من صعوبة التنقل ورصد الأحداث، إلى القصف العشوائي والاستهداف المباشر، تتحول مهمة الصحافة في جنوب لبنان إلى اختبار يومي للبقاء.
ومع تراجع احترام القوانين الدولية وتزايد استهداف الإعلاميين، لم تعد الخوذة والكاميرا كافيتين للحماية، بل أصبحتا في كثير من الأحيان سببًا إضافيًا للخطر.
هنا، لا تُكتب الأخبار بالحبر فقط، بل تُسطر أحيانًا بالدم.
فالجيش الإسرائيلي لا يميز في استهدافاته بين مقاتل في حزب الله، وجندي في الجيش اللبناني، ومدني، ومسعف، وصحفي.
وكان آخر الاستهدافات التي طالت الصحفيين في جنوب لبنان في 28 مارس/ آذار، حين استشهد مراسل قناة "المنار" علي شعيب، إلى جانب مراسلة قناة "الميادين" فاطمة فتوني وشقيقها المصوّر محمد فتوني، بضربة إسرائيلية استهدفت سيارتهم في جزين.
وجاء ذلك بعد أيام من استشهاد المصور اللبناني حسين حمود، الذي أكدت لجنة حماية الصحفيين أنه قضى في غارة جوية إسرائيلية في 25 مارس/ آذار.
كما استهدفت غارة إسرائيلية في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 مجموعة من دور الضيافة في بلدة حاصبيا، وكان جميع من فيها من الصحفيين، ما أسفر عن استشهاد 3 منهم (غسان نجار ومحمد رضا ووسام قاسم)، وأثار تنديدًا عالميًا.
"الحرب الأخطر على لبنان"
يصف مراسل التلفزيون العربي في الجنوب رامز القاضي الحرب الإسرائيلية الحالية بأنها الأخطر على لبنان، ليس عسكريًا فقط، بل أيضًا من الناحية الديمغرافية، نظرًا إلى التهجير الذي يتعمد الجيش الإسرائيلي تنفيذه في مناطق الجنوب والبقاع شرق لبنان، إلى جانب غياب أي أفق لحلول قريبة.
ويلفت إلى تحديات وصعوبات عدة تواجه عمل الصحفيين في الجنوب، تبدأ من صعوبة التنقل بسبب استهداف جسور حيوية، والأخطار الأمنية الناتجة عن القصف، وصولًا إلى تحدي الحصول على المعلومات الدقيقة ونقلها إلى الجمهور في زمن تعدد المصادر.
القاضي، الذي غطى سابقًا حروبًا ومواجهات عديدة، يتحدث أيضًا عن عامل الضغوط النفسية على الصحفيين، وخصوصًا أن الحرب الحالية تأتي بعد أشهر قليلة فقط من الحرب السابقة التي انتهت عام 2024.
ويؤكد أهمية الدعم المعنوي من المقربين والعائلة، بوصفه حافزًا أساسيًا للاستمرار في أداء الواجب المهني في حرب لا مكان آمنًا فيها.
ويشير كذلك إلى تحدّ آخر يتمثل في قدرة الصحفي على ضبط انفعالاته على الشاشة قدر الإمكان، بحيث تظل المعلومة هي الأساس، ولا يتحول الصحفي من ناقل للحدث إلى جزء من الحدث نفسه.
إسرائيل تقتل الصحفيين بشكل مباشر
صعوبات أمنية ومهنية في التغطية
من جهتها، تشير مراسلة قناة "LBCI" لارا الهاشم إلى أن العوائق التي تواجه عمل الصحفيين في جنوب لبنان تبدأ من التنقل عبر طرقات لم تعد آمنة من العاصمة بيروت إلى الجنوب، مع توسع الاستهدافات وقصف السيارات على طول الأوتوسترادات والأبنية المجاورة للطرقات، ولا سيما في الضاحية الجنوبية.
