تشهد مستشفيات قطاع غزة انهيارًا شبه كامل للمنظومة الصحية في ظل الهجوم الإسرائيلي المتواصل والحصار الكامل المفروض منذ مارس/ آذار الماضي، حيث نفدت معظم المستلزمات الطبية الأساسية مثل المضادات الحيوية وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي والمواد الجراحية.
ويأتي هذا الاستنزاف الحاد للمستلزمات الطبية المنقذة للحياة في غزة، في الوقت الذي تُغرق فيه حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، المستشفيات بالضحايا الذين تمزّقت أجسادهم واحترقت بفعل القنابل، وغالبًا ما سُحقوا تحت أنقاض منازلهم المنهارة.
وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أنّ المستشفيات العاملة حاليًا وبشكل جزئي في قطاع غزة، لا تتعدى الـ 19، وتخدم أكثر من 2.1 مليون فلسطيني في ظروف حرب ومجاعة، وسط ارتفاع كارثي في أعداد الشهداء والجرحى نتيجة القصف.
وأضافت الصحيفة أنّه "لا يوجد هيليوم لتشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، ولا مضادات حيوية لعلاج الجروح الملتهبة، ولا مكان في غرفة العمليات للحالات الطبية العامة، ولا إطارات جديدة لسيارات الإسعاف التي دمّرها القصف في شوارع غزة".
وقال علام نايف، رئيس قسم العناية المركزة والتخدير في مستشفى ميداني في دير البلح تُديره وزارة الصحة ومنظمة أطباء بلا حدود للصحيفة: "هناك أمثلة لا حصر لها لأرواح كان من الممكن إنقاذها، ولكنّنا فقدناها بسبب النقص، أو بسبب عدم إمكانية إجلائهم لتلقّي العلاج في الخارج".
وأضاف: "أصبحت البكتيريا تنتشر كالوحوش" في مستشفيات غزة، وتُشكّل العدوى "خطرًا كبيرًا".
وروى نايف أنّ أحد المرضى كان مصابًا بجروح بالغة لدرجة أنّه كان لا بد من بتر قدميه، ولكن بعد شهرين ونصف قام الطبيب مجدًدا بتخديره. فحيث أن جروحه كانت ملتهبة، لم يتمكّن الأطباء من إنقاذ حياته إلا ببتر جديد، وهذه المرة فوق الركبتين.
حلول بديلة غير كافية
ويضطر أطباء الصدمات إلى اللجوء إلى حلول بديلة غير مناسبة لمحاولة إنقاذ الأرواح، في حين يتسبّب نقص الإمدادات في وفيات لا داعي لها وألم أكبر لمن ينجو من الموت.
وفي هذا الإطار، قال رأفت المجدلاوي، المدير العام لجمعية "العودة للصحة والمجتمع"، التي تُدير مستشفيين في القطاع للصحيفة: "إذا احتاج مريض إلى 20 قرصًا من المضادات الحيوية، نعطيه 4 فقط".
وفي المستشفيات التي لا تزال تعمل، تظلّ قدرة الأطباء على مساعدة المرضى محدودة للغاية.
وقال تيسير الطنة، جراح أوعية دموية في المستشفى الأهلي شمال غزة، للصحيفة: "لا مجال لوصف كل ما يحتاجه المريض المُصاب. أنا مُقيّد باستخدام ما يُمكن العثور عليه هنا".
واضطر مستشفى العودة إلى الإغلاق لعدة أسابيع، بعد أن أدت الغارات الجوية الإسرائيلية في منتصف أبريل/نيسان الماضي، إلى تدمير قسم الطوارئ.
ورغم إعادة افتتاح المستشفى، أكد الطنّة الذي يُجري ما يصل إلى 12 عملية جراحية يوميًا، أنّه يفتقر إلى مواد حيوية مثل الأوعية الدموية الاصطناعية لاستبدال الشرايين التالفة، والغرز ذات الحجم الصحيح لإصلاح الأوعية الدموية، والقسطرة المُتخصّصة لإزالة جلطات الدم أثناء العمليات الجراحية.
