الإثنين 16 مارس / مارس 2026
Close

شرب الذهب ونقل الدم.. رحلة البشر في البحث عن الخلود

شرب الذهب ونقل الدم.. رحلة البشر في البحث عن الخلود محدث 04 أكتوبر 2025

شارك القصة

شكّل الخلود وقهر الموت هوسًا للعديد من الحضارات
شكّل الخلود وقهر الموت هوسًا للعديد من الحضارات- غيتي
الخط
من أساطير غلغامش وإكسير الصين إلى شرب الذهب وتجميد الجثث، رحلة البشر عبر العصور في سعي لا ينتهي لمواجهة الموت والبحث عن الخلود.

على مرّ العصور، شكّل الخلود وقهر الموت هوسًا للعديد من الحضارات، بدءًا من المصريين القدماء وصولًا إلى زمننا الحالي.

ويُعتبر طبّ مكافحة الشيخوخة ثاني أقدم مهنة في التاريخ، حيث اعتمد البشر تكتيكات غريبة لمحاولة منح أنفسهم سنوات إضافية من الحياة أو حتى بلوغ الخلود.

ويزخر التاريخ بقصص عن أشخاص حاولوا الاحتيال على الموت لكنهم فشلوا جميعًا.

تجارب في محاولة العيش إلى الأبد

عبر التاريخ، جرّبت شعوب من ثقافات مختلفة وسائل وأساليب متنوّعة للعيش لفترة أطول أو حتى إلى الأبد، ومن أبرزها:

1- تجنّب النوم في بلاد الرافدين

تُعد قصة غلغامش بطل أساطير بلاد الرافدين إحدى أقدم الحكايات التي تناولت محاولات البشر تحدي الموت.

أمره الملك أوتنابشتم بالبقاء مستيقظًا ستة أيام وسبع ليالٍ ليثبت جدارته بالخلود، لكن غلبه النعاس سريعًا. وبعد أن أخبره الملك عن نبتة في قاع المحيط تُعيد الشباب، عثر عليها غلغامش بالفعل، لكن أفعى سرقتها منه واختفت في الماء. فعاد إلى موطنه أوروك من دون سرّ الخلود.

وعن هذه الرحلة كتب ستيفن كايف، مؤلف كتاب "الخلود: السعي إلى العيش إلى الأبد وكيف يقود الحضارة" (Immortality: The Quest to Live Forever and How It Drives Civilization):

الدرس المستفاد من غلغامش هو أنّنا لن نتمكّن أبدًا من التغلّب على الفناء، وعلينا أن نتصالح مع ذلك ونُفكّر في عيش حياة جيدة.

2- جرعات الدواء في مصر القديمة

كان حكّام مصر القديمة مهووسين بالخلود، مقتنعين بوجود حياة أخرى وبضرورة الحفاظ على الجثث لتكون مأوى للأرواح.

لذلك أنفق المصريون القدماء وقتًا وجهدًا ومالًا هائلًا على التحنيط والطقوس الجنائزية، إلى جانب بناء الأهرامات والمعابد. ويُقدّر بعض العلماء أنّ 40% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر القديمة كان مخصّصًا لصناعة "الحياة الآخرة".

كما بذل المصريون كل ما في وسعهم لإطالة أعمارهم عبر الأدوية والجرعات. وفي هذا السياق كتب كايف:

كان التحنيط بمثابة خطة بديلة. فقبل تحنيط المومياوات، كان الناس يُمنحون أدوية وجرعات متنوّعة لمحاولة الحفاظ على حياتهم. وفي النصوص الطبية القديمة وأوراق البردى، نجد تعليمات علاجية كإصلاح كسر الساق مقرونة بوعود بأن من يتبعها سيعيش إلى الأبد. إنه هوس قديم.

3- إكسير الإمبراطور الأول للصين

في الصين القديمة، ظهرت أساطير عن "الإكسير السحري" الذي يمنح الخلود.

وكان تشين شي هوانج، أول إمبراطور للصين وموحدها عام 221 ق.م، مهووسًا بفكرة العيش الأبدي. جاب إمبراطوريته الضخمة باحثًا عن الكيميائيين والسحرة الذين يمكن أن يمنحوه هذا الإكسير.