وتلفت في حديثها لموقع التلفزيون العربي، إلى أخطار أخرى تتمثل في غياب قواعد واضحة للحرب، وانعدام معايير ثابتة للاستهدافات الإسرائيلية التي تطال الصحفيين والمسعفين وجنود الجيش اللبناني، فضلًا عن خطر القذائف التي قد تسقط في محيط الصحفيين أو عليهم مباشرة، وما قد تسببه شظاياها من إصابات خطرة.
أسفر العدوان الإسرائيلي الموسع على لبنان منذ 2 مارس/ آذار الماضي عن استشهاد 1345 شخصًا وإصابة 4040 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وفق السلطات اللبنانية.
ومن بين الشهداء 125 طفلًا و91 امرأة، فيما بلغ عدد الأطفال الجرحى 430، والنساء الجريحات 486.
ولا تقتصر الصعوبات، وفق الهاشم، على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الجانب المهني أيضًا، لناحية القدرة على تأمين التغطية والمقابلات الميدانية، والحفاظ على الموضوعية والمهنية في نقل الأحداث من منطقة تشهد حربًا ومعارك عنيفة، فضلًا عن الضغوط النفسية المترتبة على هذا الواقع.
وعن مشاهداتها خلال التغطية، تتحدث الهاشم عن مشهد لافت يتمثل في تمسك أهالي قرى عدة بالبقاء في أرضهم بالفعل لا بالقول فقط.
وتقول إنها، خلال تغطيتها في قرى على الشريط الحدودي مثل دبل وعين إبل والقليعة، إضافة إلى رميش وكوكبا وقرى العرقوب، لمست تمسكًا واضحًا من الأهالي بالبقاء، رغم الاستهدافات الإسرائيلية المباشرة التي أوقعت شهداء وخلّفت دمارًا واسعًا.
وتضيف أن هؤلاء الأهالي يدركون أن مغادرتهم لمنازلهم قد تعني تحويلها إلى مراكز عسكرية، أو دخول القوات الإسرائيلية إليها وتجريفها وتدميرها، متوقفة عند إصرارهم وشجاعتهم رغم كل الأخطار التي تهددهم.
وتؤكد أنه لا توجد ضمانات حقيقية بعدم استهداف أي قرية أو منطقة في جنوب لبنان، بعكس ما يتم تداوله، إلا أن أهالي عدد من القرى لا يغادرون أرضهم لإدراكهم خطورة المشروع التهجيري الذي قد تفرضه الحرب.
المشهد الأصعب في تغطية الجنوب
يكشف مراسل التلفزيون العربي في الجنوب إدمون ساسين جانبًا آخر من الخطر الذي يلاحق الصحفيين الميدانيين، يتمثل في تكرار استهداف المواقع التي سبق أن تعرضت للقصف خلال معاينتها من قبل الصحفيين، كما حصل مع فريق قناة "روسيا اليوم" أثناء معاينته القصف الذي استهدف جسر القاسمية.
ويشرح ساسين أن الأخطار لا تقتصر على الاستهداف المباشر للصحفيين، بل تتعداها إلى إمكان تعرض مبانٍ مجاورة لمكان وجودهم للقصف، أو استهداف سيارات قريبة منهم، ما قد يؤدي إلى إصابات، وخصوصًا أن معظم التغطيات تتم في مناطق حرب، وبعضها طُلب إخلاؤه.
ويقول إن خبرة الصحفي الميداني تلعب دورًا مهمًا في محاولة الحد من الخطر، ولا سيما من خلال الانتباه إلى مواعيد التنقل، واتخاذ إجراءات احترازية، والحذر عند رصد حركة الطائرات الحربية والمسيّرات.
ويلفت أيضًا إلى معوقات أخرى تصعب عمل الصحفيين جنوبًا، مثل غياب مقومات الحياة في المناطق التي أُخليت من سكانها، وبالتالي إقفال جزء كبير من المؤسسات والمحلات التي تؤمن الأساسيات اليومية، كالمواد الغذائية والخدمات.
