابعة لقيادة الأمم المتحدة.
ودخل فريق من 15 شخصًا إلى الموقع لتقليمها، وكان بونيفاس وباريت ضمن المجموعة. وتؤكد السجلات الأميركية أن القوات الكورية الشمالية هاجمت الفريق، وانتهت المواجهة بمقتل الضابطين.
ولم يكن توقيت الحادثة خاليًا من التوتر. وتظهر وثائق أميركية رُفعت عنها السرية أن الاستخبارات كانت تنظر إلى البيئة المحيطة بالحادثة باعتبارها مشحونة أصلًا، وأنها رجحت وجود نية لإحداث مواجهة، وإن لم تجزم بأن قتل الضابطين كان مخططًا له منذ البداية.
لذلك لم يكن السؤال في واشنطن: كيف نعاقب المسؤولين فقط؟ بل كان السؤال الأكبر: ماذا ستفهم بيونغ يانغ إذا جاء الرد ضعيفًا، وماذا قد يحدث إذا كان قويًا أكثر من اللازم؟
حين أصبحت شجرة مسألة هيبة
تكشف محاضر اجتماعات "مجموعة العمل الخاصة بواشنطن" أن هنري كيسنجر والمسؤولين العسكريين ناقشوا الأزمة بمنطق الردع مباشرة. ورأى كيسنجر أن عدم فعل شيء قد يدفع كوريا الشمالية إلى استنتاج أن الولايات المتحدة لن ترد على استفزازات أخرى، فيما ناقش القادة مجموعة واسعة من الخيارات العسكرية.
ورُفعت حالة القوات الأميركية في كوريا إلى مستوى التأهب الثالث، ووصلت طائرات إضافية من طراز "إف-4". وتقرر كذلك تحريك 18 طائرة من طراز "إف-111"، والتخطيط لتحريك قوة بحرية، وتنفيذ طلعات لقاذفات "بي-52".
وتضمنت أوراق العمل خيار إعداد خطة لضرب ثكنات كورية شمالية قرب المنطقة الأمنية المشتركة، فيما رفض الرئيس جيرالد فورد اقتراحًا أكثر تصعيدًا بضربها فعلًا.
هنا تغير معنى الشجرة. لم يعد قطعها عمل صيانة، وإنما أصبح رسالة سياسية: إذا منع الهجوم الأميركيين من إكمال المهمة، فقد يبدو ذلك تراجعًا تحت القوة؛ وإذا عادوا بقوة مفرطة، فقد يصبح قطع شجرة شرارة لمواجهة عسكرية واسعة.
كان المطلوب لذلك تصميم رد قوي بما يكفي لاستعادة الردع، ومضبوط بما يكفي لترك باب التراجع مفتوحًا أمام الطرف الآخر.
عملية "بول بنيان".. منشار تحرسه القاذفات
في 21 أغسطس/آب، عاد فريق إلى الموقع لتنفيذ المهمة التي توقفت قبل 3 أيام. وحملت العملية اسم "بول بنيان"، نسبة إلى الحطاب الأسطوري في التراث الأميركي، ولم يعد الهدف تقليم أغصان الشجرة، بل قطعت حتى بقي منها جذع.
وما جعل العملية استثنائية لم يكن المنشار، وإنما القوة التي أحاطت به. كانت القوات في حالة تأهب قتالي مرتفع، وحلقت طائرات وقاذفات أميركية، فيما كانت مجموعة حاملة الطائرات "ميدواي" موجودة في المنطقة. وتصف قيادة الأمم المتحدة العملية بأنها أكبر استعراض للقوة منذ توقيع الهدنة الكورية عام 1953.
ولم تتدخل القوات الكورية الشمالية لمنع قطع الشجرة. وبعد الأزمة، بعث كيم إيل سونغ برسالة اعتذار، بحسب السجل التاريخي لقيادة الأمم المتحدة، ثم بدأت مفاوضات حول إعادة تنظيم المنطقة الأمنية المشتركة.
الحادثة التي غيّرت بانمونجوم
لم تنته آثار المواجهة بسقوط الشجرة. ففي الأسابيع التالية، توصل الطرفان إلى تعديل مهم لترتيبات المنطقة الأمنية المشتركة، إذ أصبحت القوات الأمنية لكل جانب مقيدة بالجانب الخاص بها من خط ترسيم الحدود العسكرية، وأزيلت نقاط كورية شمالية كانت موجودة في الجانب الذي تسيطر عليه قيادة الأمم المتحدة.
وبذلك تحولت حادثة بدأت بسبب خط رؤية محجوب إلى تغيير فعلي في طريقة إدارة واحدة من أكثر المناطق العسكرية حساسية في العالم.
وكان منع الاحتكاك المباشر بين الجنود جزءًا من الحل؛ فأحيانًا لا يكون منع الحرب بزيادة الأسلحة فقط، وإنما بتقليل الفرص التي يستطيع فيها حادث صغير أن يتضخم أسرع مما يستطيع القادة احتواءه.
وهنا تكمن أهمية "حادثة الفأس" في تاريخ الردع. فالردع ليس القدرة على إيقاع أكبر ضرر بالخصم فحسب، بل أيضًا جعله يصدق أنك مستعد للرد، مع إبقاء الطريق مفتوحًا أمامه كي يتراجع من دون أن يضطر إلى الذهاب حتى النهاية.
بعد 50 عامًا.. السؤال نفسه يعود
تحل الذكرى الخمسون للحادثة بينما تجري الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مجددًا تدريبات "درع الحرية أولتشي". وكانت كوريا الشمالية قد وصفت تدريبات هذا العام بأنها استفزازية وتعهدت بتعزيز ردعها النووي، فيما أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتقليص نطاق التدريبات، التي انطلقت في 17 أغسطس/آب وتستمر حتى 27 منه.
تغيرت الأسلحة كثيرًا منذ عام 1976. وتملك كوريا الشمالية اليوم ترسانة نووية وصواريخ أكثر تطورًا، وأصبحت الحسابات الإقليمية أعقد بكثير. لكن المنطق الذي ظهر تحت شجرة الحور لم يختف: كل تمرين عسكري أو اختبار صاروخي أو تحريك للقوات يمكن أن يكون في الوقت نفسه رسالة ردع في نظر صاحبه واستفزازًا في نظر خصمه.
لهذا بقيت الشجرة في الذاكرة العسكرية والسياسية الكورية. ولم تكن أهميتها في أنها كادت وحدها أن تبدأ حربًا، وإنما في أنها كشفت مدى ضآلة المسافة التي قد تفصل الحادث التكتيكي الصغير عن القرار الإستراتيجي الكبير في مكان يعيش منذ أكثر من 7 عقود تحت هدنة لم تُلغِ أسباب الصراع.