كتب كايف:

كان هوانج مهووسًا بإطالة عمره إلى درجة أنه حظر ذكر كلمة الموت في حضرته، وتبعه الشعراء ينشدون أغاني الخلود.

لكن المفارقة أنه توفي عن عمر 49 عامًا، ويُرجّح أن وفاته المبكرة كانت نتيجة تناوله كميات كبيرة من الزئبق ضمن "جرعات الخلود". وعندما اكتُشف قبره، وُجد أنّ تركيز الزئبق فيه أعلى بمئة مرة من المعدّل الطبيعي.

4- شرب الذهب

في القرن السادس عشر، انتشرت في فرنسا موضة صهر الذهب وشربه لمكافحة الشيخوخة. وكانت هذه الممارسة موجودة أيضًا في مصر والصين حيث عُدّ الذهب أنقى المعادن.

وأوضح س. جاي أولشانسكي، أستاذ علم الأوبئة والإحصاء الحيوي في جامعة إلينوي، أنّ الكيميائي الصيني وي بويانغ روّج عام 2500 ق.م لفكرة أنّ استهلاك "مواد خالدة" يطيل العمر. وبما أنّ الحكّام كانوا يمتلكون كميات وفيرة من الذهب، وجد الكيميائيون المادة المثالية لصنع "شراب الخلود".

من أبرز من اتبع هذا الأسلوب ديان دو بواتييه، عشيقة الملك الفرنسي هنري الثاني. كتب برانتوم، أحد كتاب البلاط في القرن السادس عشر:

كانت دو بواتييه في قمة النضارة والبهجة كما لو أنها في الثلاثين من عمرها، حيث كانت تتناول كل صباح مشروبات مصنوعة من الذهب.

لكن الحقيقة ظهرت بعد وفاتها. ففي عام 2008 كشف التحليل الكيميائي للرفات أنّ نسبة الذهب في شعرها تجاوزت المعدل الطبيعي بـ500 مرة، إضافة إلى آثار زئبق في عظامها أضرّت بكليتيها وكبدها. وهكذا تحوّل الذهب من "سرّ الشباب الأبدي" إلى سبب محتمل في تدهور صحتها.

5- نقل الدم

عام 1492، وبعد إصابة البابا إنوسنت الثامن بسكتة دماغية، جرت محاولة نقل دم من ثلاثة أطفال أصحاء إلى جسده، في ما يُعتقد أنه أول نقل دم في التاريخ المدون. لكن البابا والأطفال الثلاثة توفوا جميعًا.

تتباين الروايات: فبعضها يشير إلى أن الدم أعطي عن طريق الفم، وأخرى تتحدث عن عملية نقل مباشرة. ويزيد ضعف الفهم العلمي للدورة الدموية آنذاك من غموض القصة.

ووفقًا لموقع "link.springer.com"،لا يوجد دليل فعلي على صحتها، إذ لا يذكر التقرير الرسمي لوفاة البابا أي علاج بالدم، كما لم يكن هناك شهود عيان للعملية نفسها.

6- مضادات الشيخوخة وتجميد الجثث

مع تطوّر الطب، بدأت محاولات علمية أكثر تنظيمًا لإبطاء الشيخوخة، حيث استثمر أثرياء العالم أموالًا طائلة في مختبرات بحثية تسعى لفكّ شيفرة الحياة الأبدية.

ويعمل الباحثون اليوم على تطوير نسخ احتياطية من الخلايا لتحل محل الخلايا المتضرّرة، فيما تتقدّم تجارب تجميد الجثث وتخزينها في النيتروجين السائل عند درجة حرارة 196 تحت الصفر، على أمل إعادتها إلى الحياة مستقبلًا عندما يسمح التطور التكنولوجي بذلك.

من أساطير غلغامش إلى تجارب التجميد الحديثة، ظلّ الخلود حلمًا إنسانيًا مستعصيًا. ورغم تعدّد الوسائل، من شرب الذهب إلى إكسير الزئبق ونقل الدم، بقي الموت الحقيقة الوحيدة الثابتة التي لم يتمكن البشر من قهرها حتى الآن.
تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي - ترجمات
المزيد من