وعن التغطية الأصعب التي قام بها خلال هذه الحرب، يقول إدمون ساسين إنها كانت لموقع استهداف الصحفيين علي شعيب وفاطمة فتوني وشقيقها المصور محمد فتوني على طريق جزين.
ويؤكد أن المكان كان مسرحًا لعدة جرائم: أولها قتل الصحفيين، وثانيها إعادة استهداف الصحفية فاطمة فتوني التي نجت من الغارة الأولى بعد أن شاهدت زميلها وشقيقها يُقتلان أمامها، لتعاود المسيّرات استهدافها على بعد نحو 20 مترًا، بينما كان مدنيان يمران مصادفة من المكان ويحاولان مساعدتها، ليستشهد الثلاثة معًا.
"الخوف فكرة مؤجلة"
"الخوف من الموت موجود، لكنه فكرة مؤجلة"، يقول الصحفي الميداني محمد زناتي، ابن جنوب لبنان، في معرض حديثه إلى موقع التلفزيون العربي عن تجربة التغطية في الحرب الحالية.
ويشرح أن الخطر الذي يتهدد الصحفيين يتمثل في وجود عدو لا يميز في استهدافاته بين مدني وعسكري وصحفي، ما يضع الصحفيين أمام خطر وجودي، على حد تعبيره.
ويؤكد أن التحدي الأساسي للصحفي الميداني هو الحفاظ على حياته، بالتوازي مع إنجاز واجبه المهني في توثيق الاعتداءات الإسرائيلية.
وإلى جانب عمله الصحفي، يرى زناتي أن عليه، بوصفه ابن الجنوب، واجبًا إضافيًا يتمثل في توثيق الاعتداءات التي تتعرض لها منطقته، لتبقى شهادة للتاريخ.
وعن قدرته على الحفاظ على مهنيته في التغطية، بينما تتعرض منطقته للقصف، يقول إنه ينقل الحقيقة والواقع القائم في جنوب لبنان خلال الحرب، والمتمثل في دخول الجيش الإسرائيلي إلى أرض لبنانية، وتدمير ما فيها، وتهجير أهلها وقتلهم، فيما يواجهه أبناء هذه الأرض في محاولة لردعه.
جنود مجهولون خلف الكاميرات
إلى جانب المراسلين، يواجه الخطر في جنوب لبنان جنود مجهولون آخرون: المصورون الذين يجهدون لإيصال الصورة والحقيقة من أرض المعركة.
وفي هذا الإطار، يشبّه مصور قناة "LBCI" في الجنوب بيار يوسف المصورين الصحفيين بالجنود الذين يقاتلون على الجبهات، فيما يذهب التقدير في الغالب إلى السياسيين فقط، معتبرًا أن هذا أمر يتكرر في مهن كثيرة.
ويقول إن المصورين هم الجنود المجهولون في العمل الذي يقدمونه، ليس فقط في الحرب جنوب لبنان، بل في مختلف الحروب والمعارك وحتى في التغطيات اليومية الأخرى.
وعن المخاطر التي يواجهها المصورون في الحرب جنوب لبنان، يؤكد يوسف أنها مشابهة لما عرفته حروب أخرى، من استهدافات مباشرة وخطر الإصابات الناتجة عن قصف مجاور. كما يتحدث عن عوائق أخرى، مثل سوء الفهم الذي قد ينشأ مع بعض أهالي القرى.
ويؤكد يوسف، الذي يمتلك سيرة طويلة في تغطية الحروب والمعارك والمناسبات المختلفة في لبنان وخارجه، اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية قبل الدخول إلى جنوب لبنان.
ومن هذه الإجراءات على سبيل المثال: التنسيق مع الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل"، إضافة إلى وضع شعار الصحافة بوضوح على السيارة، وارتداء السترة الواقية والخوذة اللتين تحملان الشعار نفسه.