وأجرى الطنّة هذا الشهر عملية جراحية لضحية تفجير يبلغ من العمر 26 عامًا، كان يُعاني من جرح في البطن أدى إلى قطع الشريان الرئيسي الذي يغذّي الأطراف السفلية بالدم.
ونظرًا لعد توفّر الأوعية الدموية الاصطناعية، استخدم الطنّة أنبوبًا جراحيًا بلاستيكيًا، يُعرف باسم "التحويلة"، على أمل أن يتمكن من العثور على وعاء دموي اصطناعي خلال 48 ساعة.
وقال الطنّة: "لم نتمكن من الحصول على وعاء دموي اصطناعي، وانتشرت الغرغرينا في إحدى القدمين فاضطررنا إلى بترها".
العدوى "آفة كبرى"
وتُشكّل العدوى بعد العمليات الجراحية "آفة كبرى"، في ظل غياب العديد من أنواع المضادات الحيوية والمطهّرات، مع تكدّس المصابين في أجنحة مكتظة.
وأوضح أنّ أحد أسباب العدوى هو استخدام المثبتات الخارجية، وهي دبابيس طويلة تخترق الجلد ومتّصلة بإطار معدني خارج الجسم وتُستخدم لتثبيت العظام المكسورة معًا.
وتحمل هذه المثبّتات الخارجية مخاطر تلوّث أكبر من الطرق الأخرى لتثبيت العظام، لكنّ الأطباء يضطرون إلى الاعتماد عليها بسبب نقص البراغي والألواح المستخدمة في التثبيت الداخلي.
ويؤدي عدم وجود جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، إلى فقدان القدرة على تشخيص الإصابات بدقة، وبالتالي إلى فقدان المزيد من الأرواح.
وأدى الأمر إلى استشهاد شاب عشريني مُصاب في العمود الفقري لم يتمكّن الأطباء من إجلائه أو تقييم حالته بدقة.
وأوضح نايف: "أثّرت الإصابة على منطقة في النخاع الشوكي تتحكم بالتنفس، وظلّ على جهاز التنفّس الصناعي يُعاني من التهابات رئوية حتى وفاته".
ومع توقّف عمل مستشفى غزة الأوروبي في خانيونس في 13 مايو/ أيار الماضي، بعد سلسلة من الغارات الإسرائيلية، فقد الغزيّون 25 سرير طوارئ إضافي.
"طب طوارىء"
وخلال الشهر الحالي، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنّ 94% من مستشفيات غزة قد "تضررت أو دُمرت".
وقال نايف: "كل ما نفعله الآن هو طب الطوارئ ومحاولةً إنقاذ حياة أو إنقاذ طرف بالحد الأدنى من المعدات والقدرات، فلا مجال للعمليات الجراحية المجدولة، ولا لمعظم الجراحات الترميمية".
وأضاف أنّه عند وقوع مجزرة كبيرة يتعين علينا كأطباء "أن نبدأ بالأشخاص الأكثر احتمالًا للبقاء على قيد الحياة، وبحلول النهاية سوف نكون قد فقدنا اثنين أو ثلاثة من الآخرين".
ووصفت فيكتوريا روز، جرّاحة التجميل البريطانية المتطوّعة في مجمع ناصر الطبي في خانيونس، الوضع هناك بأنّه "خطير للغاية" حيث يكافح الأطباء لعلاج "المزيد والمزيد" من الضحايا.
وقالت روز: "لقد نفدت منا الأشياء الأساسية، مثل شفرات المشارط والقفازات والشاش والمحاليل المستخدمة لتنظيف الجلد".
كما يتأخّر تعافي المرضى بشكل كبير بسبب سوء التغذية، حيث يحاصر الجوع قطاع غزة منذ أن أغلق الاحتلال المعابر.
وشرحت روز أنّ "المرضى لا يحصلون على العناصر الغذائية الأساسية والفيتامينات والمعادن التي يحتاجونها للشفاء".
من جانبه، قال أحمد الفرا، رئيس قسم الأطفال في المستشفى نفسه للصحيفة، إنّ هذه الفترة هي "الأشد حرجًا في الحرب"، مضيفًا أنّه خلال أسبوعين أو ثلاثة "لن تتوفر أي لقاحات لأي طفل. وستعود جميع الأمراض التي يمكن الوقاية منها".